صورة الحدود، أو استعارتها، تصلح مثل "دليل" في رحلة الكتابة عن الفنان التونسي نجا المهداوي (من مواليد العام 1937). وهي حدود طبيعية واصطناعية، كما نختبرها بأنفسنا في رحلاتنا: الحدود طبيعية، طالما أن نهراً، أو بحراً، أو وادياً، أو جبلاً، يفصل بين بلدين؛ والحدود اصطناعية، طالما أنك تصل إليها، في بعض البلدان، فتجد خطاً، مرفقاً بحاجز، وشرطة، يفصل بين جانبي الطريق الممتد، بين جانبي بلدين.

تجربة المهداوي خريطة واسعة، مادية وخيالية، أتحقق فيها من أن الحدود في الفنالواحد، وبين فنون مختلفة، اصطناعية أحياناًُ، وطبيعية أحياناً أخرى. والتجوال في هذه الخريطة يتيح (كما في هذا الكتاب) فحص جدوى هذه الحدود، أو قيامها على أسس متينة. هذه الحدود واقعة بين: الخط والرسم، بين الرسم والتصوير، بين التصوير التشبيهي والتصوير التجريدي، بين الخط العربي والخط الياباني أو الصيني، بين السطر والشكل، بين الشكل وبناء العمل الفني، وغيرها مما يشير إلى معالم اتصال وانفصال، وتشابه وتباين.
هذا التجوال يحتاج، كما في رحلة، في عدة رحلات واقعاً، إلى زاد ومعاجم وخبرات، طالما أن الفنان، بلمحة عين، يستجمع مناطق كثيرة وبعيدة في مناظر مقربة، وطالما أنه، بضربة قلم، يمد خطاً بين الماثل والغائب.


مدونة المهداوي
يمكن الحديث عن "مدونة المهداوي"، عن أعماله  وعن الكتابات عنها: ما قاله هو بنفسه، ما قيل عنه وعن فنه. هذا يشتمل على كتب في أكثر من لغة، وعلى عشرات أدلة المعارض، هنا وهناك، التي تشتمل على نماذج متعددة ومتنوعة من أعماله، ومن كلمات التقديم والدراسات المصاحبة للمعارض، في لغات عديدة. وقد يكون أهمُّ هذه المراجع العدد الممتاز الذي أصدرته المجلة الفرنسية الفصلية: "آفاق مغاربية..."، تحت عنوان: "خطوط: احتفاء بنجا المهداوي"، في العام 1998، وجمعتْ دراسات عن المهداوي ومقابلات معه، توقفت عند تجاربه الخاصة، أو عند مشروعاته مع غيره، في اليابان أو ألمانيا وغيرها. ولم يقتصر درس المجلة على فنه وحده، وإنما على صلاته بفنون أخرى، بتقاليدها الخطية خصوصاً  .
يمكن التعرف على "مدونة المهداوي" في مجموعة واسعة من الكتب، عن فنه، بالعربية أو بالفرنسية، شملت كتابات من دارسين ونقاد وفنانين من هويات مختلفة، كما اشتملت على كتابات للمهداوي نفسه، في مؤتمرات أو ندوات تخص فنه، وتضيء تجربته من زاوية خصوصية، "داخلية" إذا جاز القول  . ويمكن متابعة "المدونة"ا كذلك في عشرات أدلة المعارض، الفردية أو الثنائية أو أكثر، مع فنانين من أساليب وبلاد مختلفة، ما يساعد في فحص تاريخي وفني لتحولات تجاربه نفسها: هذا يساعد في درس علاقة فنه بالسياق التاريخي، من جهة، وبالسياق الجمالي، من جهة ثانية (على ما سنتبين أدناه).
إلا أن ما يصحُّ في الحديث عن "مدونة المهداوي" يصح خصوصاً في الحديث عن أعماله الفنية، التي تعد بالمئات، "بل أكثر"، على ما يقول لي المهداوي. أعمال مختلفة، ذات سمات في الأسلوب والصنع، لكنها تشترك في هذا الهوس المتمادي بتشكلات الحرف العربي. فالفنان لم يترك حاملاً مادياً وصولاً إلى الجسد الإنساني إلا ووقَّعه بضرباته الخطية المميزة. وهي أعمال ذات أحجام وقياسات متباينة: منها العملاقة تماما، على أجنحة الطائرات (بناء لطلب إحدى شركات الطيران العالمية)، وفوق واجهة بناية، أو في سجادة كبيرة في قاعة كبرى في مطار، أو في كتاب طباعي، أو في دفاتر ذات قياسات متعددة، أو فوق ذراع إنساني، أو على عظام الإبل، أو فوق أوراق منتجة في غير بلد، من البردى المصرية القديمة إلى أنواع الورق الياباني... وهي تتوزع فوق:
الرق خصوصاً، والورق الصناعي واليدوي (بأنواعه العديدة)، وورق البردى، والأبنية، والزجاج، والنحاس، والخزف، والسجاد، والنسيج، والأليمينيوم، والحجر، والخشب، والقماشة، وغيرها. وهي أعمال تتعين في أنواع معروفة: اللوحة، المحفورة، الكتاب الفني، الملصق وغيرها.
لهذا أمكن القول إن "مدونة المهداوي" تحتاج إلى خريطة، إلى معالم فيها، يمكن الاستدلال بها على هذه التجربة الغنية، والمفتوحة. ولو عدت إلى وثيقة عمل، في "أرشيف" الفنان، لأمكن التعرف على قسمة داخلية، توزع الأعمال حسب الترتيب التالي:
المجموعة الأولى : "كولاج" (أو تلصيق)
المجموعة الثانية : "تشكل محسوس"
المجموعة الثالثة : "خط" 
المجموعة الرابعة : "حركي"
المجموعة الخامسة : "ورق الرق"
المجموعة السادسة : "مربع أحمر"
المجموعة السابعة : "الرق"
المجموعة الثامنة : "تشكلات"
المجموعة التاسعة : "مجموعة الأزرق والسيبيا"
المجموعة العاشرة : "بنديرا"
المجموعة الحادية عشرة : "حجاز" 
المجموعة الثانية عشرة : "صباغ داكن"
المجموعة الثالثة عشرة : "غبار"
المجموعة الرابعة عشرة : "ورق البردى"
المجموعة الخامسة عشرة : "قماشة متاهات"
المجموعة السادسة عشرة : "قماشة بالحبر"
المجموعة السابعة عشرة : "ورق فيلان دارش".

يمكن القول، بعد استعراض قسمة هذه الوثيقة، إنها تتألف من تجارب فنية متعددة، تعود إلى أعمال مجتمعة حسب اختباراتها التشكيلية، وحسب سنواتها أيضاً، ما له أكثر من دلالة على إجمالي أعمال الفنان. كما يتضح كذلك أن هذه القسمة تستند إلى أكثر من مقياس: تستند إلى الحوامل المادية التي قامت عليها اختبارات الفنان، وإلى ألوان بعض الأعمال، أو إلى معان ذات أشكال بعينها ("متاهات") وغيرها. وفي هذا ما يشير إشارات أولى إلى مسارات العمل الفني، وإلى توجهاته الكثيرة، حيث هي مسارات متعينة في تشكلات الخط، وفي توجهات اختبارية له ولإمكاناته المختلفة، تبعاً لتغير الحامل المادي أو أداة التشكيل، أو تبعاً للمقصود أو المتوخى من الاختبارات نفسها.
هذه إشارات، لكنها لا تفيد تماماً، أو لا تكفي، في استبيان معالم أولى في مسار المهداوي، إذ تبقيها معلقة أو منفصلة عن انشغالات الفنان المتتابعة، وعن الزمنين التاريخي والجمالي كذلك. فما يمكن القول؟
يعود معرض المهداوي الشخصي الأول إلى العام 1965، في باليرمو الإيطالية، قبل انتهائه من الدراسة الجامعية في "أكاديمية الفنون سانت أندريا" في روما، في العام 1967، وقبل التحاقه بـ"مدرسة اللوفر" الباريسية في "قسم الآثار الشرقية"... غير أنه كان للفنان الشاب أكثر من مشاركة، قبل ذلك، في معارض جماعية بتونس، أولها مشاركته في معرض مشترك، في العام 1961، في "مركز ابن خلدون الثقافي" بمدينة تونس... وتُعد مشاركاته هذه المبكرة إطلالة ومساهمة في إغناء مشهد تشكيلي تونسي، لاحق على "مدرسة تونس"، ذات التأثيرات الفرنسية البينة، وبعد تجارب "رواد" الفن من التونسيين. بل يمكن القول إن بدايات المهداوي أفادت من هذه البدايات، وخرجت عليها صوب وجهات جديدة.
إذا كانت تجارب المهداوي الباكرة تحتاج إلى مزيد من الجمع والفحص والدرس، فإن ما تعين في تجاربه المتلاحقة يجد في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي موعده الحاسم. هذا ما تشير إليه بقوة وثيقة العمل المذكورة أعلاه، ما يُظهر التنوع الواسع لتجاربه فيها. بل يمكن القول (بعد الاطلاع على إجمالي التجربة الحالية) إنها شكلت بمعنى ما ميدان العمل الفني الذي لن يفارقه المهداوي بعد ذلك، وإن تنوعت تجاربه وتعددت، واتخذت مسارات متعددة ومتباينة كذلك. وهو ما يقوله الفنان بنفسه، وبوضوح: "إن إقبالي على الحرف شكل قراراً في السياسة الثقافية، فيما يخصني. في البداية، كان الأمر خياراً ليس إلا" ("خطوط"، م. س.، ص 132 في حوار مع بربرا أرنهولد).


علامة اللغة، علامة الفن
يُطلق المهداوي على مجموعة من أعماله تسمية: "متاهة"، وهي تصلح (على ما أتحقق) لإجمالي تجربته الفنية. فهي أعمال تبدو سهلة ومتاحة، مثل أي متاهة، فيما يؤدي الدخول فيها إلى طرق ملتوية و"غير نافذة"  أحياناً، ما يجعلها فعلاً دوراناً في متاهة، وإن ذات تجليات جمالية في هذه الحالة، لا في حالة المتاهة الحقيقية. فالناظر إلى أعماله، مثل الدارس لها، يظن أنه يعرفها، أو يجدد المعرفة بها، أينما توقف في العام 1985 أو في العام 2013، ولا تلبث هذه الألفة أن تفارقه. فالسطر ليس بسطر تماماً، والشكل لا يعني رسماً بالضرورة، واللون قد يختفي في عدد كبير منها، فلا يبقى سوى سواد القلم المعاكِس للبياض في خلفية العمل الفني.
إنها ليست متاهة في ميدان المهداوي فقط، وإنما في ميدان الفن بدوره، إذ تستبد بالدارس أسئلة تقع في صميم التجربة الفنية والجمالية الحالية: ما صلة الخط بالشكل؟ ما صلة الشكل بالرسم؟ ما صلة الرسم بالتصوير؟ ما صلة الخط باللون؟ أيحتاج اللون إلى الأسود وحده و/أو غيره؟ أهو لون واحد أم متعدد؟ وما يحدد الاحتياجات إليه (أو إليها)؟ ولأذهب أبعد، في وجهة أخرى، بهذه الأسئلة: أين تتعين فنية هذه الأعمال وجماليتها؟ أهي تتعين في ما هو ماثل للعين، في مادية العمل نفسها، ما يجعله عملاً متاحاً للتلقي والتذوق، أياً كان المتلقي؟ أم هي تحتاج إلى خلفية، إلى مرجعية، تسدد معانيها وكيفيات تلقيها من قبل المتلقي؟
ماذا لو أنتقل إلى أسئلة غيرها: ما صلة هذه الأعمال الفنية بالخط العربي؟ أهي "خطوط"، مثلما أجدها في كتابات البعض عنها، بمن فيهم دارسون أكاديميون؟ أهي تتصل بـ"أقلام" الخط العربي (أي أساليبه المعروفة تاريخياً وفنياً)، إن اتصلت بها؟ أهي تنفصل عنها، إن انفصلت عنها، وفي أي وجهات؟ أهي تنفصل لكي تشكل "أقلاماً" (أو أساليب) جديدة أم لتخرج عنها؟ وهي إن خرجت عنها، فماذا تكون قد فعلت وكيف تتعين؟
ماذا لو أطرح على الأعمال أسئلة مغايرة، أو متأتية من ميدان آخر: ما صلة الخط بالشكل في هذه الأعمال؟ ما صلتها بالتصوير؟ ما صلتها بالتصوير الأوروبي، أو الغربي، ولا سيما بأساليب التجريد المختلفة؟ أهي تندرج فيها في صورة طبيعية، تلقائية؟ وإن لم تندرج، فهل تنفصل عنها تماماً؟ ولماذا تُعرض، في هذه الحالة، في باريس أو برلين وغيرها؟ بل يمكن السؤال أيضاً: لماذا تُعرض في طوكيو؟ ولماذا تُدرس مع تجارب الخط بالعبرية كذلك؟
هذه عينة وحسب من أسئلة يمكن للقارىء، أو للدارس خصوصاً، أن يطرحها. وتنطلق هذه الأسئلة مما تثيره رؤية أعمال الفنان من متعة مدهشة، كما تنطلق من ألق حضور الأعمال الفنية "في ذاتها". إلا أن متعة التلقي تستدعي، ضمن العملية ذاتها، وعند الدارس خصوصاً، أو تستثير أسئلة مصاحبة للأولى، إذ تطلب أن تتأتى من التفكير متعة ترافق متعة البصر. هاتان المتعتان قديمتان في تلازمهما، أم تخصان العمل الفني الحديث  ؟
يدعو هذا إلى مساءلة العمل الفني من جهتَيه، إذا جاز القول، مثل وجهين لعملة واحدة. أي مساءلة العمل الفني عما يبنيه ويُشكِّله، ومساءلته عما يصله بغيره، بمرجعه (référent)، طمعاً بالإجابة التالية: هل يستعيد المرجعَ ويتقيد به؟ هل يعدله؟ هل يحوله؟
لا يخفى على الدارس المدقِّق أنني استعرت، لدرس أعمال المهداوي، مفاهيم مستقاة مما قامت عليه المدرسة اللسانية الحديثة (مع فردينان دو سوسير خصوصاً) في درس اللغة. وهذا طبيعي طالما أن أعمال الفنان تنبني على اللغة في مادتها الأولى: استعرتُ من هذه المدرسة مفهوم "وجهي" العلامة، أي الدال والمدلول؛ واستعرتُ منها أيضاً مفهوم: المرجع؛ وهي الوحدات الثلاث التأسيسية لمقاربة اللغة – أي لغة – في درسها الحديث. هذا ما يضيف، إلى الأسئلة أعلاه، سؤالاً جديداً: هل تصلح هذه المفاهيم في درس أعمال المهداوي؟
عملُ المهداوي مغرٍ، يدغدغ العين ويستدرجها، وينشط العقل ويحرضه، ولكن مثل دعوة غير بريئة أبداً، في نهاية المطاف، إذ تستدعي من المتلقي – فكيف من الدارس! –  قابليات استقبال وتأويل، متعددة بمقدار ما في التشكلات الخطية من سبل والتواءات وانفراجات. لهذا يمكن توصيف أعمال المهداوي بأنها تستدعي، أو تُوهم بوجود ألفة، وقربى، لكنها ليست كذلك، بل تحتاج إلى تفكيك معقد لما تراكمَ واجتمع وتبلور في حدود العمل الفني نفسها، في ما يشكل "إبلاغه" المخصوص. فمن أين أبدأ في هذه المتاهة المغرية؟
دال ومدلول ومرجع
لن يجد الدارس، بل المتلقي قبله، أي صعوبة في التعرف على "مادة" العمل الفني عند المهداوي، فهي معدودة للغاية. هناك من الفنانين، ولا سيما التشبيهيون منهم، من ينطلقون من مواد بعينها يستحسنونها في التصوير، وهو ما يسمى بـ"الموضوعات". وهو ما يصح في الفنانين التجريديين بدورهم، إذ يختارون نطاقاً للعمل فيه، قد يتعين في أشكال (الأشكال الهندسية، أو أشكال الكتابة الحائطية وغيرها) أو في ألوان بعينها (الأسود وحده عند بيار سولاج، أو التعاكس بين سواد وبياض في كثير من تجارب الخط وغيرها).   
