يعيش المغرب، اليوم، لحظة اعتزاز بصورته الفنية، بإنتاج فنانيه، في وقت تنتشر فيه صورة الكراهية والعنف التي تُقرَن بالمسلم اليوم، وبكراهية الصورة أيضاً. ماذا يجري؟ ماذا يجري في المغرب، وعن المغرب خارجه؟ أهذا يعبِّر عن ميل أكيد، راجح؟ ما مقومات هذه اللحظة المغربية؟ ما أسباب بروزها وقوتها؟ من أين تتأتى هذه الأسباب؟  ماذا عن إمكانيات استمرار هذه الاندفاعة؟
لا يسعني، في هذه المحاضرة، القيام بنظر تاريخي وفني تحليلي حول إجمالي هذه التجربة، ولا عن لحظتها الراهنة؛ ما أقوى عليه هو استخلاص مجموعة من الأسباب التي أرى أنها تقع وراء اللحظة المغربية الفنية المنتشية بصنيعها.


التأخر الإيجابي
قد يتعجب البعض إذا قلتُ إن بعض ما يفسر قوة هذه اللحظة الحالية هو تأخرها التاريخي، ما قد يكون بمثابة التأخر الإيجابي. فماذا عنه؟
لو عاد الدرس إلى فحص تاريخ دخول الفن الحديث إلى المجتمعات العربية المختلفة، سيجد بأن بلداناً، مثل لبنان ومصر والعراق وسوريا وغيرها، سبقت المغرب إلى تقبل أساليب اللوحة الحديثة ومتعلقاتها من التصوير الأوروبي. يكفي لذلك أن نعود إلى ما كتبه المؤرخ محمد المنوني في مقالة قلما يعود إليها الدارسون، وهي: "التصوير بالمغرب الإسلامي في القديم": "لم يشتغل المغرب الإسلامي بالتصوير إلا قليلاً، شأنه في ذلك شأن المسلمين العرب في هذا الصدد، تأثراً بموقف الدين بالنسبة لعدد من أنواع التصوير. وقد كان هذا من أسباب إهمال أكثر المصادر التاريخية لتسجيل هذه الظاهرة، حتى لا يكاد يُعثر على نماذج من أخبارها إلا عرضاً وعفواً وفي حالات قليلة" ("دعوة الحق"، عدد 1-2، كانون الأول-يناير من سنة 1971، ص 83).
لو عاد الدارس إلى بعض الكتابات المغربية الأولى حول التصوير الأوروبي، في العقود الأولى من القرن العشرين، لتنبه إلى كونها معادية للتصوير، خصوصاً وأنها صدرت عن فقهاء: محمد بن عبد الله الموقت المراكشي (1867 أو 1880 أو 1894 – 1949) يورد في كتابه "الكشف والتبيان عن حال أهل هذا الزمان" مواقف عدد من الفقهاء من المسألة، في الفصل الموسوم: "المصوِّر وحكم التصاوير"، وينتهي إلى القول: "المصوِّر هو الذي يصنع صورة قائمة بنفسها كالخشب والطين، والصورة القائمة بغيرها كنقش على صورة على بساط وغيره، وقد فشا هذا الداء اليوم في غالب الحرف، وقلَّ أن تَدخل منزلاً لا ترى فيه صورة من الصور التي نهى عنها الشرع" (مطبعة مصطفى البابلي الحلبي وأولاده، القاهرة، 1930، ص 54). كما يكتب في "الرحلة المراكشية" (1932): "من عوائدهم الشنيعة شراؤهم لأولادهم يوم عاشوراء ونصف رمضان صوراً محرمة من الصور القائمة بنفسها ولها ظل، وليس بها نقص؛ وهذه الصور النظر إليها حرام، ولا تدخل الملائكة بيتاً هي فيه (...). وكذلك شراؤهم لما يُصنع من الحلاوات على صور الحيوانات التي شاعت اليوم، ويُدخلون ذلك دُورهم ويجتمعون عليه، وذلك حرام بلا كلام" (محمد بن عبد الله الموقت المراكشي: "الرحلة المراكشية"، مطبعة دار الرشاد الحديثة، لا تاريخ، لا مكان للنشر، ج 2، ص 87). بل نجد غيره يتحدث عن "إقامة الدليل على حرمة التمثيل" (في كتاب أحمد بن الصديق: "إقامة الدليل على حرمة التمثيل"، القاهرة، 1953)... فيما يفيد محمد المنوني، في مقالة أخرى، عن أن فقهاء أجازوا التصوير الفوتوغرافي ("مواقف مغربية وأعمال في مبادرات المرحلة الأولى بعد الحماية"، مجلة "الموقف"، عدد 4، كانون الثاني-يناير من سنة 1977، ص 64). كما يفيد فريد الزاهي عن وجود أعمال فنية محفوظة عند بعض المغاربة من إنتاج السلطان مولاي عبد العزيز (1878-1943)، الذي مارس التصوير الفوتوغرافي والسينمائي، كما أقدم على تصوير بعض نساء القصر...
