"هكذا لا أمشي بل تتداولني المناكب حتى إن خطواتي نسيت صندالها في الزحام".

شربل داغر، القصيدة لمن يشتهيها.

 

 

يخضرّ الأفق إذ يلبس لونَ الشعر المنقّح بتباشير ربيع جديد، ورؤية نقدية جادة، وخلاصات تتفتّح تباعاً لتقودنا الى حيث لم يصل كثيرون. هذا الذي ترك صنداله على حافة الطريق لكي لا يعيق خطواته المحلّقة بحثاً وتدقيقاً، هو الذي غرق في دوامات تكاد لا تنتهي فصولها، اذ ما أن يكتب خاتمة بحث حتى نجدها تمهد لمقدمات لاحقة، ليعود فيكرر العملية إلى حيث يقوده المعنى وتغريه شهوة اللحاق بالأبعد المتخفي وراء الجهل. يغرف من معجن الحداثة ليقدّم لنا أطباقاً نضجت على نار الاختبار الهادئة، والتجربة المملحة بالتفكر والمدعمة بالدراسة الممنهجة. هذا المتنقل بين المناهج والعلوم الحديثة والمجالات الفكرية المتعددة وكأنها منفلشة أمامه جميعا على صفحة إلكترونية واحدة، لا يزال يفاجئ في ما يقدّمه دارسي الفكر العربي.

عوّدنا الدكتور شربل داغر في مجمل إصداراته، أن يطرح لنا شيئاً جديداً من خلاصة أبحاثه وتفكره. وكأنه يقدّس الآخر ويجلّ مهاراته الذهنية، فيتوجه مباشرة لمخاطبة القوة العاقلة فيه، فيسعى الى الترقّي بها في اتجاه خرق الحدود وكسر القيود. متفلّت هو من الرتابة، تائهٌ في رحاب المعنى، تسكره القصيدة فينتشي بما تقدّمه على مائدتها. لا يلتقيها كما في مجلس الاعيان، ولا فوق المنصات المزينة، انما في عتمة حميمية غامضة تجمعه بخفايا انسانيته كما بالآخرين. انه " لقاء من يجدد اللغة اذ يستعملها، لا من يكتفي بأن تستعمله اللغة، في نماذجها وصيغها المستقرة، فيما يظن انه يكتبها".(شربل داغر، على طرف لساني، ص147)

منحاز هو للنقد، متيّم بمعاوله على تعددها. هيراقليطي الهوى، يتغيّر مع كل جلسة امام شاشته الالكترونية، حتى انه لا يشبه نفسه، فهو يتعرف على ذاته من خلال ما يكتب، اذ تفاجئه نفسه من خلال تجلياتها المكتوبة. نهِمٌ يذهب بخطى ثابتة للاستقاء من ينابيعه المتجددة مع كل قراءة او مشاهدة او تأمل. جذبه الفكر العربي في الكثير من تجلياته عبر التاريخ: ادبا وشعرا وفنا وفلسفة ورواية. تفرّغ للسكن في خفايا التراث، هو المنغمس في الحداثة منذ زمن تكوّنه الأكاديمي، عرف مكمن الخلل، توجّه اليه مباشرة، ومن دون تنظير، ولا ضجيج: الخلل يكمن: في كيفة درس التراث، في كيفية التعاطي مع الحداثة، في السطحية التي غالباً ما تريحنا، وتسهّل وصولنا الى النجاحات المزورة والمنابر المزيفة، في الكسل والتلاشي والرغبة في لعب دور البصاص الذي يتمتع بما يشاهده عن بعد وهو لغيره وليس له، لكي يتباهى به أمام الآخرين.

لم يُكثر من الكلام حول ما يجب فعله، نهض مباشرة في اتجاه الفعل عينه، وبدأ التنفيذ. من الشعرية العربية، الكتاب المفقود بطبعته الثانية، نظرا الى اعتماده ضمن منهاج الدراسات العليا في المغرب والجزائر، الى القصيدة العصرية، فكيان النص، ومن ثم القصيدة المنثورة، لكي يخلص الى القصيدة والزمن وما سيليها ربما... إنها خماسية نقدية، أغنت أذهان من اطلعوا عليها بالكثير، وأفادتهم في مواد بحثهم، نظراً الى ما تقدمه من تصويبات، وطروحات، واستنتاجات تقلب بعض المفاهيم، وتغير بعض التواريخ، وتنير الكثير مما كان مستوراً، وتقدّم قراءة غير مسبوقة للشعر العربي الحديث.

في وطننا، قد يكون قدر المفكر الرصين، والباحث الجاد ان يبقى على الهامش، لأن الساحة تملؤها ضجة أخرى، والاطار تحتله صورة أخرى، والشاشة متلهية بأبطال صنعهم الهباء وهو يفتخر بهم. قد يكون على المفكر النقدي أن يُحصّن نفسه بأدوية مضادة لليأس، ومخفضة لمنسوب القرف، ومخصبة لشهوة التمتع بالوحدة، والسكون اليها، في زمن بات فيه التواصل بين الكائنات البشرية سريعا تقنياً وبطيئاً انسانياً ان لم نقل مستحيلاً. لكن ما هم، ما دام شربل داغر قد اختار ان يسكن في "اللغة بيت الكائن"، كما أشار هايدغر، على أنه لحظ في داخلها "نافذتين جارتين: القصيدة والفلسفة". ومن هاتين النافذتين اخترت ان أقرأ ما كتب في مؤلفه: "القصيدة والزمن".

كتاب صدر عام 2015، عن دار رؤية للنشر في القاهرة، يحتوي على سبعة فصول يسائل من خلالها "الزمن في القصيدة"، لكي يذهب الى ما هو أبعد ويسأل عن الانسان "في نطاق وجوده غير القابل للتجاوز او الإخفاء". إنه يتضمّن مجموعة بحوث تدرس علاقة القصيدة بخارجها الاجتماعي والتاريخي، اي علاقة القصيدة بالزمن على وجه التحديد، اذ انه في رصد هذه العلاقة يكمن الدخول في الحداثة، اي في تحقيق مقاربة جديدة للماضي كما للحاضر. من الملفت انه اذا بحثنا في ما يصدر من مؤلفات عديدة تتناول الشعر العربي الحديث بالدرس والنقد والمقارنة من الصعب ان نجد مؤلفاً تاريخياً يتوقف عند دراسة انواع الادب في تغيراتها الاجتماعية كما عند دراسة القارئ المتلقي بالاضافة الى ما كان الكاتب يمتهنه لكي يعتاش منه. في الماضي مثلا كان الشاعر يحظى باكرامية الامير، ثم مع تبدّل الزمن والمجتمع اصبح الشاعر يعمل في الصحافة او في غيرها من المجالات. أراد داغر أن يتكفّل كتابه "بفحص علاقة اللزوم التي يجدها متحققة بين القصيدة والزمن، وهو ما يدرسه في أبنية القصيدة العربية، الحديثة خصوصاً، متبيناً أشكال الترابط بين زمنيتها وبين علامة حداثتها، او "عصريتها" (...)".(شربل داغر، القصيدة والزمن، ص 6)

