أتكلم معكم ابتداء من السؤال، مما أعايشه، مما أفكر فيه، مما أكتب عنه، ولست أبداً في موقع الناصح أو الموجه أو مالك "الوصفات" في جيبه السري. ما أتكلمه معكم لا يعدو كونه تفكيري العلني الذي أتقيد به مثل التزام بيني وبين الكتابة نفسها، وبيني وبين بعضكم ممن جمعتني بهم - ولا تزال – صلات الشراكة في استجلاء معانٍ لما ينغص وجودنا اللبناني.

 

يميز الفيلسوف الفرنسي جول دولوز بين مفهومين للثقافة : بين الثقافة كـ"سلطة"، كممارسة سلطوية للثقافة، وبين الثقافة بوصفها "قوة"، أو فعالية بما يتعدى أطر السلطة نفسها. لعل "الحركة الثقافية" تنتسب، في نشأتها، في سياساتها، في سلوكاتها، إلى النمط الثاني، وإن يبدو على تقاطيع هيئتها، على ما يصدر عنها، على ما تفعله، بعض علامات التكرار : الاستمرار في ما قامت عليه، ولكن في ظروف أخرى، وفق تصورات وتمثلات أخرى للثقافة، باتت في أيامنا هذه متراجعة وباهتة ومعدودة القيمة.

"الحركة الثقافية" تقع – كصيغة – بين صيغة مقابلة للوزارة وبين صيغة النادي، في تدافعات وتمثلات لها علاقة بـ"عصر النهضة"، حيث إن مجتمع الأهل والنخب يعوِّض عن أدوار الدولة، بل ينافسها إن لم يتفوق عليها أحياناً. وهي التدافعات التي جعلت من وجود وزارة للثقافة في لبنان - حتى مطالع الثمانينيات - شأناً هجيناً، بل منكراً من المثقفين والمبدعين.

و"الحركة"، قبل ذلك كله، هي صورة مؤسسيها للثقافة، كما كانوا يتوقون إليها لما كانوا طلاباً ومعارضين، ولما أصبحوا شباباً ووجدوا الوطن يفلت منهم ويختلف معهم. هذه الصورة كتابية، في المقام الأول، تدور حول الكتاب والكاتب، وأحياناً حول قضايا الكتاب. وهو ما اجتمع في ثلاثة استهدافات : خدمة الكتاب، وسلطة التكريم، والفعل الناشط في تشكيل الرأي العام.

سأثير فكرتين، بداية : الأولى عن الإنتاج اللبناني في الأدب والفن والبحث، والثانية عن الحراك المدني الجاري.

الفكرة الأولى قد تفاجىء البعض، إذ أعتقد بأن لبنان لم يعايش فترة خصبة في إنتاجه الإبداعي والبحثي مثلما يعايشها في العقود الثلاثة الأخيرة وقبلها بقليل. مثالان وحيدان وكافيان : الرواية والسينما، وهما متلازمان بمعنى من المعاني في التجربة اللبنانية، بين الحرب والتاريخ. في مطالع السبعينيات من القرن الماضي كان أساتذتنا وبعض المنظرين اليساريين خصوصاً يشددون على القول أمامنا : لا مكان لصدور الرواية، ولا لإنتاج الأفلام، في لبنان، لأن بلدنا غير متبلور الطبقات، ولا يعرف سوى صناعة هزيلة.

لا ينقطع في أيامنا سبيل الرواية والسينما، فضلاً عن اتساع الفئات والشرائح العاملة في الإنتاجات الأدبية والفنية المختلفة، ما لم يعرفه لبنان بهذا القدر في السابق، على المستويات السوسيولوجية والكمية والنوعية. هذا الاتساع يجد فرصه في النشر وإن بصعوبة، لكنه لا يجد القارىء بالضرورة. أين هو؟ كيف يمكن جذبه؟ كيف للحركة الثقافية أن تقوم بدور في هذا الشأن، هي وحدها أو بالتعاون مع غيرها؟ وأخص الكلام عن العناية اللازمة بالشعر والفلسفة، اللذين باتا أشبه بأخرس صامت، أو بالذي يحادث نفسه في عالم من ضجيج متفاقم.

لماذا معرض الكتاب في صيغته الحالية، وفي موعده المقرر؟ أله حاجة أكيدة، وكبرى دور النشر لا تشارك فيه؟ أهناك حاجة إليه: ما هي؟ ألا يكون أفضل البحث عن صيغ ندوات تضم أكثر من كتاب في الموسم الواحد، ما قد يشكل جاذباً للدور المتخلفة عن الموعد؟ هذا يعني، قبل أي شيء آخر، العمل على "توطين" الكتاب في ثقافة النخب، ولا سيما بين الشباب. ذلك أنه يجري الضغط حالياً على الكاتب، قبل صدور الكتاب وبعده خصوصاً، كما لو أن عليه هو بالذات إيجاد الحلول : هذا يتمثل في حفلات توقيع الكتاب، التي باتت أشبه بمذكرات الجلب الاجتماعية، كما أسميها!