هذا ما أذكرُه باقتضاب للقول بأن تاريخ الفن الحديث في المغرب لا يتعين في بدايات هذا الفنان أو ذاك، في العقد الثاني من القرن العشرين، حسب بعض النقاد، وإنما قبل ذلك. إذ إنه تاريخ يتعين في أشكال قبول الصورة أو الاختلاف حولها، في قصور ودور وغيرها، كما في الخطاب والمواقف المختلفة، مما يحتاج إلى تعقب وفحص ودرس. مع هذا، يمكنني القول بأن تأخر المغرب حملَ معه إيجابيات يُستحسن التوقف عندها، وهي  - في حسابي – خمسة أسباب:
- أولاً، لا يمكن القول بأن مرحلة التأثر بالحضور الاستعماري أنتجت كثيراً من الفن في المغرب، إذ لم تتعد تجارب محدودة، وعند الفنانين الأوائل ليس إلا؛ فيما جنح الجيل الثاني، جيل الرواد (محمد المليحي، فريد بلكاهية...) صوب وجهة أخرى، مضادة لنهج الاستشراق في الفن، ما جعلني أكتب عن هذا الجيل بوصفه تجربة "استقلالية" وفق أكثر من معنى.
- ثانياً، لم يتقيد الفنانون الرواد المغاربة بتجربة فنية مدرسية واحدة، مثلما نلقى ذلك في تجارب فنانين عرب رواد وكثيرين، وإنما تنوعت تجاربهم وتعددت، فيما نجد التأثير الأحادي، إذا جاز القول، في تجارب رواد كثيرين في العالم العربي.
ثالثاً، انصرف الرواد المغاربة إلى انفتاح أكيد وقوي على تجارب مزامنة لهم، عند انتقالهم للدراسة في إيطاليا أو تشيكوسلوفاكيا أو الولايات المتحدة الأميركية وغيرها، فيما انصرف رواد عرب آخرون، قبلهم، إلى تقليد يكاد أن يكون مدرسياً للمدارس الكلاسيكية أو الانطباعية من دون غيرها مما كانوا يتعرفون عليه في محترفات الفنانين ومعارضهم.
رابعاً، طلبَ الرواد المغاربة  بسرعة (إذا جاز الحسبان)، ومن دون مواربة (إذا جاز الوصف)، علاقة صريحة مع تراثهم المحلي، بخلاف الطرق الملتوية والمعقدة التي انتهجها عدد من أقرانهم العرب في هذا المجال.
خامساً، لا يمكن فهم التقدم المطرد للتجربة التشكيلية في المغرب، من دون دور المصارف فيه، التي أقبلتْ على سياسات شراء واسعة، انتهت بتشكيل مجموعات واسعة، تتباهى بها وتكرس لها الكتب الباذخة لتقديمها وتنظيم المعارض لها، وهو ما كان له أثره الأكيد على قيام نخب مدينية اعتنت باقتناء منتخبات من هذا الفن.