أما عند المهداوي فيجد الدارس أن أعماله تنطلق من العربية، من شكليتها الغرافيكية، من دون أن تحيد عنها. أما ما تغير فيها فيتمثل، أحياناً، في إيجاد خلفية مائية (البحر) لبعضها، ولا سيما في أعمال تعود إلى أواسط الثمانينيات من القرن الماضي. كما يتمثل أيضاً في تجربة أخرى، لاحقة، قامت على إنزال الشكلية الغرافيكية العربية فوق جسد نسائي... فيما خلا هاتين التجربتين يتوجه المهداوي إلى الميدان نفسه، ويستولد منه من جديد، من دون ملل، من دون تكرار، مثل بئر لا ينضب.    
إلا أن متابعة الفحص لا تلبث أن تتعقد، إذ يطلب الدارس معاينة "وجهَي" اللغة في فنه. فمن جهة العلامة تشير أعمال الفنان إلى العربية من دون لبس أو تردد. هذا ما ينتبه إليه أي متلق، حتى لو لم يكن عارفاً بالعربية: يكفي المتلقي (على ما أحسب) أن يرى إلى جملة عربية واحدة مكتوبة يدوياً لكي يتعرف على مثيلات لها في أعمال الفنان. وهو تعرفٌ ضمني، لا صريح بأي حال، طالما أن التشكلات في العمل الفني لا تورد الحروف العربية كما هي، وإنما أشباهها، أو بقايا منها، أو أجزاء شكلية منها وحسب. وهو ما يحتاج إلى معالجة أعمق، لكنها مؤجلة إلى مكان آخر أدناه.
هذه الخلاصة التي أنتهي إليها تحدد سلفاً ما يكون عليه "وجها" العلامة: بمجرد ما أن حاد الخط عن أبجديته، عن ألفبائه المعهودة، تبدلَ حضور الوجهين المذكورين، بل أصاب كلُّ واحد منهما تغير ملحوظ. فالدال إذا كان قد حافظ على شيء أو بقية من بنائه الخطي، ما يُذَكِّر به، فإن المدلول فقدَ سلفاً أي قدرة ممكنة على التدليل.
يمكن أن تتعرف، في أعمال الفنان، على امتدادات هي التي لحرف الألف، أو الميم، وعلى استدارات هي التي لحرف النون أو الباء أو الثاء، أو على نقاط مفردة أو مزدوجة، كما تقع فوق عدد من الحروف، أو في وسطها، أو في أسفلها... بل يمكن أن تتعرف على أكثر من ذلك، وهو قيام السطر في العمل الفني كما في الجملة العربية، أي من اليمين إلى الشمال، أو على تداخلات ممكنة بين حروف من ألفاظ مختلفة، متجاورة... إلا أن هذه التشابهات، أو هذه القربى، مضللة: لا الألف ألف، ولا النون نون، ولا السطر يؤلف جملة مفيدة.
هذا التداخل بين حضورَين مختلفين لشكلية الحرف العربي، من جهة الدال، ينعدم تماماً من جهة المدلول. إذ إن ما كتبه الفنان من علامات في آلاف من الأعمال المستقاة من "أبجديته" الشكلية لم يؤدِ إلى معنى لغوي واحد. هذا ما جعلني أكتب عنه في كتابي: "الحروفية العربية: فن وهوية": "نجا المهداوي يقطع مع المعنى، مع الإبلاغ، ومع تاريخ عريق من التوصيل كان يؤدي فيه الحرف رسالة، ومعنى بيناً، منذ أقدم العصور وحتى أيامنا هذه (...). لوحته لغة من دون حرف واحد"  .
إن مجموع الخلاصات السابقة يؤدي، إثر مراجعة أعماله الفنية وفق قراءة لسانية حديثة، إلى خلاصة أساسية، وهي أن الفنان يبطل نظام اللغة، ما هو مدعاة لطرح السؤال اللازم بالتالي: ما صلة "أبجديته" بالفن بالتالي؟ هل يسري على الفن ما أصاب الدال والمدلول، من جهة، والتدليل نفسه، من جهة ثانية؟ ما صلة "أبجدية" الفنان بأبجدية الخط، وبأبجدية الخط العربي تحديداً؟ وهي أسئلة لازمة، تتأتى من لزوم درس العلاقة بين الأبجدية و"مرجعها"، ومن لزوم درس علاقة ما ينتجه الفنان بلغة الفن نفسها؟
هذا ما يمكن مباشرته بفحص علاقة هذا الفن بالخط، العربي تحديداً، فما يمكن القول فيها؟
يلحظ المتابع المدقق صلات أكيدة، في فن الفنان، بينه وبين تجارب الخط العربي   المختلفة. هذا ما يلحظه أي زائر لمدرسة ابتدائية في العالم العربي، في دروس "الخط" فيها، وهو أن الطالب والطالبة يتعلمان تمارين الخط من دون أن يشبه ذلك أياً من كتابات المهداوي نفسه. ومن يَعُد بالمقابل إلى نماذج الخط في مسجد عقبة بن نافع في القيروان، أو في قصر الحمراء في غرناطة، أو في المسجد الجامع في أي مدينة عربية حالية، يتحقق من صلات قائمة بل مطلوبة بين خطوطها وما يخطه الفنان نفسه. فكيف يكون ذلك؟ ويكون السؤال الأول في هذا المجال: هل عاد الفنان إلى "أقلام" الخط العربي، أي إلى أساليبه المعروفة التي بلغها مع كبار مبتكريه ومُجوِّديه؟
يحلو لي استعمال لفظ جديد في وصف فن المهداوي، وهو: المجزوء، فما المقصود به؟ يُستعمل هذا اللفظ في العربية عادة لوصف جزء من كل، في أكثر من إنتاج، فيُقال في أجزاء البحر الشعري، أو في الهندسة، أو في الحساب وغيرها. وهو ما يناسب في وصف "مادة" الفن التي أدرسها، إذ لا تعدو هذه المادة أن تكون مجزوءة مما هي عليه في مراجعها، أي ما تعود إليه في بعضه.
هذا ما يواجه زائر معارض الفنان إذ يشعر بـ"مناخ" خطي (عربي) فيها، لو شئت التوصيف الاختصاري لها. وهو ما يقوى الدارس على تتبعه، وفحصه، وإعادته إلى الخطوط التي عاد إليها الفنان. ولكي لا يكون الكلام عمومياً، أو مبهماًَ، يستطيع دارس الأعمال الفنية أن ينتبه إلى الخطوط المائلة فيها، ما يشير إلى نوع بعينه من الخطوط العربية، وهو: خط نستعليق، الرائج خصوصاً في إيران وأفغانستان وباكستان والهند، لا في البيئات العربية المختلفة (على الرغم من أن هذا الخط يعود، حسب بعض الدارسين، إلى أصول عربية). وهو ما يمكن قوله في خطوط أخرى بينة في فنه، مثل أنواع الخط الكوفي التي تتجلى في عدد من أعماله...
يمكن ذكر أمثلة أخرى، إلا أن هذا الفحص قد لا يفيد، وإن وصل إلى نتائج بينة في هذا العمل الفني أو ذاك، إذ إن ما طلبه الفنان يخرج على المتعاهد عليه، وهو إن استعاده فهو يستعيده مختلفاً.
هذا ما يمكن الانتباه إليه في وضعية السطر نفسها، وهو في أساس الخط، بوصفه خطاً مستقيماً (إلا في خط "النستعليق"، كما قيل أعلاه): السطر إن حافظ على امتداده الأفقي المستقيم في عدد من الأعمال، فإنه يبتعد عنه في الغالب الأغلب، إذ هو: سطر عامودي (كما في الكتابة الصينية أو اليابانية)، أو متكسر، أو متلوٍ خصوصاً، أو يدور على نفسه ويلتف التفافات محيرة، ما يجعل العين تدور كما في متاهة حلزونية.
وما يحتاج كذلك إلى درس هو علاقة الفنان بالقلم نفسه، حيث إنه، في عدد كبير من الأعمال، يبتعد عنه، فلا يستعمله، وإنما يلجأ إلى أقلام جديدة، صناعية لا يدوية (كما كانت في السابق).
إلا أن هذه الاختلافات لا تغيِّب كون المهداوي ينطلق من الخط العربي، مشدوداً إلى تاريخ بلاده الثقافي، التي عرفت الكتابة قبل "فتح" عقبة بن نافع لها (بقرار من معاوية بن أبي سفيان)، في العام 50 من الهجرة، وهي الكتابة الفينيقية اللوبية مع تأسيس قرطاج في القرن العاشر قبل الميلاد، وتوجد آثار هذه اللغة في نقوش وكتابات حجرية وأنصاب وغيرها. ولم يكن بغريب أن يكون الخط العربي الأول في صيغته التونسية هو الخط القيرواني، بعد أن شكلت هذه المدينة الداخلية نقطة التركز والانطلاق في سياسات "الفتح" العربي في المغرب العربي والأندلس، ثم شكلت عاصمة الدولة الأغلبية بعد انفصالها عن الخلافة العباسية. ثم عرفت هذه البلاد خطوطاً أخرى، مع: الأندلسي والقرطبي وغيرها.
عاد المهداوي إلى الرق بوصفه حاملاً مادياً، مثلما فعل كثيرون في القيروان منذ العهود البيزنطية، ومنها مجموعة مصاحف القيروان المحفوظة. وسنجد استخراجات حروفية عديدة في أعماله من الخط القيرواني، ومما يمكن الوقوع عليه في "مصحف الحاضنة" التونسي على سبيل المثال  .
ما يصح في صلة أعمال المهداوي بالخط، يصح كذلك في صلتها بالزخرفة القديمة أيضاً: يتحقق الدارس من أن أعمالاً تستقي بعض المجزوءات في بنائها العام من زخارف هندسية خصوصاً، مما كان يقع فوق الخطوط أو تحتها، ما كان يزيدها زينة وبهجة للناظر إليها. وهو ما يصح كذلك في تعويل بعض الأعمال على أشكال زخرفية تتخذ من المعمار بناء عاماً لها، وهو ما يجده الدارس المدقق في عدد من الأعمال التي قامت وفق بناء معماري لأبنيتها الفنية العامة. بل يمكن التنبه أيضاً إلى أن بعض هذه الأبنية المعمارية اتخذ أحياناً من أسلوب المعمار الفارسي، ذي التلوينات الفسيفسائية تحديداً، شكلاً له. ويمكن التحقق كذلك من أن أعمالاً فنية تتخذ من الدائرة، ولا سيما من توليداتها (كما نلقاها في الزخرفة القديمة)، إطاراً بنائياً لها.
لا يكتمل هذا الحديث من دون الحديث عن البناء العام للعمل الفني عند المهداوي، حيث هو مختلف بين عمل وآخر، ولا سيما بين "مجموعة" وأخرى من أعماله: العمل هو محفورة أحياناً، أو لوحة، وفق مقتضيات البناء العام، أي إنه له شكل مربع أو مستطيل أو طولي، بينما يتخذ، في أعمال أخرى، بناء آخر، أشبه بمخطوط قديم أو رسالة محترقة، ما يذكر بالصنع المادي القديم. وهو ما يتوجب قوله في علاقة ما يُخط بخلفيته التصويرية: فهو "ينزل" عليها مثل نزول خط فوق ورق أبيض، أو ينزل أحياناً، أو ينبني فوق الحامل المادي مثل لوحة أو رسم. أما مقاسات العمل الفني فتتنوع وتتعدد للغاية، إذ هي معمارية الهيئة، أو ورقية الهيئة، أو تشكيلية الهيئة، فيما يقوم العمل على بناء واحد يؤلفه، أو ينقسم وفق بنائية داخلية، أشبه بورقة ذات جانبين وغيرها من التقسيمات الداخلية.


