خصصت كلية الآداب في جامعة محمد الخامس في الرباط يوماً لمؤلفات شربل داغر، ولا سيما شعره وسرده، يوم الأربعاء الواقع فيه 16 كانون الأول-ديسبمر 2015، تحت عنوان : "مع شربل داغر : الفضاء والحدود : بين الشعر والسرد". حضر داغر الجلسات وشارك فيها متكلماً أو مناقشاً، وسط حشد من طلبة الدراسات العليا والدكتوراه والأساتذة والإعلاميين. وكانت قد دعا إلى هذا اليوم الدراسي مختبر الدراسات المقارنة بشراكة مع ماستر سيمياء الصورة واللفظ وماستر الدراسات الأدبية والمثاقفة. وقد منحت الكلية داغر، في ختام اليوم، شهادة تقديرية "تنويهاً بكريم فضائله وجميل عطائه، وتقديراً لجليل جهوده ورائق مساهماته، وتأهيلاً لمكانته العلمية والثقافية المتميزة في ربوع العالم العربي". وهي التفاتة محمودة شملت باحثين آخرين من قبل، نذكر منهم أحمد بوحسن، و إدريس علوش، وقاسم الحسيني.

 

الرواية تؤجل موتي

بعد كلمة ترحيبية من مدير المختبر د. إدريس اعبيزة، توزعت فقرات اليوم الدراسي، بين محاضرة لداغر، متبوعة بنقاش، وقد أدارها الدكتور سعيد بنكراد؛ ثم جلسة حول تجربة داغر الروائية، أدارها د. اعبيزة وشارك فيها الدكاترة : محمد الداهي وإدريس الخضراوي وابراهيم الحجري. ومما قاله داغر في ختام هذه الجلسة : "سبق أن قلت إن كتابة الروايات تزيد حيواتي، وهي بهذا المعنى تؤجل موتي، فيما الشعر يُقرِّبني منه طالما أن عالم الشعر ينهل من الطفولة، ما يشعر الشاعر بتهديد الموت المتمادي له".

وسم الأستاذ الدكتور محمد الداهي مداخلته بـ"أريج الأهواء" في رواية "بدل عن ضائع"، وامتحن إجرائية بعض المفاهيم المستوحاة من "سيمائيات الإحساس" سعياً إلى استجلاء "الجمالية النفسية" أو فهم "الحقيقة الإنسانية" (وفق منظور جون بويون). وهذا ما حفز السارد على التقاط ما يحدث بين الشخصيات بـ"الأذن الداخلية"، ثم أعاد تمثيله انطلاقا من ذاته، متنكراً في هيئات وأصوات مختلفة (الهوية المزيفة). ومن جملة المفاهيم التي استخدمها محمد الداهي في مداخلته نذكر أساسا التجربة الحسية (aesthesia)، التي أحدثت فجوة في حياة السارد، وجعلته يعيش هنيهة تجربة فريدة واستثنائية : لما يكون بمحاذاة "الشجرة العريضة" ينسلخ عن التجربة اللاحسية (anesthesia)، التي تطبع العالم المبتذل والرتيب (الحرب الأهلية، مظاهر الفساد والغدر والخيانة والزيف)، وينغمر هنيهة في عالم مفعم بالجمال والسعادة. وإن كانت التجربة الحسية لا تدوم إلا لحظات معدودة فهي تُمكن السارد من إقامة المصالحة مع ذاته والعيش في وئام وانسجام مع الكون. وبعودة السارد إلى الحياة المعتادة، ينخرط في أداء البرمجة السردية بحثاً عن الإمساك بالخيوط التي أفضت إلى اختفاء هادي وانتحار أمه يسرا لبواعث مجهولة. ويضطر السارد أحيانا إلى ركوب أهوائه ومسايرة نزواته الغريزية لكنها تبقى سطحية وعابرة بالنظر إلى عمق التجربة الحسية التي تضرب بجذورها في عمق "الاستجمالية الأصلية" Pancalisme originel" ، على حد تعبير كريماص في كتابة اللاكتمال 1987).