سياسات الفن
هذا التأخر كان له أن يبقى تأخراً، أو له مردود سلبي، ويشكل عائقاً دون الاندفاعة، لولا عدد من السياسات في الفن، ما يشمل "المخزن" (كما تقولون في المغرب)، أو مؤسسة مثل "الجمعية المغربية للفنون التشكيلية" أو متاحف وجمعيات أهلية وغيرها.
كتبُ التاريخ والمرويات تحتفظ عن السلطان مولاي عبد العزيز بصورة "ظريفة" أو "خفيفة" في بعض الأحيان، فلا تنتبه إلى حقيقة النقلة التي وفرتها سلوكاته وأعماله، سواء الفنية أو السياسية. يروي غابرييل فيري، وهو مهندس السلطان، في كتابه الموضوع في العام 1905 (الذي ترجم مؤخراً إلى العربية: "في صحبة السلطان"، ترجمة: عبد الرحيم حزل، دار جذور للنشر، المغرب) أخباراً جديرة بالاهتمام عن هذا السلطان، وعن زمنه وأعماله. فقد كان له شغف وفضول كبيران بالمخترعات الأوربية الحديثة؛ كما عملَ على إدخال الهاتف والتلغراف والكهرباء إلى القصور، واكتسب من غابرييل فيري نفسه مهارات التصوير الفوتوغرافي والسينمائي؛ وكان يمضي أحياناً أيامه في أخذ مشاهد مصورة لم يستثنِ منها نساءه.
يكتب غابرييل فيري عنه: "أعتقد حقاً، من دون اصطناع في ما أقول، أن من بين جميع التسليات التي كان مولاي عبد العزيز يُقبل عليها، كان فن التصوير هو الذي استأثرَ بمعظم اهتمامه، ووجد فيه كبير انشراحه. فقد أصبح السلطان على قدر كبير من المهارة، ولم يكن يكتفي بالضغط على الزر، كما هو شأن الهواة، بل كان يلمُّ بجميع الاستعمالات الدقيقة التي كانت تتمُّ داخل مختبر التحميض".
لا يسعني، في هذه المحاضرة، الوقوف عند سياسات سلاطين المغرب، قبل عبد العزيز وبعده خصوصاً، إذ إن مثل هذا التاريخ لم يكتب بعد (في حدود ما أعرف). كما أن حاجتي إلى معرفة هذه السياسات تتعدى الحكم نفسه، وتتعدى فن العمارة نفسه، الذي يكاد أن يكون سياسة ثابتة لدى ملوك المغرب. ما يعنيني من مسألة الحكم هو تناول مكوِّن فيه، أجمعُه تحت مسمى: التكوين التاريخي المتقادم للمغرب.
هذا ما يراقبه أي دارس لتاريخ المغرب في القرون المتأخرة. هذا ما يلاحظه، طالما أن ما نجح فيه المغرب، مثل "التناوب" أو تداول السلطة، منذ نهايات عهد الملك الحسن الثاني، لم تقوَ على فعله دولٌ عربية عديدة... هذه السياسة التي اختارها الحكم في المغرب، استبعدتها أكثر من حكومة عربية معنية بها، فوقعت دولُها وحكوماتها وشعوبها في أشكال متنوعة ومتجددة من الحرب الأهلية، ومن العنف السياسي المفتوح.
هذه السياسات في المغرب ترتكز، واقعاً، إلى ما أسميه بـ"الكيانية" المغربية، وتعني تقادم السياسة فيه منذ قرون وقرون، ما وفر له استقراراً لا يعرفه أي بلد عربي اليوم. وهي كيانية معطوفة على هوية "وطنية"، كان لها مع إسقاط "الظهير البربري" واقعة مشهودة، قلما نجدها متعينة بقوة إلا في مصر ربما من دون غيرها. وما أريد الحديث عنه يتعدى الكلام عن "استقرار" أمني –  والمغرب شهدَ أزمات وصراعات وغيرها – ليتناول الاستقرار الكياني والوطني، إن جاز القول. وهو استقرار يتعدى الحكم ليشمل مكونات الوطن، وهيئات المجتمع، ما يجعل للسياسات - أي سياسات - مرتكزاً حاضناً ومقوياً لها.