التوقف عند دراسة العلاقة بين القصيدة والزمن خطوة لا تنتمي الى النقد الادبي والشعري فحسب، انما تنمّ عن قلقٍ فلسفي، وعن ترصّد لمسألة شكّلت محور تفكرٍ غني عبر تاريخ الفكر الانساني. ليس الزمن مصطلحاً عادياً يمكن ان يُقارب في نظرية محددة، او مذهب معين، ويجوز ان نعثر على حدّ واضح وصريح له. ان الامر يتعلق بمحاولة جدية تستحق التوقف والتأمل في مفاعيلها، إذ انها تربط القصيدة بالزمن اي بالتاريخ، والمجتمع، والاقتصاد، وأثر ذلك على عملية انتاج المعنى. انه يحاول ان يدعم الابحاث المتراكمة حول الشعر من فقرها في ما يخصّ الحس التاريخي وتداعياته. ينغمس بالزمن، ويغرق في رصد تردّداته داخل بنية النص الشعري.

إن هذا الانهمام بترصد فعل مرور الزمن وما يتركه من أثر على ما أنتجه الشعراء من قصائد عبر التاريخ كان قد ظهر في كتابات داغر التي انشغلت في السنين الاخيرة بدراسة الشعر العربي الحديث في وقفة اولى مع القصيدة العصرية، وأخرى مع كيان النص، وأخيرة مع القصيدة المنثورة. يبدو ان داغر، تقصّد ككل مرة ان يخوض معركته ضد الجهل والنسيان والاهمال وقلة الاحتراف في مقاربة التراث بأسلحة جديدة، ومفتتحاً مناطق تمّ تناسيها عن عمد أو عن غير قصد. انه يكشف عن رغبة جذورها ضاربة في "ينابيعه الجوفية" حيث يتفجر توقٌ الى التراث بخطى الحداثة، ونبشِ الماضي بأدوات الحاضر، وفتح الافق امام شهوة القصيدة، امام الرغبة في انتاج المعنى. نعم، ان تصفّحنا ملياً معظم مجموعاته الشعرية التي صدرت في السنوات الأخيرة نجد ان القصيدة هي الحدث، انها محط الاهتمام، اذ انها بكل بساطة هي المكان الذي يسكن فيه ويتوق اليه ويسافر منه الى العالم أجمع.

يتحدّث داغر عن معلمين في ما يتعلق بعلاقة القصيدة بالزمن: الاول يسمّيه المرور والثاني الانتقالات. ويقصد بمرور الزمن في القصيدة تلك "الآثار الحادثة والمتعينة فيها، ما يدلّ على زمنها من دون غيره"، ويعني بالانتقالات "ما ترسمه أبنية القصيدة من تغيرات وتشكلات في مستوياتها المختلفة ".(ص6)

ان المَعلم الأول تمّ تجاهله في محاولات عديدة لدراسة الشعر العربي الحديث، ان لم نقل في معظمها. هناك شيء ما قد تبدّل بفعل مرور الزمن. لا يمكننا ان نتعاطى مع القصيدة اليوم كما لو انها هي نفسها في العصر الجاهلي او الاموي او العباسي. الزمن اخترق بنية القصيدة وترك بصماته فيها. اما من ناحية المَعلم الثاني اي الانتقالات فيجد داغر ان هناك تغيراً واضح المعالم قد حدث على صعيد هيأة القصيدة الخطية، وايقاعها. نعرف تماماً كيف تبدّلت كتابة الشعر وكيف تعدّدت أشكالها، حتى ان بعض القصائد باتت تُكتب وفق أشكال هندسية متنوعة، ونجد أمثلة عليها في كتابات داغر نفسه. انه يكشف لنا في دراسته هذه عن ثلاثة أشكال من الزمن فعلت فعلها بالقصيدة: هناك الزمن الاجتماعي، والزمن السياسي، والزمن الفردي. يبغي ان يتوقف على صعيد المنهج عند فحص العلاقة الكامنة بين القصيدة وكل واحد من هذه الأزمنة. ثم يخطو في اتجاه معالجة العلاقة الكامنة بين الفصاحة والحداثة، ليرفق ذلك بخطوة منهجية أخرى تنهمّ بمعالجة وعي الخطاب الشعري لنفسه، ولزمنه، مبتعداً في دراسته عن الجانب التحقيبي من غير أن يغيب المسارالتاريخي فيه. من هنا نجده يشير في المقدمة الى ان هدف الكتاب يكمن في " الوقوف على علاقة الشعر بزمنه التاريخي والاجتماعي والفردي والسياسي، ما يجعل الدرس مقيماً في نطاق تداولي قد يكون تنازعياً في أحوال عديدة. ذلك أن هذه العلاقة قد لا تكتفي بالتتبّع أو المعاينة أو الإخبار وإنما بالإنشاد والتخيّل والتشهّي وغيرها، ما يجعل علامات التجديد نفسها علامات إشكالية بالضرورة ".(ص11-12)

تكمن هنا في التحديد الجدّة التي لمسناها في طيات هذا الكتاب، في هذا الكسر الفاضح والصريح للحدود القائمة بين علوم الانسان واللغة، وبين المناهج المتعددة التي يمكن اعتمادها في دراسة شعرية القصيدة. يمكن ان نرى بوضوح كيف ان داغر قد اخترق المجال الفلسفي والاجتماعي والتاريخي والسياسي على حد سواء. متعدّد الرؤى، لا يكتفي بالتقوقع داخل أطر منهج واحد مهما علا شأنه، ولا يرضى بالسكنى في زاوية معينة مهما ارتفع مقامها. انه مشاغب على أكثر من مقام. ينشد معزوفته النقدية بما توفر لديه من نوتات يمزج في ما بينها ليقدّم في النهاية معزوفة ترتقي بنا الى عالم المعنى الذي يفيد شيئاً جديداً.