ثم قدم الأستاذ الدكتور إدريس الخضراوي مداخلة بعنوان: "الكتابة عبر الثقافات والحدود"، وتناول فيها رواية "شهوة الترجمان" في الحساسية الفنية والجمالية التي تصدر عنها، وكذلك في الرؤية الإنسانية التي ترسم ملامحها الأساسية من خلال مغامرة سردية أو رومانيسك يحفل باللغات والثقافات والأصوات والصور. واعتبر الخضراوي، في هذه المداخلة التي استفاد فيها من أدوات النقد الثقافي، أن شربل داغر في هذا النص الرّوائي يحفر أثرا عميقا في النهج الأسلوبي والخطابي الذي تقترحه الرواية العربية المعاصرة، وكذلك الرواية العالمية، في عالم ما بعد كولونيالي، يشغل كتابه هاجس البحث عن الفرجات والخلال التي تتيح للثقافات والهويات أن تستبدل بسرديات التفاوض والاعتماد المتبادل، سرديات التوتر والتنافر والتضاد، من دون أن تتفرد ثقافة ما بالحقيقة أو باحتكار إنتاج الرموز.

كما نحدث الدكتور ابراهيم الحجري عن رواية "وصية هابيل"، ووجد انها، بالنسبة لشاعر وفنان وباحث، وقفة متأنية مع الذات ورؤاها، وجدلا خفيا معها حول الحياة والماضي والذاكرة، وسعيا منه لإعادة التوازن وترتيب الفوضى التي ننزلق فيها غالبا، مع ضغط إكراهات الحياة والتزاماتها. وفضلا عن ذلك، هي فرصة لتجريب نمط آخر في الكتابة، وفي الرواية تحديدا؛ لأنها تتيح للمبدع قول ما لا يستطيع قوله شعرا أو عبر باقي فنون القول الأخرى. وهي فوق ذلك كله، سفرٌ تعقبيٌّ لمسار الشخصية وعملٌ نقديٌّ لما أنجز سلفا، وإعادةٌ لبناء الذات وفق منظور مخالف. وتلك خصيصة من خصائص الرواية.

وختم داغر اليوم بجلسة شعرية قرأ فيها منتخبات من مجموعتّيه :"حاطب ليل" و"القصيدة لمن يشتهيها".

 

وجهة الشعر ومداره

وكانت محاضرة داغر بعنوان : درسُ الشعر العربي الحديث : الوجهة والمدار"، ومما قاله فيها : "لست في موقع المصمم، ولا الموجه، إذ أتحدث ابتداء من عنوان هذه المحاضرة عن : الوجهة والمدار، فقد طلبتُ من العنوان إظهار المساعي الدراسية، بما فيها عملي على هذه المدونة، ما يتلمس نجاحاتها وإخفاقاتها، وما يرسم وجهات ممكنة للبحث.

ودرسُ الشعر العربي الحديث اتخذ، منذ ستينيات القرن المنصرم، وجهتين في الغالب : الوجهة البنيوية، ثم وجهة النقد الثقافي في العقدين الأخيرين، مع وجهات أخرى متفاعلة أو واقعة بين الوجهتين المذكورتين. إلا أن هذه المقاربات – على اختلافاتها واجتهاداتها - لم تستند بصورة مقنعة إلى سند مادي وتاريخي لهذا الشعر. هذا ما يكشفه الدرس أيضاً، وهو ما تبينته في مؤلفاتي وبحوثي المعنية بدرس هذا الشعر.

لنتوقف، بداية، عند الاسم والمسمى : تستوقف الدارس مصاعب واقعة في تسمية هذا الشعر لجهة حقباته أو أنواعه أو مدارسه وغيرها. ومن يَعُد إلى مدونة هذا الشعر سيجد أسماء وأسماء أُطلقت عليه من قبل الشعراء أو النقاد، مثل هذه : "الشعر الأبيض" (نجيب الحداد)، و"الشعر الحر الطليق" (أمين الريحاني)، و"الشعر الطليق" (نقولا فياض)، و"الشعر أو النظم المرسل المنطلق" (أحمد باكثير)، و"الشعر الحديث الحر والمنطلق" (زكي نجيب محمود)، و"الشعر الجديد" (محمد مندور)، و"شعر التفعيلة" (عز الدين الأمين)، و"الشعر المستحدث" (إبراهيم الأبياري)، و"الشعر المنطلق" (محمد النويهي)، و"الشعر الحديث" (مجلة "شعر") وغيرها.

وما بقي من هذه التسميات يتعين في ثلاثة أسماء واقعاً : "الشعر الحديث"، و"قصيدة التفعيلة" و"قصيدة النثر".