لهذا يمكن الحديث عن حاصل أو عائد تشكيلي لهذه الكيانية، ما وفرَ للسياسات بيئة منشطة ومحفزة في الوقت عينه، فيما نعمت مؤسسات وهيئات مغربية، بين أدبية وفنية وغيرها، مقادير من الاستقرار والإنتاجية، ما أبعدها عن حكم الحزب الواحد وعواقبه في السياسات العربية المختلفة، ولا سيما التشكيلية منها.

 

"توطين" الفن
هذا الاستقرار الكياني والوطني رافقَه - إن لم يكن سبقَه - استقرار في الوجود المغربي، يتمثل في أنماط العيش والسلوك والقيم وغيرها. هذا ما يستوقف أي زائر، عند حلوله في المغرب، إذ يتحقق من أن المغربي لا يعاني قطيعة مع ماضيه، في العيش، في الحرف، مثلما يلقاه في غالب البلدان العربية، إن لم يكن في جميعها. وأريد، من هذه الإشارة، الوقوفَ عند ملمح قلما يتم الانتباه إليه، وهو أن القطيعة بين عالم المهن والحرف وبين عالم الفن الحديث، التي تأكدت في البلدان العربية، لم تشمل المغرب أبداً، إذ إنه يعرف – حتى اليوم – استمراراً وتنشيطاً لمهن وحرف قديمة هي قوام ديمومة الكيانية الوجودية. هذا ما يجتمع في "ذائقة مغربية"، قديمة ومتواصلة ومتجددة، نلقاها في الزي، والأثاث، والزينة، والمأكل وغيرها. وهو ما بات يتعين كذلك، ابتداء من القرن العشرين، في الفنون التشكيلية نفسها.
لم يكن هناك من فن تشبيهي (figuratif) في المغرب قبل القرن العشرين، إلا أن الفن كان موجوداً فيه، ولكن بمواد وأساليب وصناعات أخرى. والمميز، في تجربة المغرب، هو أن ما يندرج في نطاق الآثار في بلدان عربية وإسلامية عديدة، يعايشه المغرب في قصوره ودوره وطرزه الفنية المختلفة من دون انقطاع.
قد يكون في هذا الحضور المستمر، المتمادي، ما يفسر إقبال الفنانين المغاربة (منذ جيل الرواد في الستينيات من القرن الماضي) على التفاعل معه، والنهل منه، وتجديده بمعنى من المعاني: طلبوا من ذلك تسهيل قبول هذا الفن الجديد، ما أوجد له سياسات عرض وتبيئة منذ معرض الفنانين في ساحة جامع الفناء بمراكش بلوغاً إلى حيطان أصيلة وغيرها من المبادرات. هذا ما تمايزت به تجربة الفنانين المغاربة عن غيرها عند الفنانين العرب، إذ سعوا إلى مزيد من "التوطين" التشكيلي، إذا جاز القول، والمقرون بالتجديد في الوقت عينه.