البعد الفلسفي لافت في دراسته، اذ ان التوقف عند السؤال عن الزمن في عمق القصيدة لا يعدو كونه " السؤال عن الإنسان في نطاق وجوده غير القابل للتجاوز او الاخفاء".(ص10). ويرى ان الزمن في القصيدة يمكن أن يكون متحجراً داخلا في التقليد، ومتجمداً في أروقته الرتيبة. كما يمكنه ان يكون زمناً متحولاً في شعر آخر، باعتبار أنه زمنٌ فرديٌ، معاشٌ بالعمق وفق ابعاد التجربة الانسانية المتاحة في تاريخ ومجمتع محددين. ليس الزمن معطىً "برانيا" او "موضوعيا"، كما جرت العادة على تصويره، وتسميره داخل اطار ضيق. فكما أن الإنسان خاضع لعوامل التبدّل والتحوّل والتغيير في كل لحظة من حياته، كذلك هو الزمن المتجلّي في القصيدة باعتبارها نتاجاً انسانياً بامتياز.

إن الجمع بين السؤال عن الزمن والسؤال عن الانسان في دراسة القصيدة هو في حدّ ذاته فعل تفكر فلسفي يذهب بنا الى أبعد ما يقدمه مثلا المنهج البنيوي او السيميولوجي في دراسة النص الشعري. يقول: "اذا كان أرسطو جعل من الزمن "عددَ الحركة"، فإن للدارس أن يتوقف ويُعاين أعداد وعلامات الحدوثات الزمنية، التي لا تتعيّن فقط في العيش، او في الوصف، او في الحساب، وانما تتعيّن ايضاً في زمن آخر، تخيّلي، وغير مادي. لهذا يكون السؤال عن الزمن سؤالاً عن الانسان، عن حاصل وعيه بالتغيّر (أو بالجمود). ذلك أن تعيينات الزمن مقرونة بالحركة، بالحراك، فيما قد تتعيّن القصيدة بالثبات، في الاستعادة، في قيافة الأثر، في أحسن الأحوال" (ص10).

القصيدة عند داغر هي في آن معاً: صنيعٌ كتابيٌ وفعلٌ انساني. ان اعتبارها صنيعاً كتابياً يفرض عليها الالتزام بأساليب وقواعد ترتضيها لنفسها، وهي بامكانها ان تحورها او حتى تنقضها في كل مرة تقوم بالبحث عن اساليب بهدف تحقيق بناء جديد. كما ان اعتبار القصيدة فعلاً انسانياً يجعلها تتحرك في أكثر من اتجاه، اذ بامكانها ان " تحاور وتأمل وتنهي وتشجع وغيرها من الافعال التي تومئ القصيدة اليها او تدعو اليها صراحة" (ص11).

 

سأعرض في ما يأتي ما ورد في الفصول الخمسة الاولى من الكتاب على نحو مختصر، لكي أفصّل القول لاحقاً في الفصلين الأخيرين، نظراً الى ما وجدت فيهما من توافق مع مسعاي: ابراز المنحى الفلسفي الكامن في نص داغر من خلال دراسته لعامل الزمن في القصيدة، ولكيفية مقاربته لمفهوم الحداثة وتجلياتها في الشعر العربي الحديث.

 

اختار داغر ان يبدأ كتابه بدراسة شعر نزار قباني منطلقا من مجموعته الشعرية الاولى "قالت لي السمراء"، في فصل اول عنوانه: "مع نزار قباني، بلوغ القصيدة المدينة". تسلط هذه الدراسة الضوء على الهيأتين اللتين تظهر فيهما القصيدة امام القارئ والناقد على حد سواء وهما: الهيأة البصرية ويقصد بها الصيغة الطباعية المظهرية، والهيأة اللغوية او اللفظية والنحوية. نجده يتحدث عن النقلة من العروض الى "المَوسقة"، وعن "تحيين المعنى" وربطه بالزمن الحاضر من خلال البحث في المحور الجبلي والمحور اللوني والمحور الجنسي ومحور الالفاظ الداخلية او العامية المأنوسة. كما يتوقف عند البنية التخاطبية في نص قباني، وعند ما يسميه بـ"التعالقات" النصية، وهي صلات "تناصية" بين نزار قباني والياس ابو شبكة وصلاح لبكي وسعيد عقل وغيرهم، من جهة، وبين قباني وبول جيرالدي وبودلير، من جهة أخرى.

ويتابع جولته لكي يتوقف في الفصل الثاني عند دراسة كتاب انطون سعادة "الصراع الفكري في الادب السوري" لما يفتحه من مجال للتعرف على آراء عدد من الادباء العرب بخصوص التجديد الادبي، ولما يحتويه من معالجات نقدية يقوم بها سعادة لنماذج شعرية مهجرية بالمقارنة مع ما ينتجه هو، أي سعادة نفسه. كما انه يتوقف في الفصل عينه عند دراسة تردد أصداء نظرية انطون سعادة في ما كتبه أدونيس في نصوص عدة لعل ابرزها مطولة "دليلة". عنْوَن داغر هذا الفصل بـ: "تواشجات الايديولوجيا والحداثة: مبثوث الزمن"، وقدّم له ببحث تنظيري غني حول مفهومي الايديولوجيا والتواشجات، متوقفاً عند ما يربط بين الايديولوجيا والحداثة من تجاذبات.

أما الفصل الثالث فيطرح فيه مسألة العلاقة بين الشعر والنثر، وظهور زمن ما يسميه داغر بـ "القصيدة بالنثر" او "القصيدة نثراً"، كبديل لما بات يُعرف بـ "قصيدة النثر". يتوقف هنا عند رصد زمن جديد، يتجلّى في نمط كتابي مختلف، ولّد من الفعل وردود الفعل ما يستحق الدراسة. "ابتداء الشعر من الشاعر، ابتداء القصيدة من الكتابة"، هو العنوان الذي اختاره داغر لفصله الثالث حيث يبدأ بتفكيك قصيدة لأنسي الحاج مستلة من ديوانه: "ماضي الايام الآتية"، وينتهي الى الاشارة بأن القصيدة باتت "في عهدة الشاعر، يتصرف بها وفق ملكاته وتدبيراته، قبل أن تكون مرتبطة بقواعد او معايير. هي تبتدئ من الشاعر، من دون أن يعني هذا انه يُنشئ القصيدة من عدم، من بداية تدشينية، الا ان هذا يعني ان الشاعر ينصرف الى معالجاته في الكتابة بوصفها تجربة قيد التشكل، و"تتوازن" بنيتها في العمل عليها".(ص202).