إلا أن الأسماء الثلاثة تثير مشاكل مختلفة : حين يتم استعمال اسم "الشعر الحديث"، فهل يُقصد به الشعر منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين أم قبل ذلك؟ أهو شعر واحد له أحقاب أو أطوار مختلفة، ما يجمع بعضه ببعض ويفرقه وينوعه في الوقت عينه، أم أنه شعر متعدد ومختلف وحسب ؟ أعملُ من ناحيتي، في كتبي وبحوثي، على درس هذا الشعر وأربط تغيراته بعضها ببعض منذ ستينيات القرن التاسع عشر، مميزاً بين تجارب وتجارب فيه، ابتداء من تجربة "القصيدة العصرية".

أما تسمية "قصيدة التفعيلة" فهي تناسب تجربة أخرى، تالية، حملت اسماً آخر في البداية، هو : "الشعر الحر"، فيما لا يشبه واقعُ هذه التجربة القصيدةَ المعروفة في فرنسا أو إنكلترا وفق الاسم التالي : (free verse; vers libres). ففي التجربة الأميركية عاد هذا الشعر إلى وولت ويتمن، وهو حر من الوزن والقافية، فيما عنى عند نازك الملائكة تشكيلات وزنية وقافية واحدة، وعند جماعة "أبوللو" شعراً متعدد الأوزان والقوافي... التباين واضح بين التجربتين، وإذا كان هناك من قربى ما بين تجربة الملائكة وبدر شاكر السياب وأقرانهما والتجربتين الأميركية والفرنسية فإنه يتعين في مفارقة القصيدة العربية – لأول مرة وفي صورة حاسمة – البناء التناظري القديم، وفي تشكلها ابتداء من "سطر" شعري (كما عيَّنه د. عز الدين اسماعيل)، وباتت القصيدة العربية الجديدة شبيهة – شكلاً، في واقع الأمر – بهذا النوع من القصائد الأميركية والفرنسية.

أما الاسم الثالث المتبقي فهو "قصيدة النثر"، وهو لا يناسب لغةً ما تسميه الفرنسية تحت التركيب التالي (poème en prose)، بل كان الأصح تسميتها : "القصيدة بالنثر" أو "القصيدة نثراً". هذا أصح ترجمةً، وهذا أصح في تحديد شعرية هذه القصيدة، إذ المطلوب فيها هو جلب النثر إلى الشعر، فيما توحي الترجمة السارية كما لو أننا ننقل القصيدة إلى النثر.

إلا أن الأهم، في درس الشعر الحديث، يبقى في التعرف على واقع التجارب الشعرية العربية نفسها، في تتابعها وتغيراتها، بما يُظهر خصوصيات بنائها، لا تطلعها وحسب إلى التشبه بغيرها – في الاسم على الأقل".

 

البيت قصيدة

ثم توقف داغر عند مدونة هذا الشعر لجهة توافرها وتقييدها، ولاحظ، كما قال في محاضرة له قبل سنوات، وفي المدرج الجامعي نفسه : "قد يكون الدرس التاريخي لهذا الشعر هو من أفقر هذه المساعي المنهجية"؛ وهو ما يظهر في عدم توافر المدونة الشعرية المناسبة، بين كتبها وقصائدها المتوزعة في المطبوعات الصحفية في القرن التاسع عشر. وتابع داغر قائلاً : "هذا ما تكشف لي، عند تجميع مدونة كتابي "القصيدة العصرية"، إذ وجدت صعوبة بالغة في العثور عليها. كما ظهر لي كذلك أن المقاربات التاريخية عنت، في كثير من الكتب والبحوث المتوافرة، الانطلاق من تاريخ "الدول" العربية القائمة حالياً، فيما تتعين تجارب هذا الشعر في سياقات مختلفة في القرن التاسع عشر، يتعين التوقف فيها، سواء في الولايات العربية (العثمانية) أم خارجها (المغرب، سلطنة عمان). هذه المقاربات التاريخية ناقصة ومحدودة حتى في كتاب موسوعي جديد هو "تاريخ الأدب العربي الحديث" (Histoire de la littérature arabe moderne, Sindbad- Actes Sud, Paris, 2007)، الصادر في الفرنسية قبل سنوات قليلة، إذ لا نجد فيه ذكراً لـ"الشعر العصري"، ولا لـ"الشعر المنثور" ".