مسار متجدد
هذا المسار التشكيلي عاش، بعد تجربتَي الانطلاق والتأسيس، قطيعتين: واحدة في أواسط الثمانينيات، وأخرى في العقدين الأخيرين. فماذا عن القطيعة الأولى؟
هذه اللحظة تحتاج إلى درس تاريخي وفني متمهل في المغرب، إذ يمكن أن نجد فيها الانطلاقة المتجددة للفن المغربي الحديث. حدثني الفنان الراحل محمد القاسمي، في تلك السنوات، عن "خروجه على السطر"، العربي والإسلامي، أي خروجه على فن متأثر بالتراث الإسلامي والمغربي، في الخط والزخرفة، صوب فن يساءل جسد الإنسان نفسه، أي عيشه نفسه، بوصفه مصدر الفن ومآله أيضاً. لم يكن هذا الخروج بالهين، خصوصاً وأن فنانين عديدين، ممن كانوا يتصدرون المشهد التشكيلي المغربي، منذ عشرين سنة على الأقل، كانوا فاعلين، في مواقع القرار أحياناً، ومحلَّ عرضٍ حتى من جهات وصالات عرض أجنبية. ما هو جدير بالانتباه في هذه الانتقالة الجديدة هو تنوعها وتعددها، ما يجعل مهمة الدارس صعبة في عمليات الدرس والتصنيف. وهو ما يشير تماماً – وإن بصورة سلبية – إلى قوة التجربة السابقة، بحيث نأى الفنانون الجدد عنها، واختاروا فناً "لاهياً" (حسب عبارة الموليم العروسي)، بدل "الجدية الحضارية" التي امتاز بها عملُ الرواد منهم.
سبق أن تساءلت عن الهوية الملتبسة لتجربة الرواد المغاربة التجريدية؛ وهو ما أطرحه اليوم مجدداً: ما تكون هذه التجربة بين كونها واكبت وشاركت في تيار التجريد العالمي، وبين كونها لم تصدم خلفية الموقف الإسلامي والمغربي القديم الناهي للتصوير التشبيهي؟ مثل هذا السؤال لازمٌ، ويزيد منه أن نزوعات فنانين مغاربة منذ منتصف الثمانينيات على الأقل اتجهت وجهات "ضدية"، وإن في أشكال عابثة أو طريفة وحسب، مثل أعمال عبد الكريم الوزاني وغيرها.
أهمُّ ما ميز هذا الحراك المستجد هو تنوعه، وتبرمُه كذلك من الخطابات والمشروعات "العريضة"، وانصرافه المزيد إلى موضوعات، كانت مهملة أو مزدراة في سابق التجارب، مثل تجليات الجسد، أو العودة إلى تشبيهية متجددة (nouvelle figuration) وغيرها من التعبيرات التشكيلية. ولو طلب الدارس تفسير هذا النزوع المستجد، وفق منحى نفسي، لأمكنه القول بأن جيل الأبناء بات يطلب التمرد أو التملص من رقابة الآباء، ساعياً إلى أن يكون الفن أكثر قرباً من الفنان نفسه، بوصفه كائناً معبراً، لا كائناً حضارياً وحسب.
لطالما استوقفني في الفن المغربي بين الستينيات والتسعينيات من القرن الماضي ابتعادُه عن أنواع معروفة في التصوير، مثل تصوير الهيئات الإنسانية، أو المشاهد الطبيعية، أو النحت وغيرها. كما استوقفني فيه أيضاً، في العقود نفسها، ضعف المشاركة النسائية فيه... مثل هذه الأسئلة جرى تناولها، وأعيد طرحها من جديد، ما تمثل في ظهور منحوتات مع إكرام قباج وغيرها، أو في مشاركات نسائية متنامية للغاية مع كثيرات.

مناوشة الحاضر
يمكن القول، بعد هذه المراجعة المقتضبة، أن هذا الجيل، الثالث بعد جيلَي الأوائل والرواد، أكمل سياسات "توطين" الفن في المغرب، بمعنى من المعاني، بأن جعله أكثر تعدداً وتنوعاً، وأكثر قرباً من حياة المغربي نفسها، مسقطاً خصوصاً الكثير من المكبوتات الفنية. لم تكن هذه اللحظة بمنأى عما يجري في عالم الفن، بل كانت متفاعلة معه، ولكن وفق توقيعات وخيارات طلبتْ تغييراً وتنويعاً للمشهد التشكيلي في المغرب. وهي الاندفاعة عينها التي سنجدها ميسرة مع الجيل التالي عليهم، الجيل الرابع، الحالي، الذي طلب الانضواء السريع - من دون تردد – في تدافعات العولمة في عالم الفن.