بين خط وتصوير
يبقى الحديث، عن الخط أو عن الرسم، حديثَ انفصال. فلا يَقبل الخطاطون (ودارسوهم وغيرهم) بأي شبه أو اتصال بين ما يقومون به وما يقوم به الرسامون. هذا ما يصح في تجارب خطية عديدة وقديمة، ولا سيما في تقاليد صينية، ويابانية، وعربية. إذ إن التمييز بين التدوين الاعتيادي وبين شكل متمايز عنه، أي الخط نفسه، ارتبط تاريخياً بحاجات سامية تمَّ الطلب عليها، ومنها الحاجات السلطانية والدينية. وما يمكن التشديد عليه تاريخياً وفنياً هو أن هذه التجارب أعلتْ من الخط على حساب الصورة (وأساسها الرسم)، ما يمكن التحقق منه في تجارب قديمة، مسيحية ثم إسلامية.
جدران الكاتدرائيات والكنائس والأديرة لم تكن منفصلة عن العمل الفني المصور، بل كان يصعب التمييز بين صورها وبين كونها حوامل مادية لها، ما تمثل خصوصاً في تجربة الفريسكو (fresco)، أي الجدارانيات الفنية... أياً كان العمل المصوَّر، فإن الصورة شكلت للمؤمنين كتاباً مفتوحاً ومزيناً، يستقون منه ثقافة بسيطة وموحية، تكفيهم مع وجود أمية كاسحة. هذا ما يقول بعضه أمبرتو إيكو إذ يجد أن الصور في كاتدرائيات القرون الوسطى كانت "نوعاً من برنامج تلفازي ثابت وغير متحول، من المفترض أن يقول للناس كل شيء لا غنى عنه في حياتهم اليومية، وكذلك لا مفر منه لخلاصهم السرمدي"  .
إلى جانب هذه الثقافة "الشعبية" (إذا جاز القول)، التي تمَّ التدليل عليها في عمل مصوري الجدرانيات الفنية، وجب الحديث عن ثقافة أخرى، ثقافة "عالِمة"، ثقافة تنبني على المخطوطات، على "تفسيرها" وعمليات "التأويل" وغيرها. وهو ما شمل أهل الحكم، وأهل الثقافة العليا، وتمثل في عناية ملحوظة بالخط، وبتمييزه عن الصورة (والرسم)... وإذا كنتُ قد استعرت قولاً لإيكو، فلسبب آخر وإضافي، وهو أنه، في روايته الشهيرة، "اسم الوردة"، رسم هذه المناخات الكتابية، الخطية، لدى رهبان شغوفين بالمخطوطات والترجمات النادرة في القرون الوسطى...
هذا الفصل – القديم – بين الخط والتصوير، لصالح الخط، يجد في التجربة العربية-الإسلامية تجربة أقوى، إذ نهى التقليد الديني الإسلامي الناشىء عن الصورة في طقوس العبادة، وجعلها ذات مكانة دنيا، بينما أعلى من ثقافة القراءة والخط بالتالي. وهو ما ثبتَ وتأكدَ في مدى تجارب الخلافة الإسلامية... هكذا وجد الخط بالتالي قاعدته الدينية والتاريخية، وتمثلَ في حاجات الشرعية الدينية-السياسية إلى "كتاب"، تبني عليه سلطتها الناشئة. وهذا ناسبَ، بل أنتجَ أوضاعاً اجتماعية وثقافية بدورها، مع تنامي ثقافة البلاط، من جهة، ومجالس العلماء والأدباء، من جهة ثانية. وهذا ما يصح كذلك، في سياق التجارب القديمة، في التقاليد البوذية ذات الثقافة الكتابية والخطية بدورها...
لهذا يمكن القول بأن التمييز بين الفنون، خصوصاً في العهود القديمة، قد لا يستقيم طريقة في النظر إليها، ولا في الحُكم عليها، إذ إن ثقافاتها أقامت لنفسها "أفضليات" اختارتها، وأوجدت لها مقاييس لتعيين جودتها، واستثارتها لمتعة المتلقي. هذا ما يمكن الاستناد إليه في حديث ماكس فيبير (Max Weber)، في سياق آخر، عن "الأفضليات": شبَّهها العالِم، أو وضعها في سياق الكلام عن "تعدد الآلهة" (polythéisme)، ما يشير، في حسابه، إلى وجود خيارات متعددة، لا تتعين في تعريفات أو محددات "عقلانية" بالضرورة، بل تستند واقعاً إلى خيارات "أكسيولوجية"، أي شاملة للقيم الأخلاقية، بما فيها الجمالية، سواء لدى الأفراد أو الجماعات. هذا ما جعل الثقافة اليابانية تتخذ من "حفل الشاي" عنواناً أول لفنونها، فيما اختارت العربيةُ الشعرَ... وهو ما يمكن قوله في "أفضليات" أخرى في ثقافات متعددة...
من يَعُد إلى كتابات عربية قديمة، بين العهدين الأموي والعباسي، في الفلسفة والأدب وعلم الكلام والتصوف وغيرها، سيجد مدونة واسعة يمكن أن يستقي منها مقاييس تحدد: الاتباعيين والمحدثين، الارتجال والتجويد، الطرب والشطح، الهندسة والحسن، "الواحد" و"الكثرة"، التشبيه والتنزيه وغيرها الكثير. وهي مقاييس بلورتْ وحددت ما اعتبرته هذه الثقافة معالم استدلال على ما تنتجه من "صناعات الزينة والجمال"، حسب تسمية "أخوان الصفاء". ولكن هل الخط فن؟ أهو يندرج في صورة تلقائية في ما جرت تسميته بالفن (art)، وبالفنون الجميلة ثم التشكيلية، في التجارب الأوروبية؟ وهو سؤال لازم، ومزدوج، يصيب الخط العربي، من جهة، والفنان نفسه، من جهة ثانية. فما يمكن القول في الأول منهما؟
مثل هذا السؤال لا يجوز طرحه لو عاد الدارس إلى ما كُتب عن الخط في الكتابات العربية القديمة، ولا إلى ما شغله الخط من وجود مزيد ومعتنى به فوق حوامل مادية مختلفة، ولا إلى المكانة الاجتماعية والرمزية التي بلغها الخط. يكفي أن يعود المدقق إلى كتب ورسائل ونصوص عديدة قديمة، من الفيلسوف إلى الشاعر، أو أن يعود إلى أعمال البعض، بمن فيهم بعض السلاطين في الحقبة العثمانية، لكي يتحقق من أن عمل الخطاط مرموق، بل سامٍ. وهو ما لم يرتبط بالقرآن فقط، وبتجويده الخطي، وإنما استفاد أيضاً من حاجات الحكم إلى بناء مكانة متميزة لكل ما يصدر عنه، كتابة وتوقيعاً: هذا ظهر في خطوط عديدة خاصة بحاجات السياسة والدبلوماسية، من خطوط مختلفة (خط "المؤامرات" وغيرها) وصولاً إلى "الطغراء" العثمانية. وهو ما يختصره القولُ البليغ القديم: "الخط الحسن يزيد الحق وضوحاً".
هذا الوجود المميز للخط في التجربة الإسلامية، لا تدانيه سوى مكانة الخط في التجارب البوذية المختلفة، بين صينية ويابانية وكورية وغيرها.
إلا أن الدرس يقوى، من دون الوقوع في منظور "تفاضلي" بين الثقافات، على إقامة مقاييس تنظر إلى العمل الفني من جهة عناصره التي تؤلفه، في هذه الثقافة الفنية وتلك. فما يمكن القول؟
هذا ما يمكن دراسته، بداية، من جهة الشكل، ما يصلح لدرس الخط العربي، من جهة، والتصوير الأوروبي، من جهة ثانية. فبناء الخط يستقيم وفق شكل، بل تشكلات تتخذها الحروف (مع زخرفات هندسية ونباتية مصاحبة لها أحياناً)، وهو ما يناسب بناء اللوحة أيضاً، إذ يقوم بناؤها على شكل متعين، قبل ظهور التجريدية، في المشهد الطبيعي الجامد، وفي الهيئة الإنسانية المتحركة. فماذا عن الخط بوصفه شكلاً؟
من يَعُد إلى كتابات قديمة وعديدة عن الخط يجد أنها، سواء عند أعلامه الكبار أو عند شارحيه التطبيقيين، تصرف جهدها الأول على تعيين "شكلية" الخط، من ناحية حروفه حرفاً حرفاً، ومن ناحية "أقلامه" قلماً قلماً. ما الصلة بين شكل الألف في امتدادها العلوي فوق السطر وشكل الميم في امتدادها السفلي تحت السطر؟ ما التشابهات الشكلية بين استدارات الباء والفاء والقاف؟ وهو ما بلغ عند أدباء تعريفات دقيقة يمكن أن نلقاها عند أبي حيان التوحيدي، على سبيل المثال، في "رسالة في علم الكتابة"، التي حدد فيها مقاييسَ الاستحسان في المعالجات الشكلية للحرف. يتحدث عن: "معاني الخط"، ويقصد بها: "إبانة" الحروف كلها، و"تبييض" أواسط حروف الحاء والخاء والجيم وما أشبهها، و"إدارة" الواوات والفاءات والقافات وما أشبهها، و"تفتيح" وجوه الهاء والعين والغين وما أشبهها، وإبراز النون والياء وما أشبهها، وما أشبه ذلك، "مما يحفظ عليها التناسب والتساوي"، وحفظ الاستقامة في السطور، وحفظ الحروف من مزاحمة بعضها لبعض  . ومن يمعن النظر في ما يقوله التوحيدي يتحقق من أنه يبلور (ويأخذ عن غيره) مقاييس مستحسنة في الخط، ما يُظهر، في كل حرف، صفات شكلية له. ويتضح في كلامه أيضاًً أنه، وإن تحدث عن "معاني" الخط، فإنه يتحدث خصوصاً عن إظهار جمالاته الشكلية. فقد توقف عند مجموعات ومجموعات من الحروف، وهي تلتقي في تشابهات شكلية في أبنيتها: يستحسن في الخطاط أن ينتبه إلى أن لحروف الحاء والخاء والجيم وغيرها احتياجات شكلية لاسيما إذ يقع الحرف في وسط الكلمة، أي موصولاً؛ ويستحسن فيه أن يوفر لحروف الواو والفاء والقاف استدارات شكلية مناسبة، وغيرها الكثير مما تحفل به "رسائل" الخط...
هذا ما بلغ عند الفلاسفة كما المتصوفة، حدوداً أعلى، إذ نظروا إلى الحرف، لا بوصفه "بناء شكلياً" وحسب، وإنما بوصفه من أبنية الوجود المتناغمة مع بناء الكون. تقول جماعة "إخوان الصفاء" في "الرسائل": "إن أصل حروف الكتابات كلها، في أي لغة وضعت، ولأي أمة كانت، وبأي أقلام كتبت وخطت، أو بأي نقش صورت، وإن كثرت، فإن أصلها كلها هو الخط المستقيم، الذي هو قطر الدائرة، والخط المقوس الذي هو محيط الدائرة"  .
هكذا يمكن الحديث عن "إرث" خطي واسع ومتنوع، وله أسانيد متينة في التجربة والاحتياجات والتفكير، وهي كلها تشارك في صناعة أعمال تنطلق من الكتابة ولكن لتنفصل عنها، ولتوجد مقاييس شكلية وفكرية وجمالية ودينية لفعلها. لهذا يبدو النظر "التفاضلي" إلى الخط، من جهة، وإلى التصوير الأوروبي، من جهة ثانية، مضللاً، ولا يستند إلى أساس صحيح. وإذا كان للدرس أن ينتهج شيئاً من المقارنة، ففي إمكانه عملانها– على ما كتبت في "الحروفية العربية..." (م. س.، ص 116-117)– بين الخط العربي والموسيقى الأوروبية: يقيم دارس الموسيقى الأوروبية التمييز والحكم بين من يضع هذه الموسيقى ويبتكرها (مثل بيتهوفن)، وبين من ينفذها ويؤديها (مثل هربرت فان كاريان)؛ وهو الدرس الممكن أيضاً بين من يبتكر خطوطاً عربية ويزيد على شجرة الخطوط خطاً تلو خط (مثل ابن مقلة أو ابن البواب أو حامد الآمدي)، وبين من يخط وفق قواعدها (مثل أي خطاط قديم أو حالي) وفق مقادير مختلفة من التوفق والإجادة. 
ذلك أن للخط، مثل هذه الموسيقى، وجهين متلازمين ومتباينين: قواعد للابتكار، وأخرى للتنفيذ مستقاة ومطبقة للأولى منها. هذا ما يتضح بجلاء في الموسيقى، لكنه جالبٌ للبلبلة إذ يتم وضع الخط وقواعده تحت نظر التصوير الأوروبي. فالقواعد التي يحتاجها الخط من جهة الشكل إلزامية له، وهي مجال تميزِ هذا الخطاط عن ذاك، فيما تبدو هذه القواعد لو طبقت على التصوير معيقة له، ولجودة الفنان.
لكي تكتمل المقارنة يمكن العودة (لهذا الغرض) إلى كتاب ليوناردو دافنتشي عن "نظرية التصوير" لنتحقق من أن مقاييس الجودة بين فنان وآخر تتعين في قواعد أو "موضوعات" مفروضة عليهم، وهي: رسم الغيمة، أو ثنايا الستارة وغيرها الكثير مما يفيض به كتاب دافنتشي، الذي يبدو مثل "دفتر عملي" لما كان يجريه من اختبارات في نطاق القواعد والموضوعات المقرة والمتبعة في التصوير "النهضوي". لهذا يمكن القول – باختصار- إن تجارب الخط العربي كانت تتجه وتبلور قواعد "الشكل المحض" المنطلق من الكتابة العربية، فيما اتجهت تجارب التصوير الأوروبي وبلورت قواعد "الشكل البصري"، المنطلق من معاينة البشري والطبيعي.