في الفصل الرابع الذي يحمل عنواناً جدلياً: "تنازع القصيدة بين فصاحتها وحداثتها"، يعالج داغر مسألة الفصاحة والبلاغة في علاقتهما مع الحداثة الشعرية، مبتدئاً بالمقارنة بين ما قاله الكِسائي في القرن الثاني للهجرة من خلال ما ورد في كتابه "ما تلحن فيه العامة"، وما قاله ابراهيم اليازجي واسعد خليل داغر في نهايات القرن التاسع عشر، وبين كل ذلك وما نشهده اليوم من أحوال راهنة للفصاحة في الكتابة العربية. نجد في هذا الفصل بحثاً معمقاً حول مفهوم الفصاحة وحول أهمية الاحياء اللغوي، من اجل استعادة الفصاحة المفقودة. والملفت انه منذ القرن الثاني للهجرة وحتى اليوم مروراً بعصر النهضة والدعوة قائمة لاحترام قواعد القول الفصيح، والعمل على تنقية اللغة العربية مما أصابها من أعراض مختلفة، على سبيل المثال: دخول بعض الالفاظ الاجنبية، وتسرّب العاميات، والبلبلة القائمة بين المحكي والمكتوب، وغير ذلك. يتحدث داغر عن فصاحتين: واحدة لغوية واخرى ادبية، كان لكل واحدة منهما نشأة مختلفة   (نشأت الاولى في القرن الثاني للهجرة، والثانية في القرن الرابع الهجري)، وعلاقة تتراوح بين التداخل والتمايز والتبعية، اذ يشير الى ان الفصاحة الادبية تبعت الفصاحة اللغوية زمناً وتقيدت بقواعدها الفصيحة. كما يتناول بالبحث الرابط القائم بين الفصاحة والبلاغة، لكي يرصد في ما يلي كيفية تحول الفصحى "الى لغة العرب المصطفاة، ديناً وقومية أيضاً".(ص221). وكأن بداغر يشير من خلال هذا الاشتغال على الفصاحة الى أمر مهم يتعلّق بالزمن، وبحركة جريانه. وكأن الغرق في الفصاحة ابطال لحراك الزمن في اللغة. على الرغم من أن الفصاحة قيمة اسلوبية جمالية، وهي القيمة المرجوة والمآل والمرجع، الا انها بذلك تعطل دخول الزمن كعامل في تجديد اللغة وتوليد جماليات جديدة لها. يقول: "ان ميراثاً كتابياً بمناعة الفصاحة لا يمكن تجاوزه او تخطيه بين ليلة وضحاها، ولا خلال عقود من السنوات وحسب، ولا سبيل الى ذلك الا بمدّه بأسباب الحياة نفسها. يكفي للتأكد من ذلك النظر الى قصائد عمودية حالية ذات لغة فصيحة، وتراكيب سليمة المبنى، الا أنها مجوفة تماماً، من دون حساسية أو عصب، مثل طبل مثقوب".(ص235)

يختم هذا الفصل بوقفة ثانية مع انسي الحاج تميّزه عن الآخرين باعتباره قادماً من "لغة مختلفة تتصل في مصادرها بالعامية اللبنانية" وبمصادر اخرى يكشف عنها في سياق الدراسة. كما يبرز التركيب المبتكر لدى انسي الحاج الذي لا يهاب "حرمة" العربية، اذ يجترح "الانتهاكات الابداعية للغة المحروسة" مستخدماً "المحسنات اللفظية"، من دون تكلّف. يلفت داغر هنا الى الدور الذي لعبته لغة الصحافة في هذا التجديد والخروج عن المألوف لدى انسي الحاج وغيره، اذ نجد معه ان ابرز شعراء الحداثة كانت لهم بدايات صحافية. يقول عن انسي الحاج إنه "وليد التجربة اللبنانية في "العربية الجديدة"، بعد أن صفت ورقّت في طراوتها وجزالتها واستمدّت الكثير من المعاني الوليدة والتراكيب المنحوتة-هذه العربية الجديدة التي وجدت في الصحافة منبتها ومختبرها، على ما في الجريدة والمجلة من تعايش للمحكي والمكتوب في أن".(ص236)

يعود بنا داغر في الفصل الخامس الى زمن الشعر العباسي الفصيح لكي يدرس العلاقة الكامنة بين النوع الشعري والزمن نفسه، ولكي يتأكد من صحة ما يُقال بأن بعض الشعر العربي القديم كما الحديث يعكس الزمن الذي كتب فيه، وبأن القصيدة "شفافة لزمنها". من هنا عنوان الفصل: بين النوع الشعري والزمن، وهو يُعنى بـ ما يسمّيه "ما قبل النص"، اي ما يسبق النص نفسه، وما يفعل في بنائه، من " مسودة النص او العمليات الكتابية الجارية فيها، وغيرها مما يدخل في تكوين النص". يشير داغر الى ان الدرس اللساني البنيوي لم يلحظ بالضرورة هذه الامور اذ بقي منهمّاً بحدود النص الداخلية، بمعنى ان التركيز يتم فقط على تشكّلات البناء اللغوي للنص من دون سواها. نجده يتوقف عند دراسة نماذج من ابي نواس، والبحتري، وابن الرومي بهدف "التعرف التاريخي والنقدي على "النوع" الشعري، وأصنافه في المدونة النقدية العربية القديمة". كذلك بهدف "إجراء مقابلة بين الأنواع في هذه المدونة وبين القواعد البنائية لقصائد بعينها، بما يدلّ على التوافق أو الاختلاف او الخروج عليها".

يطالعنا الفصل السادس بالسؤال عن بدء توقيت كتابة تاريخ الحداثة في الشعر العربي، وعن الادوات المستخدمة لهذا الغرض. انه سؤال ملغوم بدفعة عالية من النقد. يبدو أن داغر قد عمد من خلال الفصل السادس الى احداث صدمة في وعي القارئ، وكأن به يقول ان البدايات التي وضعت ليست دقيقة، والادوات التي استخدمت في التأريخ للشعر العربي الحديث، ليست كافية، والمنظور المسيطر عل هذه العملية ينقصه التدقيق والمزيد من الحفر وتوخّي الحذر العلمي. تحت عنوان "السؤال عن الحداثة في الخطاب عنها"، يقوم داغر بمراجعة نقدية لمجمل ما كُتب حول وضع بداية تاريخية للحداثة في المجال العربي. يفنّد في سياق دراسته سبيلين تم من خلالهما دراسة الحداثة عندنا، مظهراً اسباب قصور كل منهما، انهما: السبيل الطبيعي، والسبيل الصناعي.