ثم انتقل داغر إلى معاينة واقع التجارب الشعرية العربية الحديثة متوقفاً عند بعض تغيراتها، ابتداء من التغيرات التي أصابت تكوين الكتاب الشعري نفسه، طالباً التمييز بين القصيدة والنص : "ذلك أنه لم يتم الانتباه دوماً إلى أن القصيدة العربية اختلفت تكويناً بين قديمها وبين جديدها إثر دخولها في عهد طباعي، خصوصاً في التاسع عشر. ففي القديم يمكن الحديث عن قصيدة، تقال في بلاط، أو يكتبها الشاعر ويضمها إلى غيرها في محفوظاته، وهو ما لا يبلث أن يجتمع في "ديوان"، حافظ لمجموع شعر الشاعر بالتالي. أما في العهد الطباعي فيمكن الحديث عن كتاب شعري يضم مجموعة قصائد متعينة زمناً، وربما موضوعاً، كا يجعل تكوين الكتاب محدداً لازماً لهوية الكتاب، ولتجربته التعبيرية كذلك. كما يتوجب التنبه، في السياق عينه، إلى أن القصيدة الحديثة باتت ذات هيئة طباعية منذ مطالع القرن التاسع عشر، حيث إن الشاعر بات يعتني باستثمار إمكانات الطباعة والتصميم في شعرية القصيدة : لم تعد الورقة صفحة سماع وتدوين، وإنما صفحة لها قياسات وحسابات وأشكال؛ ولم يعد الشاعر أعمى بمعنى من المعاني، وإنما بات شاعراً بيديه وعينيه في الوقت عينه. ولم تعد القصيدة رصفاً وتتابعاً لأبيات، وإنما باتت نصاً له ترابطات وشبكات، تنهل من الكتابية، لا من القولية".

ثم يضيف داغر في محاضرته : "هذا الدخول في العهد الطباعي له مترتبات عديدة، منها الدخول في كتابية موصولة بالقارىء، الطرف الواقع في منتهى الإبلاغ الشعري. إلا أن هذا الدخول عنى أيضاً الخروج على العروض، بوصفه المحدِّد الأول لبناء القصيدة القديمة، فيما بات تشكيل المعنى في النحو هو محددها الأول في القصيدة الحديثة.

إن غياب أو عدم تبلور تاريخ مناسب للشعر العربي الحديث جعل المتن الشعري عرضة لتجاذبات واسعة، ولجدل لا يرتكز في أحوال عديدة على قواعده المناسبة. بينما تقوم الدراسات البنيوية وغيرها في الغرب على سند تاريخي متين وأكيد، ما يجعلها ممكنة الدرس ضمن حدود النص وحدها، من دون "خارجه"، إذا جاز القول... كما عرف المتن الشعري العربي تجاذبات في تعيين شعرية هذه التجارب الجديدة، خصوصاً وأنها لم تركن بل لم تنطلق من تعريفات ثابتة، مشتركة، أو موحدة.

قد تكون مساعي الشاعرة نازك الملائكة هي من أولى وآخر المساعي في "تقعيد" هذه التجارب الجديدة، إلا أن ما اقترحته لم يتبعه أحد غيرها، ولم توافق مقترحاتها ما تبين في درس هذه القصائد، عند كثير من النقاد بمن فيهم المتحدث إليكم.

لقد وجدت في درسي لهذا الشعر أن ما قامت عليه بعض مساعي درسها اقتصر على تنسيبها أو عدم تنسيبها إلى العروض، فيما تتعين هذه التجارب المختلفة في الخروج المتنوع والمختلف، الجزئي أو التام، على العروض.

لقد تبين، في أكثر من دراسة، أن أوزان "قصيدة التفعيلة" لا تتعدى في الغالب أوزاناً معدودة، فيما كانت الملائكة قد استحسنت التعامل مع البحور "الصافية" من دون غيرها (ثمانية أوزان). كما أن النظر التاريخي في علاقة القصيدة العربية بالوزن، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وامتداداً إلى نهايات النصف الأول من القرن العشرين، أظهر عمليات خروجٍ على العروض، أو تخففٍ منه على الأقل. وفي إمكان الدارس أن يتتبع هذا المسار في تجارب ومواقف متعددة تبدأ بحديث رفاعة الطهطاوي عن "ضيق القافية"، أو بتنويع القوافي واختلاف الأوزان في ترجمة سليمان البستاني لـ"الإلياذة"... لقد قامت مساعي الشعراء والنقاد، في أحوال كثيرة، على "تنسيب" القصيدة الجديدة إلى العروض، ما ظهر أشبه بتنسيب "قَبَلي" لها، فيما عنت تجارب "قصيدة التفعيلة" تنويعات وتجديدات في استعمالات التفعيلات ما لا يحصره هذا "التنسيب" أبداً. وهو ما يستحق الدرس، إذ يُظهر بأن الشعراء مالوا إلى الأوزان "الصافية"، وإلى وزنين خصوصاً (الرجز والكامل)... وما يفسر استعمال الشعراء الشديد لبحر الرجز هو ان تفعيلته، "مستفعلن"، تقبل الاندماج العروضي مع كثير من البحور. وهو ما يُظهر بالتالي ميل الشعراء إلى "سيولة" مرجوة ومطلوبة في بناء القصيدة، ما يعني تخففاً، في الواقع، من القيد العروضي بموجباته كلها".