لهذا فإن إقامة التشابه (عند أكثر من دارس عربي وأجنبي) بين الخط والرسم (أساس التصوير الأوروبي)، لا أساس قوياً لها، في نطاق كل تجربة فنية في حد ذاتها، وفي السياقات التاريخية والاجتماعية والاعتقادية التي رافقت وتلقت هذه الفنون. وإذا كان لهذا التشابه أن يقوم، فهو قام لاحقاً، لا في تلك القرون البعيدة. قام بعد أن طلب التصوير الأوروبي شيئاً من "العالمية"، من الدخول في تاريخ الأشكال والصور والفنون الأخرى المتعددة في العالم، منذ التجربة الرومنسية تحديداً. هذا ما تعين، في صيغة أولى، في الفن الاستشراقي، الذي اعتنى بمشهد طبيعي وإنساني "مختلف" في التصوير... وهو ما بلغ، في مطالع القرن العشرين، حدوداً أبعد، إذ عنى، مع كاندينسكي وبيكاسو وكلي وغيرهم، الدخول إلى تاريخ الأشكال الفنية المحضة، والتعامل معها، بما في ذلك الخط العربي وغيره من الخطوط الآسيوية.
هذا ما يحتاج إلى رسم حدود بالتالي. والحدود – ما لا ننتبه إليه دوماً – تفصل لكنها تجمع كذلك. هي خط وحسب، يجعل المساحة منقسمة، من دون أن تكون فاصلة تماماً. وهو ما يستقيم الكلام عنه إذ نعرف أن قوة التقاليد تبدلت بعد تنامي "ثقافة الصورة" المزيد أينما كان، ولا سيما في التجارب الأوروبية، التي باتت تشهد بدورها تراجع الأمية لصالح الكتابية، وفي أوساط اجتماعية دنيا، لم تعد محرومة منها. وهو ميلٌ مستجد، لصالح الصورة، يبلبل من جديد الحدود التي طُلب فصلُها بينهما. هذا ما جعل شاعراً مثل غيوم أبولينير يصرخ بأنه رسام بدوره... هذا ما يحتاج إلى وقفة تاريخية وفنية أخرى، ممهدة للحديث عن تجربة المهداوي. فما يمكن القول في هذه الوقفة؟


الحدود ملتبسة
في العام 1914 طالب الشاعر الفرنسي غيوم أبولينير، إذاً، الفنانين التشكيليين أن يحصوه في عدادهم: "نعم، أنا رسام بدوري". وذلك بعد أن نشر قصائد (calligrammes)، البصرية الطابع، ولجأ فيها إلى تأدية المعنى من خلال توزيع طباعي للأسطر: تستطيع أن تكتب قصيدة عن القتل، ثم توزع أسطرها بكيفية تفيد هيئة المسدس.
وكان ستيفان مالارميه، الشاعر الآخر، قد شقَّ هذه الطريق منذ العام 1897 في قصيدة: "ضربة من زهر النرد..." (Un coup de dés…): المحاولة شعرية، إلا أنها توسلت التوزيع الطباعي طريقةً في التعبير أيضاً. المحاولة بدأت، على ما يمكن التحقق، من الشعراء أنفسهم، أسياد الفن الرفيع سابقاً، الذين كانوا يتصدورن قائمة "الفنون الحرة" (ars libereralis) قبل منظومة "الفنون الجميلة"...
في إيطاليا أيضاً، في السنوات نفسها، نشأت "الحركة المستقبلية"، أو "حركة الكلمة الحرة"، وقد لخص مؤسسها مارينيتي (FilippoTommaso Marinetti) عملها في العام 1912 بالقول: بعد ميلاد الشعر الحر، أتى أخيراً دور الكلمات في فضاء الحرية. منشأ هذه الحركة لم يكن فنياً بدروه، على الرغم من أنه توسل أدوات الفن تنفيذاً لأغراضه. فأعضاء هذه الحركة شعراء أساساً، إلا أنهم عملوا على إنتاج "قصائد-لوحات"، أي علىالخروج من مقتضيات العهد الصناعي في إخراج النصوص، في الكتب المصنعة ذات الهيئة الواحدة والموحدة. الغرض أدبي، إذاً، أي إنتاج قصيدة متفردة (وهي لا تنجز فرادتها إلا من خلال الفن) بدل الكتاب-السلعة الصناعية المتكررة.
هذا ما درسه أحد النقاد متنبهاً إلى أن هذا الأسلوب يفكك وحدة الكتاب لصالح حرية الصفحة، ووحدة الصفحة لصالح حرية الجملة، وحرية الجملة لصالح حرية الكلمة. في هذا السعي اتصل الفنان بعدة الفن، فخبر الألوان وأشكال الرسم. وهو ما عبر عنه مارينيتي بالقول: باتت تعني الأبجدية لكل واحد منا قيمة خطية شخصية، وتعكس "التعبير الغرافيكي" لأعصابنا وتحمل آثار عضلات أيدينا  . 
في فرنسا، وايطاليا، وبلجيكا وغيرها، تأكدت هذه السبل المختلفة لبلوغ الهدف نفسه، ما أدى إلى إشاعة مساحة للعلاقات الملتبسة بين الخط والتصوير. فنحن نتبين، في هذه التجارب، "تطلع" الشعر إلى الرسم، و"تطلعَ" الرسم إلى الشعر، أي الطموح إلى محو الحدود بين أنواع تعبيرية كانت مصنفة على أنها مختلفة، ولكن في ميدان التصانيف الغربية وحسب. لهذا لم يكن غريباً أن فناناً مثل هنري ميشو (1899-1984) اتصل بفنون الخط، العربية والآسيوية، قبل أن يُقدم على تجاربه الخطية: زار المغرب العربي في العام 1929، والصين والهند واندونيسيا بين العام 1930 والعام 1931، قبل أن يشرع في محاولاته الخطية في العام 1937  .
لتونس أكثر من موعد مع بدايات التجريد في التصوير الأوروبي، وهو ما لا يوليه الدارسون أي عناية، بل عناية عابرة، و"طريفة" في أحسن الأحوال. وما لا يحسن الدرس التدقيق فيه هو الأسباب التي دعت أكثر من فنان، من فاسيلي كاندينسكي (W. Kandinsky) وصديقته الفنانة الألمانية، ثم بول كلي (Paul Klee) وصديقه الفنان أوغست ماكي (Auguste Make)، إلى المجيء إلى تونس والتجول فيمدنها، واستلهام موضوعات فنية فيها، ما كان له تأثيره البين على تجاربهم الفنية، ولا سيما في استجلاء الأشكال التجريدية، وباتصال مع الخط العربي.
لا يمكن نسبة هذه الزيارات إلى سابقاتها من الرحلات الاستشراقية، التي تحولت إلى ما يشبه زيارات "التبضع" المبني على الفضول وطلب التغرب والنفع في آن، لأن ما رسمه هذا وذاك، إثر زياراتهم، لا يندرج في النطاق الاستشراقي، بل فيغيره، ما يحتاج إلى معرفة وفحص. وقد تكون القربى الجغرافية بين ألمانيا وتونس، من جهة، و"الأمان" الفرنسي فيها، من جهة ثانية، سبباً منشطاً لقيام هذه الرحلات، من دون أن يحسن الدرس التاريخي المدقق الإسهام في معرفة هذه الأسباب (خصوصاً وأن "بقايا" متصلة برحلة كاندينسكي وصديقته ضاعت، على ما نعرف).   
يقوم كاندينسكي بين العام 1904 والعام 1908 (بعد أن غادر موسكو إلى ميونيخ في العام 1896)، بصحبة تلميذته ثم رفيقته غبرييل مونتر (G. Munter)، بعدد من الرحلات إلى إيطاليا وتونس وفرنسا، ثم لا يلبث أن يستقر في ميرنو (في بافاريا العليا). بعد هذه الرحلات الفنية كما السياحية، يبدأ برسم مجموعتين من الأعمال: "ارتجال" (improvisation) و"تشكيل" (composition). في هاتين المجموعتين يولي الفنان "العالم الداخلي" الأهمية الأولى على حساب "العالم الخارجي". الريشة في يد الفنان تبتكر أشكالاً، أي أنه يتعرف عليها حين يصوغها، أكثر مما ترسم أشكالا خارجية معروفة. يبتعد الفنان، إذاً، عن محاكاة العالم الخارجي، وينتج أعمالا فنية تجد شرعيتها في علاقاتها البنائية الخاصة.
إن انبثاق الفن التجريدي في العقد الأول من القرن العشرين واقعة لا يختلف حولها مؤرخان، وهو انبثاق أدى إليه تطور الفنون الغربية، التشبيهية نفسها، ومنذ عصر النهضة تحديداً. فبعد "الكمال" في تمثل الكائنات والأشياء، الذي طمح إليه الفن النهضوي، راح الفنان يتلاعب بهذه العلامات الواقعية، لدرجة أنه راح يشوهها، أو يبدل من طبيعتها، أو... يلغيها تماماً، منذ الانطباعية حتى التكعيبية والوحشية: مع سيزان (1839-1906) يتخلى الفنان عن المنظور الجوي، الذي يحدد للمتفرج نقطة ثابتة للرؤية على مسافة معينة من اللوحة، بل يدعو المتلقي، من الآن وصاعداً، على عكس الطرق الفنية السابقة، إلى أن يتعرف على تكوين اللوحة، وعلى المشاركة في حركتها الداخلية، ويتحول بذلك إلى شريك "متواطئ" بدل أن يبقى قاضياً ولو... عادلاً. مع سيزان بات الفنان يشعر بضرورة إبداع "غرض تشكيلي"، مستقل وقائم بحد ذاته، وفق "ضرورته الداخلية" حسب كاندينسكي. لم يعد الغرض الواقعي نموذجاً للوحة الفنية (كما بدأ عليه الأمر مع فن النهضة)، ولا ذريعة لها (كما كان عليه الأمر مباشرة قبل انبثاق التجريدية)، بل بات الغرض التشكيلي، أو "الرسم الخاص"  حسب أبولينير، هو هدف الممارسة الفنية.
هناك عدد من اللوحات بين العام 1904 والعام 1910 لكاندينسكي تحكي حكاية هذا الانتقال. إنها لوحات انطباعية ترصد مشاهد في "سان كلود" في الضاحية البارسية، أو في ميرنو الألمانية... هناك محاولتان متعارضتان تتعايشان في هذه اللوحات: كاندينسكي يتوخى، من جهة، الدقة في التصوير الزيتي، كما لو أن الطبيعة جامدة أمام عينيه، ويتوخى، من جهة ثانية، أن يلتقط المشهد بحساسية وتذوق، حتى لو أتى هذا على حساب الوصف الفيزيائي للأشياء والكائنات.


التجريد بين اللوحة والخط
كاندينسكي مرَّ في تونس، وتأمل علاماتها الفنية، العربية - الإسلامية خصوصاً، الموجودة في الجامع أو في الدار، فوق الزربية أو على صفحات الكتب. كما تبين تلك العلاقات الفنية "المختلفة" التي تقوم بين الخط والخط، بين القوس والدائرة، بين المربع والمثلث، في "غابة الأشكال"، كما تتبدى في الزخرفة العربية. توقف في تونس على خلاف جان ديلاكروا (1798-1863)، الذي توقف في المغرب. الرحلتان مختلفتان: ديلاكروا اكتفى بالتقاط "الموتيفات" الفنية في المشهد المغربي لتوشية اللوحة الغربية بها، أما كاندينسكي فقد التقط المفردات الفنية العربية - الإسلامية ليصوغ بها العبارة التشكيلية من جديد، وفق وجهة مغايرة لماضيها الفني. لم يخلِّف كاندينسكي آثاراً فنية عديدة عن زيارته التونسية، سوى عدد من اللوحات الزيتية بعنوان: "عرب-1"، و"عرب-2"... (وهي موجودة حالياً في متحف يرفان في أرمينيا). ويمكن الانتباه خصوصاً إلى عمل منتج في تونس بتأثير ظاهر بالخط العربي، وهو محفوظ في ميونيخ  .إلا أن التطور، الذي عرفه فنه في السنوات اللاحقة على زيارته هذه، لم يسلم من آثارها، كما يمكن أن نلاحظ ذلك في عالم الأشكال، الهندسية خصوصاً، التي باتت تحفل بها أعماله الفنية.
لا أولي هذه الزيارة أهمية تفوق دورها، بل أسلط الضوء عليها، وعلى تأثيرها المحتمل، بل الأكيد، على تصوراته الفنية، خصوصاً وأن كاندينسكي لم يخلف وراءه كتابات شخصية، تفسر تحولاته الفنية. زيارة تونس لم تكن اعتباطية، ولا سياحية، بل كان يريد منها التعرف على فن "آخر"، "ديني" حسب تصنيفاته الفنية.
هذا ما فعله مناصرو كاندينسكي من الفنانين، أمثال: بيكاسو، جوان غري، أو جورج براك، إذ كانوا يفتشون في متاحف الأناسة (أنتروبولوجيا)، في باريس أو غيرها، ويصعدون السلالم، بحثاً عن "علامات" أجنبية مغايرة، وما كانوا يتوصلون إلى معرفته، كان كاندينسكي يواجهه يومياً في رحلته إلى تونس.
إنه الفنان "الشرقي" الأول في الغرب: هذا ما يُجمع عليه المؤرخون مثل النقاد. إنه "الشرقي"، لا "الاستشراقي"، على خلاف ديلاكروا وأتباعه. ولم يخصوا بهذا اللقب أبدأ فناناً كبيراً، مثل ماتيس الفرنسي (1869-1954): زار المغرب العربي عدة مرات، أكثر من كاندينسكي أو بول كلي، ورسم هناك عدداً من اللوحات المشهورة، حتى إنه استفاد من الزخرفة العربية-الإسلامية لتبسيط تكوينات اللوحة، مثلما ألقى ذلك بوضوح في عدد من أعماله الفنية الخاصة بالرقص، إذ نلحظ التداخل فيها بين التصوير الزيتي والزخرفة.
هناك رسم بالحبر الصيني يعود إلى العام 1938 أسماه كاندينسكي: "عربسة" (arabesque). الاسم يدل على المحتوى، ذلك أن الفنان نفذ، في تلك السنوات من إقامته الباريسية، عدداً كبيراً من الرسوم بالحبر الصيني، تقوم على علاقات "خطية" وحسب. والتطور الذي عرفه فن كاندينسكي وصل به في نهاية المطاف إلى اكتشاف الخط – الخط هندسياً أو متكسراً  .