هذا الجيل ينفصل، في حساب البعض ربما، عن الأجيال الثلاثة السابقة، إذ لا يعبأ بالكثير من المحددات التي استند إليها السابقون، واختلفوا حولها. في هذا الوصف كثير من الصحة، إذ يتخلون عن اللوحة، وعن التجريد، وعن صالة العرض، وينصرفون إلى عمليات تملك واسعة لأدوات ووسائط جديدة، عابثين بكثير من القيم والصور والسلوكات النمطية.
إلا أنني أرى، في تجارب بعضهم من هذا الجيل، استكمالاً – بمعنى من المعاني – لما بدأ به الجيل السابق عليهم مباشرة: يستمرون في اللهو، في ملاعبة الصور، في توليد أشكال ومقاربات جديدة للفن. وإذا كان فنانو الأجيال السابقة تمنعوا عن رسم الهيئات الإنسانية – إلا في أحوال قليلة ومحدودة – فإن بعض الفنانين الشباب جعل من صورته لنفسه محلَّ إظهار ومعالجة، مثل الفنانة التي صورت نفسها في هيئة حبلى، أو الفنان الذي عرض نفسه في هيئة امرأة محجبة...
هكذا لا يتورع أكثر من فنان عن القيام بمناوشات جمالية مع الجسد، ومع اعتقادات وسلوكات إسلامية (مثل اللعب الفني فوق سجادة صلاة)، أو مع السياسة نفسها... وهي وغيرها موضوعات قلما اقترب منها الفن في المغرب في السابق. ويمكن القول بالتالي إن تجارب الفن المتأخرة لا تتورع عن مناوشة الحاضر: الحاضر المغربي، والمتشابك مع شواغل العالم المعاصر.
تطلق إحدى الفنانات على عملها عنواناً بالإنكليزية: أعيش هنا" (I live here)، ما هو مدعاة لسؤال أبعد: أين تعيش فعلاً؟ من تكون هذه الأنا المعلنة؟ ما هذه "الآنية"؟ وأين تتعين؟

العولمة الملتبسة
قرأت في الإعلام، قبل أسابيع، إن فكرة تنظيم المعرض: "المغرب المعاصر" (المستمر بنجاح في باريس) تعود في منطلقها إلى ما تداوله رئيس متحف اللوفر مع رئيس "معهد العالم العربي"، الوزير السابق جاك لانغ، إذ اقتنغ لانغ حينها بتنظيم معرض يلاقي بمعنى ما المعرض الذي يُحضِّره اللوفر حول المغرب في القرون الوسطى. ما يعنيني من الخبر – بعيداً عن الوقائع نفسها – هو أن المتحف بات فاعلاً في رسم المشهد التشكيلي الجديد. ليست هذه هي المرة الأولى التي نلقى فيها اللوفر أو متاحف أخرى في العالم تنصرف إلى فعلٍ لم يكن في أساس قيام المتاحف نفسها منذ نهايات القرن الثامن عشر.
كان طلاب الفن والفنانون الهواة يأتون فيما مضى إلى المتحف، في أوقات معينة، للتدرب على رسم هيئة أو لوحة أو منحوتة من محفوظات هذا المتحف أو ذاك... هذا ما كان يناسب وظيفة المتحف الأولى، أي حفظ العمل الفني، مثل مستودع قيمة ومدارس فنية موضبة ومصنفة. كان المتحف يكتفي بعرض مجموعاته طبعاً، لكنه لم يكن معنياً بالتدخل في الجاري الفني، إن صح القول.