كيف لـ"الحركة" ان تفتح سبل تعاون مع شاشات صغيرة، مع قطاعات جامعية، مؤسساتية حتى، من أجل "توطين" الكتاب في لبنان : توطينه في البيت، في برامج الشاشات، في منتديات الجامعات، في جدل المقاهي وغيرها؟ ألا يمكن الدعوة لقيام قناة تلفزيونية ثقافية ولو لساعات محدودة في اليوم الواحد أو التعاون مع قناة أو أكثر لبرنامج كتابي أو حول الكتاب؟

 

الفكرة الثانية تزامل الفكرة الأولى، وهي أن الحراك المدني – بعيداً عن أسبابه وعن مآل حركته – تعبير مدني في صميم الثقافة. أظهرَ الحراك خصوصاً "نكهة" حيوية خلناها غير موجودة أو خرساء هي الأخرى. هذه النكهة تعبر عن حس مديني ومدني أكيدين، لكنها تغتذي من الكتب الجامعية ومن جدل "الكافيتيريات"، وتفتقر – على ما أظن – إلى مقاربات التاريخ والاجتماع في السياق اللبناني، مثلما درسَها كثيرون... تفتقر إلى البحوث الجادة حول طبيعة علاقة الجماعة والجماعات بالدولة والنظام، إذ يظنون أو يريدون إقناعنا بأن الفاسد هو القائم في سدة الوزارة والشعب "بريء" فيما هو شريك معه؛ ويظنون أو يحاولون إقناعنا بأن "ثورة شعبية" قادرة على إسقاط النظام فيما النظام قائم في المجتمع الأهلي ويصدر عنه ويتمثل فيه؛ ويظنون أو يحاولون إقناعنا بأن التغيير ممكن، فيما يقع حكماً – وللأسف – في الحرب الأهلية... الحراك المدني سيفشل مثلما فشلت قبله دعوات "تغيير النظام" عشية حرب 1973-1975. هؤلاء الشباب يظنون أنهم يناهضون نظاماً شبيهاً بما اطلعوا عليه في كتب جامعية عن مجتمعات أخرى غير مجتمعاتهم، ولم يطلعوا على بحوث لبنانية وعربية وأجنبية كثيرة تناولت "معوقات" التبديل في مجتمع معطوب مثل المجتمع اللبناني. كيف للحركة أن تجد متسعاً في ندواتها ومؤتمراتها للبحث في فهم متعدد ومركب لمعوقات التغيير، وفي إيجاد مداخل واقعية وصائبة ومتدرجة له. ذلك أننا لا نسمع سوى الحديث عن إيجاد "المخارج" : سواء لتطبيق الدستور، لانتظام عمل الحكومة أو المجلس النيابي، أو لتطبيق القوانين، فيما يتوجب تنفيذها ليس إلا. كيف يمكن توليد أفكار صائبة ومناسبة وخصوصاً "مبتكرة" عن علاقات الجماعات بعضها ببعض في الدستور، في البرلمان، في الحكومة؟ هذا ما يمكن أن تتيحه نقاشات انطلاقاً من مبادرات نخبوية المصدر، متوطنة في البحوث الجادة، لا في الأجهزة السياسية والحزبية و"الزعاماتية".

 

هاتان الفكرتان تقودان إلى لزوم البحث عن صيغ وأطر ومشروعات تشد الصلات من جديد بين الثقافة والوطن، وهي الصلات التي بنت عليها "الحركة الثقافية" تطلعها ومشروعيتها. لا تزال "الحركة" متمسكة بعاملين في سياساتها وبرامجها : الدفاع عن "الكيانية اللبنانية"، وبناء الدولة المدنية، المبنية على تفاعل مسيحي-إسلامي من دون تفرد أو استئثار أو غلبة. أين هي الحركة مما تطلعت عليه؟ ألا يبدو حسها النقدي متراجعاً بعد أن قامت بدور ملحوظ في مقاومة التبعية؟ ألا يتعين عليها البحث في صيغ وندوات في شواغل الوطن المعطل بأكثر من معنى؟ أين هي "الصيغة اللبنانية" اليوم؟

لقد كانت الدعوة إلى "خلوة" فكرة سديدة، أتمنى أن تكون فاعلة، وهي وقفة نقدية في مسار. يبقى لي كلمة موجزة عن "جهاز" الحركة نفسه، عن نظامه، عن اشتغاله : أنتم أدرى بذلك، بمدى التجدد الحاصل فيها، بمقادير الانفتاح على طاقات شابة ومعنية بالفعل الثقافي في الحياة الوطنية. من المناسب تجديد الحياة في عمل "الحركة"، وتوسعة شبكات المتعاونين معها من خارجها. لـ"الحركة" أن تبقى – على ما أدعو – قريبة من إيقاعات الحياة، لا من الرسميين والمخلدين والمكرمين.

أين "الحركة" من إيقاع الزمن؟ من توجسات وتطلعات شباب يعدون العدة ليأسهم أو رحيلهم؟ أينها ممن يعدون العدة لانقيادهم إلى مؤسسات صلدة وإن بالية طمعاً بفعل سياسي ما في هذا البلد المجمد والمعطل حتى في أيامه الهادئة والباردة؟

أين أنتم من إتاحة الفرص لظهور الكلام المدني، لإبراز التعابير والرؤى والمشروعات ذات النكهة المختلفة؟

(مداخلة بطلب من "الحركة الثقافية" – انطلياس، في افتتاح دورة نقاش واسعة لأعضائها عما قامت به وما يمكن أن تقوم به في مقبل نشاطاتها).