يرى السبيل الاول انه من الطبيعي بعد كل سنين القمع والحرمان والتفنن بالظلم ان ينتفض الانسان ويثور على واقعه ويسعى الى تغييره، وذلك باعتبار أن التمرّد على الامر الراهن يأتي بشكل تلقائي كما الولادة الطبيعة التي تأتي في موعدها ايضاً. ان هذا المنزع ينظر الى الكتابة التاريخية والنقدية انطلاقاً من صدورها عن الواقع الذي يتطابق مع النص، لكن بعد حدوث الواقعة. يشبه داغر الوضع هنا بكيفية النظر الى "المولود الجديد الذي نرى فيه صورة نسبه ليس الا". هناك أكثر من ناقد، مثل نازك الملائكة واحسان عباس ومحمود امين العالم وغيرهم، قد "سعى الى تفسير نشأة "الشعر الحر" على أنها ناتج طبيعي لأشكال التمرّد التي عرفها الشعر العربي في فترة ما بين الحربين العالميتين، في سعي يرتّب الوقائع تبعاً لما انتهت اليه، ووفق نسق سوي ومتسق لا يعرف غير الولادات الطبيعية، وفي ميعادها".(ص279). يذكر في هذا السياق ان نازك الملائكة قد اعتبرت في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" ان " التجديد حاجة ملزمة تفرض نفسها فرضاً فلا تملك الامة الا ان تلبّي طائعة وتستسلم لهذا الزائر الذي يطرق الباب ملحاً". ويعلّق متسائلاً: "كيف قُيّض لها أن تعتبر من يحلّ "فجأة"، أي طارئاً، بمثابة "زائر" ... طبيعي، ولكن بعد حدوثه، على انه لازم وملح؟".(ص280)

يشير داغر الى ان هذا السبيل قد "أسقط "الشعر العصري" من حسابه، وإن تحدّث عنه البعض اكتفى بالكلام عن "إحيائية" الشعر، وهي لا تعدو كونها جزءاً وحسب من جدة الشعر، عدا أن نسبتها الى "الاحياء" قصرتها على جوانب لفظية محضة، لا تجديدية عامة".(ص 279). اذاً، لقد حصر السبيل الطبيعي التاريخ بالحادثة، بموعد الكتابة، او بالمناسبة الاجتماعية والسياسية للنص من دون ان يتمّ البحث في "حقيقة الحداثة في نصابها التاريخي والمعرفي، في وصفها عملية "تناصية" جمعت بين "الانبثاق" و"الافتعال" ترجمة واقتباساً وتحويراً لمتن الحداثة الاوروبية".(ص280)

ويرى السبيل الثاني، اي السبيل الصناعي الذي جاء بمثابة ردة فعل على السبيل الاول، اذ حصر الناقد انشغاله بالنص فقط، بعناصره، وأهمل خارجه، أي مناسبة النص، وعلاقاته باعتبارها تحمل بنيته المتعالية. يرى داغر انه اذا كان السبيل الاول استجاب لحاجات التعرف الاولية على هذا الميدان الناشئ (حداثة الشعر العربي)، بما اقتضته من رسم خرائط وتعيين ولادات وتبيّن موضوعات، فإن السبيل اللساني، مع كمال أبو ديب ومحمد مفتاح وصلاح فضل وغيرهم، طلب الشعر في صناعته، في مادته، في كونها المعطى الأول والأخير لتعيين ماهية الشعر".(ص281)

وبالمقارنة بين السبيلين الطبيعي والصناعي يرى داغر ان الاول يشدّد على علاقة "اللزوم" القائمة بين مرتكزات النص وما يؤدّي اليه خارجه، اي على نوع من العلاقة المبسّطة والمرتبة التي لا يمكنها ان تتبيّن نسيج النص المركب والمتفاوت. اما السبيل الثاني فقد قام بإسقاط التاريخ بشكل تام، مكتفياً بالقراءات التطبيقية من دون سواها. كذلك نلحظ في هذا الاطار ان ما يلفت نظر داغر في هذين السبيلين ويوحّد بينهما يكمن في انهما امتنعا عن فهم دقيق لـ"تاريخية الحداثة"، "اي عن حقيقة كونها عملية تاريخية لها ما يُنشئها في التفتّح المحلي كما في الاحتذاء والتمثّل والتحوير والتلفيق لمبدعات اوروبية في سياق القصيدة الاوروبية في سياق القصيدة العربية".(ص281) يظهر داغر بالأمثلة والبراهين كيف ان الدراسات النقدية بمجملها لم تتفرّغ للحفر في شبكة المفاهيم الظاهرة، ولم تنقّب عن العمليات التناصية الداخلة فيها.

يشير داغر بخصوص تحديد لفظة "الحداثة"، باعتبارها القيمة العليا التي يُنسب اليها الشعر العربي، الى ان هذا التحديد الذي ورد في دراسات نقدية عدة، جاء من باب ترجمة حمولات هذه اللفظة "الدلالية والمعرفية انطلاقاً من المتن الاوروبي"، من دون أن تؤخذ بالاعتبار الدلالة العربية للفظ الحداثة. يستوقف القارئ هنا ما توصّل اليه داغر من ان لفظة الحداثة وردت عند ابن قتيبة في "عيون الأخبار"، وعند المعري في "شرح التنوير على سقط الزند"، وعند الثعالبي في "يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر". (راجع ص 282) يلحظ القارئ هنا تشديد داغر على المرجعية العربية للحداثة بالاضافة الى المرجعية الاوروبية، إذ ان ازدواج المرجعية كان له أبعد الأثر في تأسيس خطاب الحداثة في الفكر العربي.

هناك أمرٌ يستوقف القارئ أودّ الاشارة اليه في هذا السياق يكمن في كيفية اختيار داغر للنصوص التي يدرسها، ان في ما يتعلق بالتراث او بالحداثة. ان في هذا الاختيار دليلاً واضحاً على تمرّسه في نبش النص، وابرازه، ووضعه امام مجهر النقد والتحليل، كما انه يكشف عن سعة اطلاعه على مخزون كبير مما أنتجه الفكر العربي ماضياً وحاضراً . لا بد من أن يكون ذلك نتيجة مجهود فردي بُذل مدة سنين مديدة، وليس ابن ساعته. أننا نفتقد في العالم العربي للمراكز البحثية العلمية والرصينة، وللفرق البحثية التي تتعاون على انجاز عمل جماعي متكامل، إذ تبقى المبادرات فردية، والدارس متروك لوحده يواجه مصاعب الطريق، ويتحدّى التعب واليأس. من هنا يمكن القول أن تكوين داغر المعرفي، وعُدّة العمل التي يستخدمها، كان لهما الدور الاساس في رسم مسار تعاطيه مع مسائل التراث كما الحداثة.