هل نصح كاندينسكي بول كلي وأوغست ماك بعد أن تعرف عليهما، وعقد صداقة متينة معهما، وزمالة فنية وثيقة في العام 1911، بزيارة تونس؟ لا نعرف جواباً عن هذا السؤال. ما نعرفه هو أن الفنانَين كاندينسكي وكلي كانا صديقين مقرَّبين حتى إن هناك حائطاً واحداً كان يفصل بين محترفيهما في ميونيخ. بهذه الكلمات يصف بول كلي في مذكراته بداية علاقته بالفنان الروسي: "عقد كاندينسكي العزم على تجميع الفنانين في جماعة خاصة. بمجرد أن التقينا لأول مرة نشأ بيننا لطف عميق. إنه رجل استثنائي، جميل وصاحب فكر نير ومتبلور"  .
هذان المهاجران، هذان المغتربان في ميونيخ، كتبا الأحرف الأولى في كتاب التجريدية، بعد أن شرَّعا حساسيتهما الفنية لرياح أخرى، بحثاً عن جذور أخرى للفن. كاندينسكي وكلي لم يملكا في حينه، حتى بعد زيارة كل منهما إلى تونس، فكرة واقعية عن الفن العربي -الإسلامي. لا نجد أبداً في كتاباتهما إشارات عن معرفتهما هذه. التأثيرات نلقاها في الأعمال الفنية، لا في الكتابات النقدية، حتى إن هذه التأثيرات كانت تندمج عضوياً في الحساسية الفنية من دون علم الفنان أحياناً. أليس هذا ما يقوله كلي حين يكتب في يومياته التونسية: "إن أصداء ذلك عميقة في نفسي، وستدوم، حتى لو أنني لم أسجلها على الفور"(م. ن.، ص ).
كلي ذهب إلى تونس، وتوقف في الحمامات والقيروان، راسما لوحات مدهشة بشفافيتها الشعرية، وكاتباً أحد أجمل النصوص حول التجريدية، حين صرخ أمام أسوار القيروان: "اللون وأنا شيء واحد. أنا رسام".
نستنتج من كتابات كلي أنه لم يكن يملك صورة وافية عن حضارة تونس، ولا عن فنونها المختلفة. هي "إفريقيا" بالنسبة إليه، بصورة غامضة وسحرية في آن معاً. بعد زيارته الأولى إلى إيطاليا في العام 1902، يعترف كلي بأنه لم يجلب معه منها الذوق الكلاسيكي بل الرغبة في "تجاهل" أوروبا كي يصبح "بدائياً تقريباً". كان يبحث، إذاً، عن هواء جديد، عن حضارات مغايرة، توصلاً إلى الحالة "البدائية"، أي البكر، المرشحة لولادات جديدة. لم يكن يحمل أفكاراً متبلورة أو متقدمة عن تونس مثلا، أو عن الفنون الشعبية (مثل صناعة السجاد التي استوحى تخطيطاتها اللونية)، أو عن العمارة العربية-الإسلامية في تصنيفه الخاص للفنون. يريد كلي أن يكون هو نفسه، وأن يكون جاهلاً أيضا، أي ضد الأكاديمية الغربية، وضد أساليبها الفنية المتبعة. يريد أن يتحرر من الإرث، وهو متأهب ومرشح للتفاعل والتواصل مع العلامات الأخرى الوافدة من الحضارات غير الغربية، بل  من الدين حتى. هذا ما عمل عليه جان دوفينيو، إذ ميز مسار بول كلي في تونس عن مسار ديلاكروا وأقرانه: "كلي لا ينتسب إلى هذه النظرة التراتبية للبشر. إنه لا يبحث عن تبرير لوجوده. إنه لا يسعى إلى أخذ شيء. إنه يترك نفسه لأن يكون منقاداً. إنه نظرة"  .
يكتشف كلي الخط مثل كاندينسكي: ألف الشكل وياؤه، حجر البناء والبناء نفسه. التونسي الذي يمشي أمام الأسوار ليس، في إحدى لوحات كلي "التونسية"، كتلة أو جسماً بل مجموعة من الخطوط، تنعقد وتتشابك مع خطوط السور نفسها: ألا يتكلم كلي عن علاقة قائمة بين هندسة مدينة تونس وهندسة اللوحة نفسها؟
أثرُ زيارة تونس على فن كلي لن يندثر أبداً، بل سيتبلور بقوة مدهشة، وشفافية ترق أكثر فأكثر مع السنوات التالية. أما المدهش في الأمر فهو أن كلي كان يشعر بحتمية ذلك منذ الصدمة الأولى. ألا يقول في يومياته: "المكسب الأساس قائم في نفسي عميقاً، لكنه مستعد للانبثاق حتى إنه ظاهر للعيان في أي لحظة"؟
هذا ما يمكن أن نقوله عن "الأثر العربي" في لوحته: أثر عميق، كامن وظاهر، مختلف عن الفن العربي القديم وقريب منه في آن معاً. كلي لم يعرف الفن العربي-الإسلامي وعياً ودراسة، لكنه أحس به، وتفاعل معه، وهتفت له نفسه الرقيقة، فانتظم العزف بينهما. الفنانون يلتقون في نهاية الأمر، بعيداً عن الأساليب والحضارات المتباينة، في مصهر النفس: الفنان العربي–المسلم كان يخط هذه الآية القرآنية أو تلك لاعتبارات دينية-خطية بالدرجة الأولى، لكنه كان يعرف من دون شك الارتعاشة الجمالية، التي عرفها كلي بعده، حين وازن بين الخطوط بحثاً عن علاقاتها الفنية؛ وكان يعرف من دون شك ما عرفه كاندينسكي حين تكلم على "توتر الخط".
هل يعني هذا أن الفن العربي-الإسلامي هو الذي قاد الفن الغربي إلى التجريد؟ بالطبع، لا. هل يعني هذا أن الفن العربي-الإسلامي هو التجريد عينه؟ بالطبع، لا. يمكننا أن نضيف أجوبة سلبية مماثلة على أسئلة كهذه، لإزالة أي التباس في عملية التحاور هذه. ذلك إن هذين الفنين مختلفان، على الرغم من التشابهات المضللة. يلتقيان، يتشابكان، ويتقابلان بشكل مواز، ولكن من موقعين مختلفين. أليس هذا هو الحوار؟ أليس هذا هو اللقاء الأجمل، خصوصاً إذا أتى حدسيا، بشكل إحساسي، لا وفق شعارات طنانة وجوفاء؟

حوار الحروفية مع التجريد
لكن ماذا عن علاقة الفنانين العرب بالتجريد؟ أهي علاقة طبيعية، تلقائية، بينه وبين الخط؟ أهذا ما جرى، أي أن خطاطين انتقلوا وحسب من حامل مادي (الورقة، المخطوط..) إلى حامل مادي آخر (اللوحة، المحفورة...)؟ هذا ما يحتاج إلى تبين وفحص مزيدين للعلاقة، التاريخية والفنية والجمالية، بين التجريد وبين "توظيف" الحرف العربي في اللوحة (مثلما راجت التسمية عربياً). فماذا عنها؟
هذا ما يتجنبه علي اللواتي، في كتابه "التجريد في الرسم التونسي"  ، إذ يختار من أعمال المهداوي ما لا يصلها بتجاربه الحروفية، بل بغيرها، بل يدقق في سيرته مشدداً على أنه "بدأ تجريدياً". ثم لا يلبث أن يقارن بينه وبين الفنان التونسي الآخر، نجيب بن الخوجة، ابتداء من الخط: المهداوي حقق بالخطوط المنسابة ما حققه ابن الخوجة بالخطوط الهندسية. ويتضح في كلامه أنه حدد الخط (في نصه العربي) بصفات، بينما حدده (في نصه الفرنسي، وهو الأصل أو المترجم عنه) في تسميات اصطلاحية معروفة عن أنواع الخطوط العربية في الفرنسية، ما يشير إلى شيء من اللبس والارتباك والتداخل بين الخط (العربي) والتجريد (الأوروبي)، وإلى شيء من التجاور والتباعد بينهما.
هذا ما يتخذ وجهاً آخر إذ يطلب اللواتي دراسة قيام مدرسة تجريدية في تونس، وهو ما ترافق مع صعوبة قيامها في العالم أساساً. ويرى الكاتب التونسي أن بدايات هذه المدرسة عنت تونسياً، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، "معارضة" للقيود الأكاديمية بما فيها التقيد بكل ما هو "أدبي" في العمل الفني؛ كما عنت الانصراف إلى "تشكيلية خالصة"، ما عنى استقلالية الفنان في معالجاته وقيمه الجمالية.
ما يتناوله اللواتي يكشف جانباً وحسب من صعوبة ظهور المدرسة التجريدية في تونس، إذ كانت تواجه أكثر من مشكلة في قبول الانتقال إلى التجريد، وتتأتى من كون الثقافة الفنية في تونس متأثرة بالثقافة الفنية الفرنسية السائدة بعد عقود وعقود على وقوع تونس تحت النفوذ الفرنسي. ويزيد من هذه المشكلة القبول بتجريد مختلف، أو مستقى من إرث كان يُنظر إليه حتى من فنانين ونقاد محليين على انه من الماضي البعيد، وأنه لا ينتسب إلى الفن الحديث  .
لقد كان جمعُ اللواتي بين بن الخوجة والمهداوي جمعاً دالاً على هذه النقلة الجديدة، إذ انصرف الأول منهما إلى معالجة تجريدية تنطلق من البناء الهندسي للمدينة التونسية القديمة، وهو بناء له أشكال حروفية، يمكن تقريبها من الأسلوب الكوفي  . بينما انطلق المهداوي من مكان آخر، إذ عاد إلى البحر، إلى ما يعايشه أمام بيته (في "المرسى" المطل على خليج تونس)، إلى تجاربه الخاصة، إلى تجاربه اللونية "المتموجة"، بوصفها عناصر تتيح له الاستقلال في تجربته الجمالية  . 
انطلق من البحر، بينما انطلق ابن الخوجة من "الحي العربي" في مدينة تونس (لتمييزه، هو القسم القديم منها، عن القسم الأوروبي الطراز فيها)؛ أي انطلق كل واحد منهما من الحياة نفسها (لو طلبت الاختصار)، لا من النماذج الأكاديمية المقرة على أنها نماذج الفن المعتبرة.
من يَعُد إلى أعمال للمهداوي في ثمانينيات القرن الماضي يتحقق من جمعٍ جديد يقيمه، في بناء عمله الفني، بين البحر والحرف، ما جعلني أكتب عنه: "موج من الكتابة. كتابة من الموج. بحر من حبر. حبر من بحر (...). نجا المهداوي يعوم في ماء اللغة مثل سمكة في البحر. أي ألفة قديمة" ("الحروفية العربية..."، م. س. ص 92). وهو ما كتبه عنه الشاعر إدوار مونيك عنه، إذ قال: "لا يمكن أن نكتب البحر. لا يمكن أن نتهجى النار"  .
كاتب تونسي آخر، قبل اللواتي، محمد عزيزة، انصرف إلى مقاربة فن المهداوي، ولكن من زاوية أخرى، من "الحروفية"، في كتاب: "التراث الثقافي والإبداع المعاصر، في أفريقيا والعالم العربي". درسَ أعماله، وصنفه في مجموعة الفنانين الذين يستلهمون الحرف استلهاماً "حراً"  . وهو يميز، في كتابه، بين ثلاث مجموعات من هؤلاء الفنانين: 
- مجموعة تتقيد تماماً بالحرف العربي، من دون أي تبديل له،
- مجموعة "حرة" في تعاملها مع الحرف العربي،
- مجموعة تتعامل مع الحرف العربي مثل معطى تشكيلي مع غيره من المواد في بناء اللوحة (الصفحة نفسها).
غير أن انصراف ابن الخوجة أو المهداوي إلى العلامة المحلية، يوافق ما بدأ به محمد الشرقاوي في المغرب إذ توجه إلى العلامة البربرية، ويوافق ما فعله محمد خدة ومجموعة "أوشام" في الجزائر ونجا المهداوي مع الحرف العربي، ما يندرج في سياق تاريخي وفني أوسع منه: عاد المهداوي إلى القلم، تاركاً الريشة (أو الأزميل)، وهو ما فعله فريد بلكاهية إذ تخلى عن القماشة الزيتية لصالح حوامل مادية أخرى (الجلود، البرونز...). كما تخلى فنانون عن أصباغ اللون الصناعية لصالح ألوان طبيعية ومحلية (حنة، زعفران...).
ارتأى هؤلاء الفنانون (وغيرهم) أن يستعيدوا نقدياً، في تجارب متباعدة ومتحاورة في آن، مسألة الحدود في الفن الواحد، أو بين فنون الثقافات المختلفة. يستعيدونها بما يخفف أو ينتقد (إثر مناخات الهيمنة الثقافية الاستعمارية) نظرات وتقويمات وأحكاماً رفعت من فنون، وحطت من فنون أخرى، كما أسقطت أحياناً الصلات بينها.
هذا ما أطلق عليه جاك بيرك تسمية: "إيجاد أو استعادة الفرادة الخصوصية" في معرض تناوله لتعبيرات شعرية وتشكيلية عربية مختلفة: "قد نكون قساة جداً في أيامنا هذه إزاء دخول التقنية الغربية في مسار التصوير الآسيوي (...). لنلقِ جانباً هذه الارتيابات. إن الثقافة تبحث عبر التبادلات والمعلومات في ما بينها، على الرغم من هذه الوسائل نفسها، عن إيجاد أو استعادة فرادتها الخصوصية"  . وهو ما قد يتخذ شكلَ إعادةِ التملك، الرمزي والمادي أحياناً: أكثر من دولة وجدتْ صعوبةً في إنجازه غداة استقلالاتها؛ وهو ما استطاعه بعض الفنانين، في حدود تجاربهم، أو سعوا في اتجاهه على الأقل.