هذا التغير في وظيفة المتحف يواكب تغيرات كثيرة قد يفسرها البعض بدخول الفن في خدمة الجمهور؛ وهو أمر صحيح، إذ بات المتحف أو المؤسسة الفنية الكبيرة معنية بتلبية ما يطلبه جمهور عريض، لم يعد يقتصر على مستشار الملك أو مؤرخ الفن أو طلاب الفن أنفسهم، وإنما بات يشتمل على جمهور عريض فعلاً، بفعل المدرسة واشتراطات التربية نفسها، يتوزع بين جمهور الزوار السياحيين وجمهور طلبة المدارس. وإذا كان المتحف يلبي حاجات هذا الجمهور العريض، إلا أنه يستثيرها بدوره، ما لا حاجة لبرهانه، لأن دارسي الاقتصاد السياسي وغيرهم لا يقوون على تفسير ما إذا كانت تقديمات الاستهلاك وسلعُه وعروضُه تلبي حاجات موجودة لدى الجمهور أم أنها هي التي تستثير هذه الحاجات وتنميها، فتجعلها أساسية، وضرورية، وطبيعية، في العادات والسلوكات الثقافية ذات النزوعات التربوية والاجتماعية.
ما يمكن التنبه إليه في هذه العقود الأخيرة هو حصول اندفاعة قوية في سياسات العرض باتت تجعل من مؤسسات الفن الكبرى، بين متاحف وبينالات، منشطَ الفن الأول، وراسمَ حركاته الأساسية. وهي انتقالة جديدة تبلغ أحياناً حدود افتعال الأحداث الفنية، أو تنمية حضور فنان على أقرانه، ما يعد تسريعاً مذهلاً لدورة الفن، قلما عرفها في تاريخه البعيد والقريب.
هذه الانتقالة الجماهيرية لم تُدرس كفاية، وإن كان خطاب والتر بنيامين وتيودور أدورنو يساعد في تمهيد الكلام عن ممهدات الوقوف أمام عتبات الفن المعاصر، بل أمام دورة الفن في عهد العولمة الزاحفة. وهو ما يمكن قوله في أن الفن بات "مؤسسة جماهيرية"، و"صناعة ثقافية"، لا حظوة النخبة؛ وباتت أساليب الفن تعتني بالجذب الإعلامي والإعلاني والفضائحي أحياناً وسيلة تعريفٍ وجذب في سياق المنافسة المتفاقمة.
تجارب الفنانين المغاربة الشباب تندرج في هذا السياق المتعولم بصورة غير مسبوقة، خاصة وأنه يتم في إطار ضيق أساساً، هو إطار الفن نفسه، لا سيما وأن فنانين منهم يعيشون خارج المغرب نفسه، أو يتعاملون مع مدن الفن وصالاته في العالم بيسر عجيب، لم يكن أبداً لسابقيهم. وما يمكن قوله في هذا السياق هو أن اندراج هؤلاء الفنانين في دورة الفن الجديدة لا يأتي متأخراً، مثل سابقيهم، ولا يتساءل كثيراً أو يتردد في خياراته، فضلاً عن أنه فنٌ يطلب مساءلة الحاضر المغربي والعربي والإسلامي من دون تهيب، وبحساسية فردية حارة ومتوثبة.
مضى أكثر من مئة سنة على انطلاق الفن، حسب الصيغ الأوروبية، في المغرب، إلا أن ما تحقق بين أجياله الأربعة يرسم أكثر من دورة، ولا يختمها وحسب. إذ إن ما تمَّ عرضُه - باختصار واقتضاب من دون شك – كان يمكن أن يكون دورة تخبط وتعثر وتردد، وخيارات متضاربة، خصوصاً ونحن نتحقق من عودة سياسات وخيارات عربية وإسلامية قد تطيح بأجزاء كبيرة من تاريخ فن الصورة القريب في العالم العربي. لهذا يشع من صورة الفن في المغرب ألق أكيد، ويزيد منه كون العتمة تحيط بالفن في مجتمعات وتجارب قريبة من المغرب.
(المكتبة الوسائطية الكبرى، الدار البيضاء، بدعوة من "الجمعية المغربية للفنون التشكيلية"، 14-2-2014).