 

خروج القصيدة من العروض

ثم توقف داغر عند ما يسمى "الإيقاع الداخلي" للقصيدة بالنثر، فوجد بأن "هذا الإيقاع – حين يوجد في القصيدة – هو داخلي حكماً، كما في القصيدة القديمة كذلك؛ وهو عبارة عن إيقاعات واقعاً، ومتبدلة من سطر أو مقطع إلى آخر في القصيدة الواحدة".

ثم انتقل داغر لدرس بناء القصيدة بين أبياتها (القديمة) وسطورها (الجديدة)، فوجد أن القصيدة القديمة تتألف من أبيات، و"كل بيت فيها قصيدة، أي مكتمل تماماً، فيما يختلف الأمر مع القصدية المدحية إذ تقوم أبيات فيها على ترابطات بعينها لأداء "الغرض" الشعري. هذا ما يصح في درس البيت عموماً، إذ هو بنية متكاملة، مستوفية لشروط النظم والصحة والتمام. هذا المبدأ الناظم سقط أو تداعى في تجارب الشعر الحديث المختلفة، إذ بتنا أمام سطر (لا : "شطر"، مثلما قالت الملائكة وغيرها بعدها)، لا بيت، عدا أن للسطور تعالقات ليست مسبوقة، وإنما تتعين وفق تدبيرات الشاعر لها. وهو ما جعل القصيدة الحديثة قصيدة مقطعية بمعنى من المعاني، أي تقوم على اجتماع سطور في جمل مترابطة، في مقاطع. هذا المُقوِّم البنائي له مترتبات عديدة، إذ يعدل وظائف القافية - في حال وجودها - بين وجوب التوقف الوزني السريع أو المتوسط أو الطويل بعدها. كما يؤدي الأمر إلى علاقات وزنية وإيقاعية متبدلة تبعاً لعدد أسطر كل مقطع، إذ إن هذا التشكل بين أسطر متفاوتة العدد بات يستدعي ويستوجب وقفات متفاوتة في نهايات كل مقطع.

لهذا المقوم البنائي مترتبات في البناء النحوي والتركيبي، إذ يستدعي ما كان مكروهاً في الشعر العمودي، وهو حصول "الجريان"، بل حصول ما هو أهم من ذلك، وهو طولُ الجُّمل وترابطها الذي بات ممكناً في صورة أوفى، ما يوفر "سيولة" مزيدة للنحو في تراكيبه، ما لم يكن ممكناً بالصورة نفسها في تراكيب النحو المضغوطة في الشكل العروضي.

لهذا تحدثتُ عن "السطر الشعري" أخذاً بما قاله د. عزالدين إسماعيل، وتطويراً له، في "قصيدة التفعيلة"؛ وتحدثتُ عن "السطر الشعري المتصل" في الشعر المنثور، و"السطر الشعري المنقطع" في القصيدة بالنثر.

غير أن مبدأ "وحدة البيت" شملَ بناء المعنى أيضاً في القصيدة القديمة، إذ إن البيت يكتمل وزناً وقافية ونحواً ومعنى مع وقوع القافية. وما ينتقل معناه بين أكثر من بيت، أي في "غرض" شعري كما في قصيدة المدح، أو التسلسل الذي يشير إليه حازم القرطاجني تحديداً، فإنه لا يلغي أبداً وإنما يخفف فقط من القول بأن القصيدة بيت، وأن كل بيت قصيدة، كما سبق القول.