هذا ما فعله المهداوي بعد بداياته التجريدية، إذ انصرف تماماً إلى عالم الخط، العالم الأليف، في: المسجد، والمصحف، وفوق مصنوعات حرفية، بعد دراسة فنية "أكاديمية" بعيدة تماماً عن هذا العالم. إلا أن ما يسَّر السبيل للمهداوي وأقرانه هو أن حدوداً سقطت بين الحرف والشكل، بين الخط والصورة، في الفنون الغربية، فضلاً عن الآسيوية، سواء القديمة أو الحديثة  .
انصراف المهداوي إلى الحروفية جعله، في اعتبار كثيرين، "رائداً" من روادها العرب، ما اجتمع في معرض لافت ضمه مع "منظر" الحروفية الفنان العراقي الراحل شاكر حسن آل سعيد، في معرض ثنائي، في مدينة تونس. وهو ما تكرس في تنبه النقاد مثل المتلقين إلى "بصمة" باتت تعين أعمال المهداوي، فتتعرف عليها العين مباشرة مثل "ماركة فنية مسجلة"، إن جاز التشبيه. فالفنان اشتق لفنه طريقة ما لبثت أن تأكدت وتكرست، مع تزايد التجارب والإنجازات، ما جلب له الاعتراف الفني، ليس في البلدان العربية وحدها، وإنما في خارجها، ما تدل عليه معارضه ومشاركاته في أكثر من مدينة وجامعة ومتحف في العالم.
إذا كان بعض النقاد انتقدوا في بعض أعمال "الحروفية" جانبها اللغوي الصريح، فإن الفنان ابتعدعن هذا منذ بداياته. وإذا كان البعض الآخر قد وجدوا في بعض تجارب "الحروفية" استسهالاً في الجمع بين منطق الحرف ومنطق اللوحة، فإن الفنان اتصل بالخط لكنه انفصل عنه، واتصل باللوحة لكنه انفصل عنها. هذا ما فعله وفق طريق خاصة اشتقها بنفسه، وتقوم (من الناحية النظرية والثقافية) على معرفة معمقة بهذا المنطق وذاك، وتؤدي (على مستوى التجربة والإنجاز) إلى إيجاد أحياز ذات حدود للقاء والتحاور، تُجريها اليد فوق بياض الحامل المادي، بين عناصر الشكل وتكويناته، من دون نماذج مسبقة، بل وفق "رغبوية" اليد الموصولة بالعين، التي تخط حضورها في العمل الفني.

تدوين النَّفَس
ما قام به عزيزة واللواتي وغيرهما من الدارسين التونسيين لتعيين فن المهداوي، قام به أيضاً دارسون عرب وأجانب، ومنهم كاتب هذه السطور في كتابه: "الحروفية العربية..."، وسعى هؤلاء وأولئك إلى تصنيف هذا الفن في هذه المجموعة أو تلك من الحروفيين. إلا أن هذه الكتابات بقيت دون الاقتراب الشديد من تجارب هذا الفن، خصوصاً وأنها متنوعة ومتعددة، وتباينت بين تجربة وأخرى. وهو ما أشرع به ابتداء من سؤال أول: ينطلق الخطاط، عادة، من جملة أو نص، ولا يلبث أن يقوم بتشكيله وفق "قلم" من الأقلام، فهل ما يباشره المهداوي يناسب حال الخطاط القديم؟
لا يحتاج الجواب عن هذا السؤال إلى معرفة مستقصية في أحوال الخطاطين مع الخط، ولا يحتاج إلى "دعوة" خاصة من الفنان عند البدء بأحد أعماله  ، بل يكفي الدارس الوقوف وحسب عند أي عمل من أعمال الفنان لكي يتحقق، بمجرد إلقاء نظرة سريعة وإجمالية عليه، من أن العمل الفني الواحد يتألف وفق بناء مخصوص، ما يصعب التكهن ببدايته، أو بمعرفة نقطة انطلاقه. ذلك أنه ينطلق من نقطة مجهولة، وإن ينتهي إلى صورة جلية للغاية، "تصميمية" أحياناً. لا بداية له، ولا نهاية له، مثل السطر الخطي العربي، الذي له وجهة بناء وامتداد هندسي أفقي في الغالب، أو عامودي في بعض الأحوال، أو ملتف على نفسه، في أحوال نادرة. كما يصعب على المدقق معرفة "رأس الخيط" (كما تقول العبارة الشعبية العربية)... ويزيد من صعوبة التعرف هذا أن عدداً كبيراً من الأعمال يقوم على نسق تكراري، ما لا قدرة للناظر بالتالي على معرفته، أو تتبع البدء من التتابع أو الاستمرار أو الانتهاء في العمل الواحد.
ما يستوقف في هذه الأعمال هو إنها متاحة للعين بنظرة واحدة، مركزة. هذا ما كان يتوافر في اللوحة الكلاسيكية، في نقطة الوسط فيها، التي تستجمع النظر ابتداء منها. وهو ما أطلقتُ عليها تسمية: "لحظوية العين"، التي تعني أن العين لا تباشر الرؤية مثلما يحصل للقارىء مع السطر (حتى لو كان العمل يتألف من جملة أو من مجموعة جمل)، وإنما تتجمع العين وتتركز كما لو أنها تستقبل وتحيط بشيء واحد يشغل بصرها. ذلك أن الناظر، في هذه الحالة، يتلقى العمل الفني مثل شكل، لا مثل استمرار وتقطع وتتابع لخطوط وألوان وعلامات. وهو ما يصيب الناظر أيضاً إلى العمل الخطي القديم، إذ يتلقاه كشكل واحد، وإن قد ينصرف، بعد ذلك، إلى قراءة حروفه وكلماته وجملته (أو أكثر). هذا ما يحدث للناظر بصورة أقوى إذ يقبل على عمل للمهداوي...
ذلك أن الفنان يوفر لعمله مجموعة من الشروط المادية والتنفيذية التي تزيد من "شكليته". فهو، بعكس الخطاط القديم، لا ينطلق من حرف، من جملة، من كتاب، لكي يعاينه ويخطه من جديد، وإنما ينطلق من بياض (يحافظ عليه في قسم كبير من أعماله)، ويبني عليه. ذلك أنه يحتفظ بنسق الورقة (والمخطوط) أساساً بنائياً لأعماله، ويحفظ بياضَها، ويستخرج تشكيلاته الحروفية منها، أو معها، إذا جاز القول. المهداوي، بخلاف الخطاط العربي القديم، لا ينطلق، إذاً، من "معاينة" الحرف (أو أكثر) – وهو ما يفعله الخطاط القديم مثل المصور الكلاسيكي، وإن في وجهة أخرى -، لكي يخط، لكي يرسم، وإنما يرسم أو يخط لكي يعاين ما فعل.
هكذا يكون الفعل المادي فوق البياض استجلاء لمكنونه، أو لعتمته الخافية، أو تجلياً بصرياً لما لا يرى. هذا ما قد يدفع بالبعض إلى منح هذه التجربة منحى صوفياً: استجلاب غير المرئي، من دون الوقوع في "المشاهدة"، أي امتناع رؤية الخالق، وهو "التنزيه" في الفكر الإسلامي. 
هذا ما يمكن تسميته بـ: تدوين النَّفَس، أي الحركة الخطية الحادثة، التي تقوم على أفعال يدوية، مرتبطة بتنفس الفنان، وبحركة يده الممسكة بالقلم، بين ما تحفظه في "ذاكرتها" (إذا جاز القول)، وبين ما تبادره بتلقائية ومن دون سابق تجريب أو تصميم فوق الورقة. يقول جان-إيف لوديه: "يحتاج نجا المهداوي إلى التنفس (المعروف) في طرق المتصوفة لكي لا يُفسد أيُّ تعثرٍ أو خطإٍ حسنَ تنفيذ أعماله، وهي (طريقة المهداوي) التي تضع أمام ناظريها صورة الكمال" (ورد في: "خطوط"، م. س.)؛ وهو ما يربطه الكاتب الفرنسي بتقاليد الخطاطين القدماء، بمن فيهم تابعو تقاليد "الزن"  والخطاطون في مرتفعات التيبت.
إذا كان من الصعب سبر تحركات الفنان وتصرفاته، من ناحية أصولها أو معانيها، فإن الدارس يقوى على معاينة تشكلات هذه الأعمال، ملاحظاً السمات التي تَظهر عليها، ما يدل – على الأقل – على حساباتها، والآثار المرجوة منها. فالشكل، إذ يتقدم إلى العين، لا يصل متفرقاً (كما سبق القول)، وإنما متجمعاً، إلا أن درسه يحتاج إلى تفكيك تشكلِه على هذه الصورة. فما يبلغ العين يتعين في مواد بعينها، وفق معالجات أصابتها بين شكل ولون. فما يمكن القول؟
سبق الحديث عن "المواد" إذ جرى تحديدها بأنها تنتسب إلى مجزوءات (أو كسور) من الحروف العربية، وتتشكل أحياناً ابتداء من مجزوءات (أو كسور) في بعض الخطوط العربية، كما تتشكل أحياناً أخرى وفق معالجات تتدبرها يد الفنان من دون أي إحالة خارجية، أياً كانت. إلا أن هذه "المواد" تتحرك في أحياز، بعضها هندسي (ما تقوم به المسطرة، أو البركار وغيرها)، في دوائر أو مستطيلات ومربعات وغيرها. إلا أن هناك أحيازاً أخرى، "حرة"، أي تنشأ وفق تدبير الفنان نفسه، فوق الحامل المادي مباشرة.غير أن الحديث عن مجزوءات (أو كسور) يصلح لمن يرى إليها من خارجها، لا للفنان نفسه الذي يقوم بها، إذ إن حركته متتابعة، لا تبني جزءاً على جزء أو بعد جزء  .
هذا ما يسم عمل الفنان، ويتبينه المتلقي من دون مشقة كبيرة، حين يرى إلى اجتماع عناصر العمل الفني في حركة ذات مدى حيوي يخصها ويبنيها، ما لا قدرة على تفكيكه، أو على عزل عناصره عنصراً عنصراً.
إنه عملٌ بمثابة فعل حضور، ما يشعُّ بدينامية تمتد في مجموع العمل، مثل جذوة نار واحدة.
لهذا قد يكون الحديث عن "إيقاعية" اليد فوق حاملها المادي قريباً أو مشابهاً لإيقاعية القدم في الرقص التعبيري. ففي الحالتين يحتاج الشرح إلى تبين الحادث فوق البياض، وإلى التنقلات الجارية فيه، وإلى ما تحدثه من ألق في العين: في الرقص ترتدي الراقصة (أو الراقص) التعبيرية ثياباً بيضاء، ما يعاكسها لونياً مع ما يحيط بها، ويبرزها فوق السطح الذي تتنقل فوقه، أما يد الفنان فتتنقل، هنا، فوق بياض الحامل المادي بخطوات من سواد، بما يُحدث انفعال اللقاء: ألق السواد، بهجة العين.
سبق للتوحيدي، في حديثه عن الخط، أن تكلم على الموسيقى التي فيه، أي في أنماط التشكل التي يتخذها. فتنقلات الحروف تتخذ مدات مختلفة، بين سريعة وطويلة ومتواترة ومتداخلة ونزقة ومرتخية، ما يقيم مع العين أشكالاً متعددة من التواصل، بل من "الطرب". والحديث عن "الطرب" ليس بغريب في معرض الحديث عن الشكل، إذ يجد المدقق في تكرارات الصوت الغنائي (أو في تنويعاته في "مقام" واحد، أو بالانتقال من مقام إلى آخر، على ما هو معروف في الغناء العربي "الطربي")، نسقاً مشابهاً لما يجده في تجارب أخرى منتجة للشكل الفني. هذا ما جمعه ابن خلدون بين المرئيات والمسوعات إذ كتب في "المقدمة": "أما المرئيات والمسموعات فالملائم فيها تناسب الأوضاع في أشكالها وكيفياتها، فهو أنسب عند النفس، وأشد ملاءمة لها" .
ما يجده الدارس من "انسيابية" مستحسنة في النغم، يجده في صفات مستحسنة في الشكل. وهو ما يصح بين "استقامة" الصوت و"استقامة" الخط... وغيرها الكثير. وما يصح في الهندسة نجده مستحسناً أو مجلوباً إلى نطاق أعمال بصرية، مثل: حسن استدارة النون، ودقة استقامة الألف، وجمال استطالة السين حين تقع في طرف اللفظ، وروعة تداخل حرفي الألف باللام إذ يتجاوران...
الحروف العربية لها "قابليات" متأتية من أشكالها نفسها، وما تنتظم فيه: بين علو وامتداد وميلان، وبين سماكة ونحافة لـ"أجسام" حروفها، وبين ما يصل وما يفصل بعضها عن بعض في امتدادات أو انقطاعات أو التفافات... وهو ما يجمعه ابن مقلة في حديثه عن "الهيئات" الممكنة للخط، وهي خمس في حسابه: انتصاب، تسطيح، انكباب، استلقاء وتقويس  .
تلتقي "الهيئات" بالتالي في كيفيات شكلية، ما يجد ربما في صورة الشجرة شكله. وهو ما قاد البعض ربما إلى الحديث قديماً عن أن للخطوط: "شجرة". وهو الاسم الذي جرى تفريع أكثر من خط ابتداء منه: المورق، المزهر، الريحاني، النرجسي وغيرها. وهذه الهيئات ليست سوى خواص متأتية من طبيعة الحروف، ومن أشكال اجتماعها اللغوي، لكنها لا تلبث، في الخط، أن تتخذ أشكال اجتماع أخرى، إضافية، متأتية من معالجات الفنان، وتوليداته وابتكاراته فيها.