بتابع بحثه في الحداثة من خلال توقفه هذه المرة امام كتاب "البيانات" الصادر عن اسرة الادباء والكتاب في البحرين لكي يستقصي من خلال النصوص المطبوعة فيه ما اذا كان الخطاب النقدي العربي قد تمكن من "معاينة الحداثة وتعيينها، ومن صياغة تاريخية المعرفة". يذكر ان الكتاب يعود الى أربعة مبدعين هم: ادونيس ومحمد بنيس وقاسم حداد وأمين صالح، ويعرض نصوصا مختارة يتوقف فيها كل منهم عند تحديد الحداثة. يحلل النصوص وينتقدها بدقة لافتة، وبنظرة ثاقبة تبرز الكثير من الخلاصات الجديدة. يطمح من خلال اشتغاله على نصوص الكتاب الى امكان تحقيق "قراءة علاقات التنصيص والانبناء" التي نشأت بين البيانات التي أعلنها اصحابها المذكورين أعلاه. يشير على الصعيد المنهجي الى أنه يطمع "بقراءة مزدوجة: زمنية، تصل البيان بموجبات السجال والتعيين النقديين (وقد تكون محلية وخارجية في آن) عند صدوره، وقراءة تاريخية، اي تصل البيان الصادر بسابقه او لاحقه لتبيّن معالم الاتصال والانفصال، وتبدّل حمولات التعيين وتعديلها بين فترة وأخرى". (ص284-285)

يتتبّع داغر مفهوم الحداثة لدى المفكرين الاربعة ويخصص لكل منهم حيزا لدراسة كيفية تصوره لهذا المفهوم. سنتوقف هنا عند قراءته للنص الأدونيسي كنموذج للقراءة النقدية التي قدّمها داغر للبيانات الأربعة، وذلك في سياق رصده للعلاقة بين القصيدة الزمن، باعتبار هذه العلاقة مؤشر لدخول الحداثة.

 

 

أدونيس يتأرجح بين ترويج الحداثة ونبذها

أول ما يلفت انتباه القارئ هنا التناقض او الازدواجية التي يبرزها داغر من خلال العنوان الذي صدّر به دراسته لنص أدونيس، اذ كتب: "بين ترويج ونبذ"، في اشارة واضحة وصريحة الى القفزات المتتالية التي عرفها مفهوم الحداثة عند ادونيس، قفزات تترد بين طرف ونقيضه. يهدف من خلال دراسة النص الادونيسي "الى اقامة شبكة العلاقات التي يندرج النص فيها، في قبوله وتعيينه ونقده وترويجه ولفقه وتجديده لـ "أفكار"النقد، اي مع مُجايليه، في دائرته الثقافية الخصوصية او خارجها (في ما يصله ويطلع عليه من الثقافات الأخرى)".(ص286)

لفتني ما يشير اليه داغر، في هذا السياق، ويتعيّن في ما قام به ادونيس من اعادة طبع قصائده عدة مرات بعد اجراء تعديل عليها في كل مرة، حتى ان قصيدة واحدة لم تسلم من التعديل المتكرر بين نشر اول ونشر لاحق. كما يلحظ ان ادونيس حذف من طبعة اعماله الشعرية الكاملة الصادرة عن دار الآداب شعره الحزبي الاول، واعلن على صدر الغلاف ان هذه الاعمال هي بمثابة: "صياغة نهائية". يبرر ادونيس هذه الممارسة على انها نهج يتعاطى مع النص الشعري باعتباره نصاً "مفتوحاً"، بامكانه ان يبقى قيد الكتابة دائماً. الامر عادي بالنسبة الى داغر لو ان ادونيس اكتفى باستبدال بعض الالفاظ وتعديل بعض الجمل، لكن الامر يمس بالتحقيق التاريخي عندمايقوم الشاعر بإعدام قسم من نتاجه، "ويبلبل معالم الاستدلال على تاريخية كتابته: أقدم أدونيس على نشر صيغة مجتزأة من "قالت الأرض" في أعماله الكاملة، عن "دار العودة"، ولا يلبث أ، يعدلها في طبعة "دار الآداب"، ما بدّل أصلها تماماً، وقدمها على غير ما كانت عليه".(ص287)

من هنا يتساءل داغر عن دور العامل التاريخي الذي قام أدونيس بطمسه؟ ما هو دور الزمن الذي تمّ اخفاؤه والتعالي على مناسبة القصيدة لكي تصبح اكثر تجريداً؟ "أهو تخلّص من اهداب الزمن العالقة بالقصيدة طلباً لإبداعية عالية؟". هل هو "القلق الاكتمال" الذي من شأنه أن يضحّي في ما يعتبره أدونيس تفاصيل بالمقارنة مع الجوهر؟

ان همّ داغر البحثي في درسه الشعر يكمن في التوقف عند الزمن التاريخي والزمن الاجتماعي في القصيدة ، الامر الذي يُسهم في تحقيق عملية تفكيك القصيدة بدقة وموضوعية تتوافق مع مقتضيات المناهج الحديثة. كذلك يجد ان عملية تخطي الزمن التاريخي والنزوع نحو المزيد من التجريد قد أسهم في محو الاثر الدال على سبب تأليف القصيدة وموضوعها، بمعنى ان هذه الممارسة هي نوع من اعدام التاريخ الشخصي والتاريخ النصي.

يتوقف داغر عند رصد النقلة النوعية التي قام بها أدونيس في ما يتعلق بمفهوم الحداثة منذ كتابيه "مقدمة الشعر العربي" و"زمن الشعر" لغاية ما نشره في كتاب "البيانات". هناك عبور من دفع عجلة الحداثة باعتبارها طاقة قادرة على التحريك الى نقد هذه الحداثة بالذات واعدامها علناً. "فبعد ان كان أدونيس الشاعر الذي حضّ أكثر من غيره لدفع عجلة الحداثة، جاعلا منها قوة تحريك لا استكانة أسلوبية، ينتقل في بيانه الى نقد الحداثة، بل الى اعدامها. لم يعد داعية الحداثة الاول في عالم العربية، بل المتحدث عن أوهامها و"التباساتها"، بعد أن قيّض له أن يعايشها ويتتبع أحوالها منذ نشأتها، ولم يعد مروجاً لها، مبشراً، بل فاحصاً-سلبياً في غالب الاحوال، لما آلت اليه".(ص288) يحاول داغر ان يدرس هذا التبدّل المفاجئ مرتكزاً على عامل الزمن في المجتمع والتاريخ. من هنا نجده يرصد ثلاثة أسباب لخيبة ادونيس من أوهام الحداثة:

- السبب الأول: ان قيام الثورة الايرانية وما نتج عنه من مفاعيل أدّى الى "تشديد فكرة "الاصل الحضاري المتمايز" في النظر الى المسائل الثقافية، ومنها مسألة "الحداثة".(ص293) ان هذا الامر جعل العديد من المفكرين يقومون بمراجعة نقدية لأسس النهضة العربية، ولتجلياتها القومية كما اليسارية. بتعتير آخر لقد تمّ تغليب "المثاقفة" على "التأصيل" مما سهّل الوقوع في الخيبة تالياً. من هنا يلحظ داغر بوضوح تأثر أدونيس بعملية "أسلمة" القضايا في المجتمعات العربية والاسلامية، الامر الذي أدّى الى تبدّل موقفه من الحداثة وإفراغها من حمولاتها، حتى يصل به المطاف الى انكارها التام قائلاً:" لنقل بوضوح ان الحداثة اليوم، في المجتمع العربي، بوصفها مفهوماً أو تنظيراً، وبشكلها العام السائد، انما هي غربية بكاملها، واننا عندما نتكلم عليها، انما نتكلم على الآخر، متوهمين أن هذا الآخر هو الذات"!".(ص288)