وهو ما يدعو إلى درس مزيد ومستقصٍ لتشكلات المعنى في القصيدة الحديثة، فلا يقتصر الكلام عن "موضوعات" القصيدة، وإنما يحتاج الأمر إلى رصد التشكلات التي بات يتيحها التخفف أو التخلي عن الوزن، و"سيولة" تراكيب النحو (كما سبق القول) في بناء المعنى. وهي تشكلات تحيد عما كان يسميه البلاغيون العرب القدامى بـ"إصابة المقادير"، وتميل صوب "زوغان المعنى"، كما أسميته. ذلك أن الشاعر لم يعد يرصف المعنى بيتاً تلو بيت، أو غرضاً تلو غرض، وإنما بات يستجمع ويقيم لعالمه "الجواني" خشبة داخلية للقول، لا تلبث أن تتعين في النص. وما يزيد من صعوبة هذه القصيدة هو أنها باتت حاملة للغة "جوانية" هي الاخرى، ما يجعل تفكيكها صعباً، ممكناً ومتقطعاً في الوقت عينه. والشاعر في ذلك متكلم ووسيط في الوقت عينه، أي أنه يتجه صوب مقاصده في التعبير، وهو يبنيها ويكتشفها في الوقت عينه... قيلت في الشاعر الحديث صفات وهيئات عديدة، منها : "ضمير الأمة"، والرؤيوي، والمنشد، والصعلوك وغيرها. إلا أنها مرايا ليس للشاعر فقط، وإنما للقول الشعري قبل ذلك، وإن أراد بعض الشعراء التحكم بما يمكن للقصيدة أن تقوله عن الشاعر أو عن غيرها. لا يَخفى، بطبيعة الحال، أن الشاعر الحديث بات أكثر انغماساً بما يقول، بعد خروجه من البلاط إلى رحاب المجتمع وقضاياه. بات شاعراً يتلفظ ويقصد، يَظهر ويتلطى، يتكلم مع نفسه فيما يخاطب غيره، ويكتب طالباً من أطيافه وأصواته أن تظهر، ما يجعل حنجرة الشاعر أشبه بقناة عبور أو تلفظ لها. فالشاعر هو من يقف فوق القصيدة مثل خشبة للمكانة، للتصدر، للحض وغيرها. إلا أنه قد يقف وراء القصيدة مثل قناع، مثل ستار، وفق ألعاب من التلطي والتواسط والتبليغ. كما يقف لكي يتيح لغيره الظهور مثل المخرج الذي يجعل من أجساد ممثليه كناية عنه أو استعارة عن غيره على أنه هو الذي يقيمها".

وختم داغر محاضرته بالقول : "كانوا يقولون : "الشعر ديوان العرب" : لم يعد كذلك. باتت هناك دواوين حافظة أخرى، لنا ولغيرنا، باتت تتعدى الكتاب لتتعين في الحاسوب الذي هو أشبه بمدينة حفظية هائلة ومرعبة إلا أنها تجتمع في أداة صغيرة (U S B). هذا المعنى القديم للديوان سقط منذ زمن بعيد، منذ عهد الوراقة في العصر العباسي الأول. كما سقط معنى "الديوان" الآخر، وهو أنه سجل تعبيري وجمالي لصالح مدونة أخرى تقع بين الشاشة والرواية (وبين هاتين أكثر من صلة ودلالة). هل بات الشعر "أخرس"، كما كتبت في مجموعتي الشعرية الجديدة؟ أم بات سماعه أو الإقبال على قراءته صعباً ومعدوماً أحياناً؟

الشعر بات في مزاحمة لا يقوى حتى على المشاركة فيها : المجتمع، بقواه المختلفة بين جمهوره ونخبه، هو الذي يتحكم بالمكانة والقيمة والمردودية لكل فن، وهو ما لا يمكن للدارس إغفاله أو تجنبه. فمن يجعل أغنية تباع بأكثر من مليوني نسخة في أسابيع معدودة لا يقوى – إن أراد – على إنزال القصيدة في المنافسة... كما لا تقوى القصيدة على فعل شيء إزاء لوحة تباع بمئات ملايين الدولارات، أو فيلمٍ يستنفر ملايين المتفرجين...

باتت القصيدة خجولة، حيية؛ إلا أنها لا تزال سيدة ولكن في وحشة آسرة.

ما تقوى القصيدة عليه هو أن تجلو بناء فنياً وجمالياً شديد التميز في رحاب الفنون، وأن تشتمل مقومات تركيبها على متع معرفية خالصة، انفعالية خصوصاً، لا نجدها بمثل هذا الزخم الكثيف في غيرها من الفنون.

في هذا كله ما يُبقي لدارس الشعر مهمة صعبة ومثيرة في الوقت عينه".

(جريدة "العلم" المغربية، ملحق "العلم الثقافي"، الأربعاء 31 – 12 – 2015).