ولهذه المعالجات "قيم" أيضاً، كما يقال في اللغة التشكيلية، ما يجتمع في مثل هذه: ائتلاف واختلاف، تناسب وتعاكس، ضغط وتمدد، تداخل وتباين، غلاظة ونحافة، التفاف وانفراج وغيرها. وهو ما يمكن معاينته في علاقات التشابه والتباين الممكنة (على سبيل المثال) بين: الراء والواو، وبين القاف والصاد، وبين الحاء والعين، إلى غير ذلك من الاحتمالات الكثيرة بين الحروف (بل بين أجزاء منها كذلك)، والتي للفنان أن يحتفظ ببعضها، أو يعدلها، بما يقيم تلك العلاقة بين الألفة والغرابة الدائمتين. بل يمكن معاينة سمات شكلية صرفة في أجزاء الحروف، مثل: الاستدارة التي لها تشكلات مختلفة (الحاء، العين، الفاء، القاف...)، أو الاستطالة التي لها تشكلات مختلفة (الألف، الميم، اللام...). وهو ما يصح في احتمالات النقطة المتعددة: فوق الحرف أو تحته أو في وسطه، من دون أن ننسى النقطة المزدوجة فوق بعض الحروف...
هذا ما يندرج في "إيقاعات" (كما سبق القول)، تتخذ أنماطاً مختلفة لها: بين تكرار وتنويع، وبين اتباع وتفريع، بين اختزال وتكثيف وبين بسط وإطالة...


اليد بين ذاكرة ورغبة
أطلقتُ على مجموعتي الشعرية الأخيرة (2013) العنوان التالي: "على طرف لساني"، وطلبتُ منه معان ودلالات مختلفة، تلتقي في بعضها مع بعض ما تقوله تجربة المهداوي التشكيلية، التي يمكن اختصارها بهذا العنوان: على طرف قلمي. فالعربية لا تميز، بل تجمع، مثل الفرنسية، بين اللسان بوصفه أداة التلفظ، وبينه بوصفه حاصل التلفظ، أي اللغة نفسها. بل يشير العنوان المذكور أعلاه إلى معنى آخر، استعمالي للعبارة، وهو أن المتلفظ قد ينسى ما يعرفه، ويدرك أنه يعرفه، من دون أن يقوى على تذكره، على تلفظه، ما يمكن وصفه بأنه نوع من "اللاوعي الذاتي" للغة، على أنه لاوعيٌ ظاهرٌ، مُدركٌ، لا يحتاج إلى قراءة وتفكيك عند محلل نفساني. هكذا "ينسى" الشاعر اللغة إذ يطلبها، فلا يتذكرها، فيما هي تتذكره واقعاً، ولا تغيب عنه، بل تبقى في ثنايا الكلام، وتحدد تعبيرَ الشاعر أبعد مما قصده أحياناً.
هذا ما يمكن توصيف تجربة المهداوي به، وإن في وجهة أخرى: لا يتعثر الفنان أو يرتبك (مثل المتلفظ)، عندما يباشر عمله الفني، بل ينطلق (كما قال الفنان بنفسه) من خيارات، مما يفضله أو يستبعده. وما "فضَّلَه" المهداوي يتعين سلباً وإيجاباً في الوقت عينه: فضَّلَ الانطلاق – باختصار – مما يوفره الخط العربي، واستبعدَ سلفاً "أقلامه" وعدداً آخر من القواعد والسمات المادية والفنية والجمالية التي تميزه. وهو في ذلك يبدأ بالعمل الفني من دون تعثر (بعكس المتكلم أو الشاعر حين لا يقوى على الابتداء بالتلفظ)، يبدأ مما لا يُطلب لا في التصوير (الغربي)، ولا في الخط (العربي)، كما أنه يتوجه به وجهة مغايرة. إلا أن ما يباشر به ينطلق من "طرف القلم"، أي مما يطلبه الخط، ومما يحمله من دون علم منه، أو قصد منه، ما يمكن أن يشكل: لاوعي الخط، أو حمولاته المادية والفنية والجمالية اللازمة، أو التي لم تفارقه.
لو سمحتُ لنفسي استكمال المقارنة بين ما كتبتُ شعراً وبين ما رسمَ المهداوي لقلتُ (كما في قصيدة سابقة): "لا يصل الكلام، بل يسير"، ولا "يفيد الكلام، بل يميل". قلمُ المهداوي "يميل" تماماً، ويتلوى، وإن استقام في بعضه، أو اتخذ تحققات هندسية الطابع. لقلمه حرية، بل حق التجول في عتمة البياض، ما يستخرج أشكالاً، أو يبني تشكلات. فالسواد في رأس القلم (وألوان أخرى أحياناً) يتمشى على هواه، على أن اللغة (كما عند الشاعر) بتصرفه، بوصفه مالكها السيِّد. وهو ما يشبه تمريناً يجريه أساتذة الخط في التجربة اليابانية على طالب الخط، في امتحان أخير قبل "الإجازة" (أي تخرجه): أمامكَ وقت يسير، وفي دواتك نقط حبر أخيرة، ماذا تخط بها؟
هذا ما تقوله اليد، من حيث تدري ولا تدري: سواء في "ذاكرتها" (إذا جاز القول)، أو في "رغبويتها"، إذ تميل وتتلوى وتصادم وتدور على نفسها، مثل إمالات النفس نفسها. يقول علي بن عُبيدة: "القلم أصم، ولكنه يسمع النجوى، وأبكمُ لكنه يُفصح عن الفحوى" (في: "في علم الكتابة"، م. س.، ص 256)، ما يمكن للمهداوي أن يستعيده بدوره.
أياً كانت معرفة الفنان بنقطة المنطلق في عمله، فإنه لن يعرفها عند نقطة الوصول: إنه "يكتشفها" بدوره. لهذا أمكن القول إنه يخالف بل يخرق أحد أسس تجارب الخط العربي القديمة والمستمرة، وهو أنه يبتعد بمعنى ما عن تصميمية راجحة ومتمكنة من أساليب الخط العربي وتطبيقاته. وهو ما يقوله صلاح ستيتيه عن فنه: "الكتابة تحلم بنا. بل لنقلْ في صيغة أفضل: هي تحلمُنا" ("خطوط"، م. س.، ص 163).
ألفة وغربة في العين، في لقاء أعمال الفنان، ولا سيما لمن لا يعرف شكلانية الخط العربي، إلا أنها ألفة وغربة مختلفتان عن السابقتين: في الأولى، كما في الثانية، تعود العين إلى ما اعتادت عليه في المرجع، في مراجعها الخاصة عن اللغة، عن الخط، عن التشكلات البصرية. لهذا يلتقي هذا بذاك في جانب من الأعمال... وهو ما يصح في أي عمل بصري، من أي ثقافة كانت، إذ يشارك السابق بمعنى ما في ما يمثل أمام عينيه: يشارك على الرغم من المتلقي، وقبله. لكن لا يشارك معه بعد ذلك، ولا سيما في أعمال المهداوي إذ تنتقل العين إلى ما يؤسس العمل بنفسه، في بنائه المخصوص، في بصريته المخصوصة، هي الأخرى. يقول في هذا المجال: "إذ أبتعد سلفاً عن الفعل، عن الكلمة، أحاول أن أجعل تطورَ الشكل الغرافيكي أكثر نبلاً"  . 

تجريدية تمثيلية وشكلية
جرى الكلام أعلاه عن بدايات التجريد، وعن صلات بينه وبين تجارب خطية، صينية-يابانية وعربية، ما يحتاج إلى مزيد من البحث والتدقيق والمعالجة. هذا ما يمكن اختصاره بالسؤال: أهناك تجريدية قبل كاندينسكي وغيره؟
ذلك أن التاريخ يدقق في المسألة، من جهة حكاياتها عند هذا الفنان الغربي أو ذاك، من دون أن يتوقف عند تعريف (أو تعريفات) التجريدية نفسها. والعائد، إلى التعريف (التعريفات)، من جهة، وإلى ظهور التجارب التجريدية (الغربية) الأولى، من جهة ثانية، يتحقق من وجود نزعتين في التجريد:
- نزعة تربطه بالعالم المادي، الطبيعي والإنساني،
- نزعة تربطه بالعالم الشكلي، من مساحات وخطوط وألوان.
وهو ما يتحقق منه الدارس إذ يرى أن أعمال الفن التجريدية توزعت بين أعمال "تخفيفية" للعالم المادي أو "اختصارية" له، وبين أعمال ذات بناء شكلي محض. بهذا المعنى تكون النزعة الأولى موصولة بنظام "التمثيل"، فيما تنحو النزعة الثانية وجهة أخرى. فكيف ذلك على ضوء التاريخ الفني للشعوب؟
هذا ما يجتمع واقعاً في ثلاث تجارب معروفة:
- الفن "البدائي" : رسوم المغاور.
- فن الخط الآسيوي : التجربة الصينية–اليابانية.
- فن الخط العربي.
عثر علماء الآثار في مغارة كراجا (Graja) في إسبانيا على رسوم خلفها الإنسان في العصر الحجري القديم، وتظهر فيها علامات دالة على الحيوان والإنسان، قريبة – لو طلبنا الشبه – من علامات تشكيلية ماثلة في أعمال الفنانَين (الإسبانيين بدورهما): خوان ميرو وأنطونيو تابييز. ويمكننا أن نلاحظ وجود أعمال مشابهة، في أوروبا كما في آسيا، في العصر الحجري القديم أو في عصر الحجر المصقول، أي وجود أعمال تبتعد عن التمثيل الطبيعي، أو المحاكاة، في موضوعها كما في أشكالها، ولكن من دون أن يعني هذا أنها تجريدية. ذلك أننا نميّز ونفرّق بين الرمز والعلامة التجريدية: الرمز يشير، في ظاهره، إلى التجريد فقط، إذ هو صاحب معنى مسبوق، ومتفق عليه، وصاحب شكل ثابت بدوره. فهذه الرموز تشبه الحروف الأبجدية (المسمارية، الهيروغليفية...) في أنها اصطلاحية، قائمة على "شيفرة" مسبقة: التجريد هو نقطة وصول مثل هذه الرسوم "البدائية"، لا نقطة الانطلاق فيها.
بهذا المعنى يمكن أن نعتبر اللغات (الهيروغليفية، المسمارية...) الأشكال التجريدية الأولى التي عرفتها البشرية، ولكن من وجهة سلبية فقط (إذ لا تحاكي الظواهر الطبيعية). فهذه العلامة اللغوية أو تلك لا تصور الفكرة أو الشيء أو الظاهرة التي تشير إليها، بل ترمز إليها فقط، من دون أن تكون العلاقة لازمة، بل استنسابية أو اعتباطية، بين صورة العلامة ومعناها.
فردينان دو سوسير نبهنا – عن حق - إلى عدم الخلط بين الرمز والعلامة اللغوية: يتميّز الرمز عن العلامة اللغوية في أن العلاقة بين الدال والمدلول فيه "لازمة" في الغالب. فمن الطبيعي جداً أن نشير إلى العدالة برمز الميزان (لا برمز الدبابة مثلاً)، بينما نستطيع بالمقابل أو تستطيع الجماعة اللسانية بالأحرى أن تتفق فيما بينها على أن لا يكون في الهيئة الغرافيكية للعلامة اللغوية: "عدالة"، ولا في بنائها الصوتي، ما يشير من قريب أو بعيد إلى معنى هذه العبارة. وما يتوجب التنبه إليه خصوصاً، هو أن لا شيء، في هذه الرسوم، يفيد أنها كانت رسوماً بالفعل، إذ قد تكون المقارنة مغلوطة. فما خلفه البشر الأوائل في هذه المغاور كان يصدر عن حاجة تعبيرية ربما، أو عن حاجة إخبارية فقط. وماذا عن الخط الآسيوي؟
لا نعاني من هذه المشكلة أبداً مع فن الخط الآسيوي، في تعبيراته الصينية أولاً، وفقاً لنشأة هذا النوع الفني فيها، ثم اليابانية بعد انتقاله إليها. فنحن نواجه، هنا، فناً قائماً بذاته، يمتاز بدرجات عالية من الاحتراف، التي تجعل منه ممارسة مخصوصة، يقوم بها عدد معين من البشر، وفق قواعد وأساليب محددة. المقارنة، إذاً، ممكنة ولن أقوم، هنا، باستعراض تاريخي لنشأة وتبلور فن الخط الآسيوي، فهذا الأمر يتخطى غرضي. سأكتفي بدراسة الجانب الفني من هذه التجربة الخطية، وبقياس تجريديتها بالتالي.
لا نحتاج إلى برهنة تفصيلية أو مطوّلة لكي نذكر بأن فن الخط الآسيوي هو فن تجريدي، على الأقل من جهة سلبية. وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى طبيعة اللغة نفسها. فماذا عن المعالجة الفنية والخطية لهذه اللغة في أعمال معينة؟
هناك "سبعة أسرار" لفن الخط، حسب أحد المؤلفات الصينية القديمة، وهي التالية:
إن الخط الأفقي هينغ (Heng) شبيه بغيمة طويلة تنقطع فجأة؛ والنقطة "تيان" (Tien) تشبه صخرة تقع بقوة من مرتفع صخري قرب البحر؛ والإشارة "بي" (Pie) المائلة من الشمال إلى اليمين فهي تشبه قرن الكركدن؛ والخط العمودي "شي" (Che) يشير إلى كرمة قديمة من ألف سنة، في كامل عطائها؛ والدائرة المشدودة "وان" (Wan) توحي بالقوس؛ والإشارة "نا" (Na) المائلة من الأعلى إلى الأسفل ومن الشمال إلى اليمين تشبه موجة على الغالب، أما السّر السابع فهو الإشارة "تي" (Ti) التي تشير إلى الصنوبر.
إنها أسرار فعلاً، لكنها تعود بنا إلى عالم الظواهر الطبيعية، حيث تجد تكويناتها الأولى. وهذا ما نلاحظه أيضاً إذا استعرضنا التبدلات في الهيئة الخطية التي يمكن أن تلحق بالإشارات الخطية الأساسية. فهذه التبدلات، وهي تقدر بـ 32 تبدلاً، يمكن أن تأتي على الصورة التالية: تتخذ مرة شكل حبة الفاصوليا، أو الخط المعقوف، أو منقار العصفور، أو سن النمرة، أو الوبرة المعلقة، أو الندى الذي يرشح، أو منقار البطة، أو جناح طائر الفينيق، أو ذيل التنين، أو البجعة التي تندفع فوق المياه، أو الفراشة الفرحة، أو التنين الملتف على نفسه، أو الحشرة التي تغني...