- السبب الثاني: يعتبر داغر ان أدونيس هو من أكثر الشعراء العرب تنصتاً ومتابعة لما يُنتج في أوروبا بخاصة على صعيد نقد عقل الأنوار، والنقاشات التي دارت في فرنسا على وجه التحديد في ما يتعلق بـ"ما بعد الحداثة". كما ان حال الحداثة المتراجعة في بلدانها الأصلية قد كان له الاثر الفاعل في انقلاب ادونيس على الحداثة، وتغيير موقفه منها. يعلّق داغر هنا قائلاً: "قد تكون كتاباته "بادئة" عربياً في نقدها لأوهام الحداثة، الا انها انساقت في ذلك الى ما كانت تنبهت اليه من "ميلان" في شأنها في فرنسا وغيرها في النقاش الناشب حول "ما بعد الحداثة".(ص293-294)

السبب الثالث: يشير داغر الى رغبة ادونيس الباطنة في التصدّر والنفوذ ضمن الجاعة الثقافية المحلية، فيرى انه انتبه بالتأكيد الى تراجع المشهد الثقافي العربي، وانحساره في انجاه زمن آخر لا يمتّ الى الحداثة بصلة. من هنا جاء لجوؤه نحو "التأكيد على دلالات الهتْكِ والخلخلة، اي على لغة "الجذرية المترفة" (حسب تعبير بورديو)، وعلى استجلاب المفاهيم والاستقواء بها، ما يجدد اسمه وموقعه في صورة مستمرة، ولو ان هذا التجديد لا يطاول الخطاب تماماً، بل يبقيه في مقام الاحتفاء والقبول والعرض، في مقام تناصي، تتحكم به مثلما توجهه محددات واقعة غالباً خارج دائرته الثقافية".(ص294)

ان هذه المقاربة التي قام بها داغر لرصد التبدل الذي اصاب موقف ادونيس من الحداثة تشير بوضوح الى تمكنه من سبر اغوار الحداثة في خطابها عن نفسها، وفي نقدها لذاتها، كما في ادواتها النقدية التي تضعها في متناول منتقديها. ان هم داغر كما لحظناه من خلال اشتغالنا على نصه لا يكمن في الدفاع عن الحداثة انما في ابراز العلاقة مع الزمن والتركيز على البعد التاريخي باعتباره احد مرتكزات الحداثة في مقاربة الفكر وقضاياه. يبقى لنا ان نخترق صفحات الفصل السابع الذي ختم به داغر كتابه "القصيدة والزمن".

 

يشكّل الفصل السابع والأخير الفصل الذروة حيث يبلغ البحث الى أقصى مداه الفكري والفلسفي. انه يعلن ويثبّت فعل الزمن بالقصيدة في عنوان شربلي بامتياز: "خروج القصيدة من الواحدية الى التمامية". يكتب فيه سفر خروج فعلي من حال الى اخرى، ومن واقع الى آخر، ومن زمن الى زمن مغاير.

يبدأ بنقد الدرس التاريخي للشعر الحديث مظهراً مكمن الخلل فيه مثل:

- خلوص النقد الى اللسانية التي ابقت النص وحده بعد ان جردته من السياق.

- ضعف الممارسة التاريخية التي غلب عليها المسعى الخبري من دون التناول العقلاني.

أما المقاربات الاجتماعية للشعر فهي شبه غائبة من دون ان تُنزل الشعر في منازل العمل الاجتماعي.

من هنا يرى داغر ضرورة "العودة الى وقائع الشعر والبحث عما يوجبها، ولا سيما في تغيراتها، وهي تغيرات لا تقتصر- وان تتعين ظاهريا ووقائعياً- على شؤون تقنية او عروضية او بنائية، اذ تعبّر عن اعتمالات أوسع منها، وفي حراك تاريخي عام. وهو الحراك الذي وضع الشعر، بعد طول احتكام الى مرجعيته المخصوصة، طوال قرون وقرون، في وضعية التغاير التي أوجبتها شروط المثاقفة الواجبة مع اوروبا الغازية والساحرة في آن".(ص306)

لذا يرى داغر وجوب البحث عن "تاريخية لتجديد الشعر العربي تقع في اطار التثاقف، وهو ما تحاشاه كثير من النقاد مكتفين بملاحظة التغيرات الشكلية وحسب في بناء القصيدة العربية".(ص306) يشير في هذا السياق الى ان كثيرين جعلوا من العام 1947 موعدا لبداية الشعر الحديث مع صدور قصيدتين لنازك الملائكة وبدر شاكر السياب يمكن وضعهما في اطار التجديد العروضي. ما يصرّ داغر على تأكيده يكمن في ان هذا التاريخ غير صحيح، هناك بداية اخرى تعود الى ما يسبق هذا التاريخ بحوالي القرن، حيث يشير بالبرهان والدليل الى تجديدات وتغيرات حدثت واقعاً في الشعرية كما في القصيدة. يعود ذلك الى "تجارب القرن التاسع عشر، في قصائد أعداد من الشعراء"العصريين"، من أمثال خليل الخوري ورزق الله حسون وفرنسيس المراش وغيرهم".(ص307)

ها هو داغر يلغي موعداً ليدبر آخر، ويشطب اسماء ليدون مكانها اسماء أخرى، ويدعو الى "تدبيرٍ تاريخي آخر يعيد الى التجارب العربية المختلفة حظوظها المختلفة في السبق التجديدي".(ص307-308). يصر على الزامية العودة الى الوراء "تاريخيا لوضع الحداثة في مدى الحركة التي أوجدتها في اطار المقاقفة، وفي ضلوع الشعر في تعايش مع مرجعيتين: عربية وغربية".(ص308)

يمكننا ان نرصد لدى داغر خطوات منهجية عدة تهدف الى تفادي الاهمال الذي لحق بالشعر "العصري"، والمصير البائس الذي لقيه "شعر الحياة" (اي الشعر الرومنسي)، إذ تمّ إسقاطهما سوياً من تاريخ الحداثة الشعرية. لذا نوجز ما يُفترض القيام به على هذا النحو:

1- التعامل مع القصيدة باعتبارها نصاً منسجماً ومتوافقاً.

2- التعامل مع القصيدة باعتبارها نصاً متفاوتاً ذا مرجعيات متعددة قبل ان تتوافر فيه مختلف مستويات التجديد.