لا يتأخر واضع هذا المؤلف الصيني القديم عن أن ينبه الخطاطين إلى بعض المصاعب: "احذروا شد الزنبور"، و"تجنبوا ذيل الفأرة"، و"ابتعدوا عن رأس البقرة"، و"انتبهوا إلى الغصن المكسور"، و"حذار من قائمة اللقلق" وغيرها الكثير.
أما الخطاط الصيني وانغ هي-تشي (Wang Hi Tche) (379–321) فيتوجّه إلى أقرانه في إحدى مؤلفاته بالقول: عندما تنتهي من كتابة الحرف، يجب أن تتخذ هيئته شكل الدودة التي تقرض ورقة، أو شكل فرخ الضفدع السابح في المياه؛ ويتخذ أحياناً شكل المحارب الذي يشهر سيفه، أو صبية جميلة بكامل أناقتها. وفي الفترة نفسها يكتب الخطاط سو تسينغ (SowoTsing): على حروف تساء (Ts'aa) أن تشبه أقواساًً فضية، وهي تتخذ أحياناًً هيئة النسر الخائف، أو العصافير، وهي تستعد للتحليق أو بعد أن لوت أجنحتها.
لهذا لم يخطئ أبداً إيتيمبل (Etiemble) حين تحدث في كتابه، "الكتابة"، عن "التشوش" الناتج عن الجمع بين فنين، بين الخط الآسيوي والتجريد الغربي، فهما غير متوافقين أبداً  .كان الكاتب الفرنسي يتعرض، في قوله هذا، لفنانين غربيين، عادوا إلى فن الخط الآسيوي لتجديد التجريدية الغربية. فمن المعروف أن هؤلاء الفنانين انبهروا بـ "التلقائية" في الحركة، التي نعثر عليها في المخطوط الآسيوية. إن تجربة هنري ميشو في هذا المجال غنية بالدلالات: هذا الشاعر–الرسام لم يكن يعرف الصينية ولا اليابانية، ولا تاريخهما اللغوي والخطي، لكي يدرك أن الصلة "لازمة" بين الأثر المنتج (أي اللوحة الخطية) والأصل الخطي (أي هيئات الحروف وأشكالها). فهناك فارق بين ظاهر اللوحة الخطية لغير العارف بشؤون الحرف والخط الآسيوي ومعناها عند الآسيوي. فللأجنبي تبدو هذه اللوحة مثل تجريدات خطية أو غرافيكية، بينما هي في الواقع تشكيلٌ وأسْلبةٌ لهيئات الحروف انطلاقاً من صور مادية. لا يعنينا في هذا المجال أن نعرف إذا كان ميشو أو غيره كان مدركاً لأصول التجربة الخطية الآسيوية، فهو، إذا كان مدركاً لها، قد اعتنى ربما، عمداًً واختياراً، بالجانب الظاهري، أي "التلقائي" في الحركة التي توفره للفنان. ميشو كان يبحث عما يحرّر الفنان، بل يده، من رقابة الوعي لكي يعبر بتلقائية خالصة عن مكنوناته، وهذا ما وجده في التجربة الآسيوية، وهو الذي لم يتورّع أيضاً عن تعاطي المخدرات لكي يتوصل إلى هذه الحالة النفسية المنطلقة، التي توفرها له التجربة الآسيوية كأداة. وماذا عن تجريدية الخط العربي؟
يقول "إخوان الصفاء": "واعلمْ بأن كثيراً من المهندسين والناظرين في العلوم يظنون أن الأبعاد الثلاثة، أعني الطول والعرض والعمق، لها وجود بذاتها وقوامها. ولا يدرون أن ذلك الوجود إنما هو في جوهر النفس، وهي كالهيولى، وهي فيها كالصورة، إذ انتزعتها القوة المفكرة من المحسوسات" (م. س.، ص 1، 167). وهو قول يفيد في استبيان جمالية لا تقوم على الصورة الحسية، وإنما على ما تمَّ التفكر فيه، بعد استخراجه من المحسوسات نفسها، وعلى ما ينبع أو يقيم في "النفْس"، التي لها القدرة على التفكر، أي  على "التجريد". ويعني بالتالي استخلاصاً جوهرياً وذهنياً وشكلانياً مما هو عارض، وتالف، ومحسوس. لهذا تبدو هذه التجريدية أكثر قرباً من التجريدية الغربية، بخلاف التجريدية الآسيوية الشديدة التمثيل للعالم المادي.
بل تَجمع جمالية الخط العربي إليها المعنى الثاني للتجريدية الغربية، وهو الشكلي المحض. إذ من يتابع أقوال القدماء يتحقق من الشكلية الشديدة التي اتسم بها فن الخط العربي. فقد جعل ابن مقلة من الألف أساساً لبقية الحروف، وهو ما قاله "إخوان الصفاء" بدورهم في حديثهم عن الخط المستقيم (أي الألف كلك)، وهو ما نجده عند الحلاج الذي عرضه على هذه الصورة: "عِلمُ كل شيء في القرآن، وعلم القرآن في الأحرف الأولى التي في أوائل السور، وعلم الأحرف في لام ألف، وعلم لام ألف في ألف، وعلم الألف في النقطة"  . لعلنا نجد في هذه الأقوال والنظرات المختلفة أساساً للدين، وأساساً للخط، لكنهما أساسان متمثلان في الحرف، في واحد منها، هو الألف (ووحدتها الدنيا هي النقطة)، ما يعني أن نظرية المعرفة، أو العقيدة الدينية، تنبني على الشكل. وهو ما يقع في أساس أي فن، أياً كانت مراجعه وثقافاته، إذ إنه يشير إلى ما يقع في أساس الخط، والشكل، والرسم، والصورة، أي الفن بصيغه المختلفة المعروفة، القديمة أو الحديثة.
يبدو هذا "الأساس" بيناً، أكيداً، ولكن بعد متاهات ومباحث عديدة وتجارب شكلية، أجراها الفنان في "غابة الفنون". هذا ما توصل إليه، فرسم خط سير غير خطوط السير السابقة، وعابراً لها. هذا ما ترجحه نظرة سريعة إلى أعمال المهداوي، لكنها تغيب بالمقابل علاقة جانبية، إن جاز القول، بالزمن التاريخي، وعلاقة فاعلة بالزمن الجمالي. فماذا عن طبيعة هاتين العلاقتين؟

استطالة اليد، مدنية الخط
ارتبط الخط العربي، إلى جانب الحاجات الدينية التي لباها، بحاجات تاريخية، ارتبطت خصوصاً بتقاليد البلاط والمجالس، وبحاجات الخليفة (وصولاً إلى السلطان العثماني) إلى إظهار مكانته وتمايزه الأشد عن غيره. هذا يتمثل في أدب "الرسائل" (كما هو معروف في النثر الفني العربي القديم)، وتحديداً في أساليب كتابتها وزينتها البلاغية، كما يتمثل في إمكانات الخط تحديداً لجهة الإبراز البصري لهذه المكانة.
هذا ما ساعد في إغفال أو إسقاط ما يصل هذا الفن بحاجات زمنية ومتغيرة، ما لا تسمح به الصورة في علاماتها وأشكالها، إذ تحتاج إلى نوع آخر من الإظهار: إظهار الوجوه والأجسام والبيوت والأسواق وغيرها؛ وهو ما نجده في "مزوقات" يحيى الواسطي، على سبيل المثال، إذ تفيد عن الزمن الاجتماعي والتاريخي والمعماري بقوة أكبر (لو جازت المقارنة) من تعيينات "الأدب". فهل يمكن القول إن فن المهداوي يستمر في هذا النهج، طالما أنه يبتعد عن الفن التشبيهي؟
يكفي، للإجابة عن العلاقة الأولى، التوقف عند عدد من أعماله، إذ نتبين أنها شاركت على طريقتها في صنع الزمن الفني والاجتماعي، هنا وهناك: في قاعة مطار في المملكة العربية السعودية، في واجهة عمارة في مدينة تونس، أو في صناعة أكثر من كتاب شعري بالفرنسية والعربية... بل ما يستوقف في أعماله هو كثرة المشاركات المتنوعة: في أماكنها، وأسبابها، والجهات الداخلة فيها، وموادها وغيرها. إذ إن في تنوع المشاركات ما يدل، في صورة أكيدة، على تطلع المهداوي إلى صناعة "الخارج"، بالمقارنة مع "داخل" العمل الفني نفسه. ففي هذه الأعمال لا ينتقل المتلقي إلى محترف الفنان، أو إلى صالة عرض، أو إلى متاحف عديدة (تحضر فيها أعماله)، وإنما ينتقل الفنان بنفسه، بأعماله، إلى حيث يمشي المتلقي، أو يجلس، أو يقرأ وغيرها من سلوكاته الاجتماعية. كما لم يتأخر عن التعاون مع منظمات دولية، مثل "منظمة العفو الدولية"، أو في صناعة "الكتاب العالمي للسلام" وغيرها.
وهو ما بلغ مع "إنزال" الحرف على الجسد الأنثوي لحظة شديدة اجتماعياً ورمزياً وقانونياً، في مجتمعات عربية (ومسلمة) لا تُحسن تمكين المرأة من إدارة شؤونها (فضلاً عن مشاركتها في إدارة الشأن العام)، بما فيها حريتها بكل معاني الكلمة: أن تكون "قوَّامة على نفسها"، لا أن تحتاج إلى "وكيل" يكفل وجودها وهويتها.
هذه العلاقة "الجانبية"، كما أطلقتُ عليها، تحدد نوعاً من الشراكة مع ما يتيحه الزمن الجاري، ما يختلف عن طبيعة العلاقة الثانية، التي حددتها بأنها "فاعلة في الزمن الجمالي". فماذا عنها؟
جرى أعلاه الوقوف عند محطات متعددة في هذا المسار الفني الواسع، بين عربي وأوروبي، ما ساعد في إدراج فن المهداوي في سياق لازم له. وهي علاقة بين عمل فردي (أي الفنان) وسياق أوسع منه، ما تمثل في علاقات يستحسن التوقف عندها. وهي علاقات نتبين فيها كيفية تعامل الفنان مع سياق فني متغير، في قيمه وسوقه وإنتاجاته نفسها. فإذا كانت أعماله الأولى تفاعلت مع التجريدية، ولا سيما في تشكلاتها اللونية المحضة، فإن تغيراته اللاحقة صوب الحروفية واكبت بدورها التجريدية اللاشكلية؛ كما تناغمت أيضاً مع تجارب الخط أو توليداته الحديثة، في إيران بتجاربها المميزة مع حسين زندرودي ("مدرسة ساغا خانة") بشكل خاص... 
المهداوي يتجنب، في الفن، العلاقة مع التاريخ، بالمعنيين الوقائعي والاجتماعي (إلا في ما ندر)، لصالح علاقة تأويلية مفتوحة على السياق التاريخي والسياق الجمالي. هذا ما تعين في مواكبة فنه أيضاً لتصورات وصيغ جديدة في إقامة العمل الفني خارج صالة العرض والمتحف، ومن دون الجدار وصالون البيت. هذا اتخذ صيغاً متعددة ومرنة، متجاوبة حتى مع الأداء الحي في الفن. وهو ما انعقد أيضاً في علاقات تفاعل مع الكتاب أيضاً، مع: "ألف ليلة وليلة"، مع شعر بدر شاكر السياب، العراقي "الرائد" في الشعر العربي الحديث وغيره أيضاً... أو في علاقات تفاعل مع شعراء معاصرين له، تونسيين وغيرهم.
هذا الخروج من المحترف يبدو مختلفاً عن أعمال المهداوي في غالبها، والتي تبدو حاصلَ عمله واجتهاده وحده، بين القلم والبياض. إلا أن هذا يغيِّب تدافعات القلم، وإمالاته، التي تشي بسمات تعبيرية وانفعالية خافية: ما يتكوم مثل سر، أو ينغلق مثل لغز، أو يتطاير مثل فقاقيع فرح، أو يمتد مثل انتشاء، أو ينتشر عطره مثل فلة تونسية...
ذلك أن الشاغلين في المجرد، في الهندسي، في الخطي، لا ينفكون عن مشاغلة أنفسهم، وعن الانصراف إلى التدوين فوق البياض، وإلى التعبير الحواري مع أنفسهم ومع غيرهم.
هذا ما تقوى عليه اليد الموصولة بالعين، وبما هو أبعد منها. وهي اليد التي تستطيل، فلا يكون عملُها تنفيذاً للشكل وحسب، أو تجويداً له، أو ابتكاراً له، وإنما هي تتنفس إذ تعمل، وتحزن وتفرح إذ تدون. بل هي يد طويلة (كما في المثل الشعبي العربي في الحديث عن يد السارق)، تمتد إلى مناطق واسعة وشاسعة، ما يقع تحت العين، أو يتولد في الخيال، في معاينة آثار الماضي أو افترار الشفة عن الشفة قبل قبلة...
إذا كان الخط، في قديمه، يعبر عن الكلام بشكل بصري، فإن فن المهداوي يعبر عن تدافعات الكائن الباطنية، الخارجة من اليد، مثل استطالة لليد، أي مثل فعل في الوجود بالتالي. 


أعود مرة أخيرة إلى صورة الحدود، أو استعارتها: ماذا يفعل فنان، مثل المهداوي، إذ يمدُّ، في خطه الواصل بين الفنون، شرايين ضوء، لا تلبث – بإشارة منه – أن تُسقط الحدود بينها، أن تقيم علاقات جوار وود، وأن تنير عيوننا ببهجة اللقاء؟ ألا يكون اللقاء، بعد قرون، بين شعوب وثقافات ومهارات، ما ينبثق من طرف قلم بمفرده، لكنه يسع الكون بمحبة التواصل؟
(MAHDAOUI : Jafr. The alchemy of signs, edited by: Molka Mahdaoui (col.): Charbel Dagher: “The traveler with pen in hand: the passion of the alif” (bilingual english and arabic), pp. 233-283), SKIRA, Milano, 2015.