3- النظر في أوجه التجديد في صورة منفردة او متفرقة، والتوقف عند كل وجه على حدة.

4- التأكد من وجود مواعيد مختلفة للتجديد في كل بلد عربي وعدم التمسك بالعام 1947

5- التخفيف من اعتماد التعامل مع التجديد وفق منظور سياسي-جغرافي يرتكز على تأسيس الدولة نفسها.

6- اعادة النظر في قسمة الأجيال التي نلقاها في هذا التاريخ الشعري او ذاك والتي تحدد اسباب الترابط بين هذا الجيل وذاك. بمعنى آخر، عدم اعتماد على خريطة جامعة الدول العربية واهمال تنقلات التجديد نفسه، اي عدم التعويل على الجغرافيا من دون التاريخ.

7- ضرورة تخلي الناقد عن دور "مأمور النفوس" الذي ينهمّ بتسجيل الميلادات مثل الوفيات، ويقيم شبكات مترابطة وفق المواعيد الزمنية هذه، ويجعل منها أساس التجديد الوطني.

8- النظر الى خريطة التأثرات والتبادلات الشعرية وفق منظور آخر، يخرج عن رقابة الامن العام والجمارك وتطلبات التنافس بين الشعراء.

9- ضرورة تبيّن حدود أخرى غير حدود الجغرافيا والدول لأنها لا تفي وحدها بالغرض، وتبقي الدراسة محصورة بتصنيفات خارجية من دون اظهار معالم التجدد في كل تجربة، ومعالم التبادل عربيا واجنبيا.

10- يجب اعادة الشعر الى حيث كان، اي داخل النظام الثقافي والمتعالي، وضمن اطار التداول.

من هنا، وانطلاقاً مما تقدّم يرصد شربل داغر من خلال درسه الشعر العربي الحديث خمسة أشكال لفعل الخروج الذي عاشه النص اثر فعل الزمن فيه، يمكن إيجازها بما سيأتي:

أولا: خروجٌ نحو تنويع القافية يمهّد لخروج الى موضوعات جديدة تبصرها العين في هذا الوجود وليس في الذاكرة والتقليد، مثل التحدث عن "التومبيل" او "التلغراف" او "المغنطيس".

ثانيا: خروج قوامه الابتعاد عن نظام "الواحدية التمامية" الذي ينفي التغير ويركن الى مثال واحد يتم التماهي معه، فيتحكم النظام السابق الجماعي بقصيدة الشاعر وبالحكم عليها. انه خروج يتخذ من الصلة بالزمن علاقة لازمة له، وتعبيرا متعدد الأوجه والتناولات عن الزمن وحمولاته وعن الانسان فيه.

ثالثا: خروجٌ نحو بناء مختلف للقصيدة العربية التي تخلّصت من شكلها القالَبي المحسوب، وفي بلوغها شكلاً متغيراً عند كل شاعر، بل في كل قصيدة. وفي ذلك اشارة واضحة الى ان عمل الشاعر بات واقعاً في الزمن، داخلاً في علاقة معه، لا يعود معها الشعر عملا نظمياً، بل نوعاً من الممارسة الوجودية، من العمل الموقعي الذي يطلب أثراً في الزمن، ومع الآخر.

رابعاً: خروجٌ مبني على اساس قاعدة مادية تطلقه وتتبناه، تتلقاه وتنشره. قاعدة تجعل المدون صنيعاً كتابياً، طباعياً. الامر الذي يجعله بحاجة الى درس وفحص في حد ذاته، وينشأ عنه بالتالي حقلا تداولياً جديداً. انه زمن خروج القصيدة من البلاط الى الكتاب وصفحات المجلات والجرائد. اذ تصبح العلاقة بين الشاعر والمتلقي انفرادية وغير احتفالية، تتوجه اليه بالذات وهي لا تعرفه. انه الخروج من "جمالية السماع الى جمالية القراءة".(ص316). انه زمن القراءة الفردية القابلة للتقدم والتراجع، للإستعادة كما للقطيعة. خرجت القصيدة في زمن الحداثة من القصر الى البيت، ومن لحظة الخطابة الى لحظة "الاستغراق". يقول داغر في هذا السياق: "بات القارئ شريكاً في القصيدة وأُفقا لها: شريكاً مسبقاً في الانتاج على انه ايضاً أُفق مرتجى للقصيدة. هذا يعني ان القصيدة باتت محل انتاج في التواسط الانساني والاجتماعي، في مبثوث المعنى كما في افقه التاريخي ايضا".(ص317).

خامسا: خروجُ القصيدة من شروط المنافسة بين البلاطات والنقاد لكي تقيم في الشاعر نفسه، في ما يعرضه ويقدمه لغيره، اي النقاد والقراء. هذا الخروج اوجد قصيدة، بل قصائد متغيرة، متخالفة، يصعب التفاضل الشديد او المحسوب بينها، وباتت القصيدة عالماً في حد ذاتها، كوناً مقيماً في بنيتها المتخيّلة، الامر الذي اخرجها من الواحدية، ومن التمامية كذلك، الى التباين والتكثر. هذا ما جعل القصيدة موصولة وقائمة على التغير الزمني، مما يظهر التحقق الامثل لعلاقة مفتوحة ومطلوبة مع الزمن، بوصفه منبت التغير والحدوث والتجدد والتفرد ايضا.

هذه هي باختصار، أبرز تجليات حركة الخروج التي تحدّث عنها داغر في كتابه "القصيدة والزمن"، وهذا بالتحديد ما عنى به عندما قال بخروج القصيدة من "التمامية الواحدية" اي من "الاحتكام الى نظام لا يرى الشعر الا في صورة واحدة، تمامية، اي ناجزة وفق نظام موضوع، سابق، فيما هو يعني تقيد القصيدة لا بمثال، بل بمقتضيات يوجبها النظام الثقافي والمتعالي في ضروراته الاجتماعية".(ص318)

ان فعل الخروج المتتالي الذي يشير اليه داغر كانت له مفاعيل عدة، احاول حصرها بأربع نقاط:

أولاً: جعل القصيدة "موصولة وقائمة على التغير الزمني"، ليصبح بذلك تفرد الشاعر وعبقريته ضرباً من "التحقق الأمثل لعلاقة مفتوحة ومطلوبة مع الزمن، بوصفه منبت التغير والحدوث والتجدد والتفرد بالتالي".(ص319). يشير ايضاً الى ان هذه الصلة بالزمن تكفل القصيدة عن طريق جعل "الشاعر قواماً عليها، فتبتدئ القصيدة من ملكته، من تدبيراته، من كون النص صنيعاً بين يديه. وهو بقدر ما يعين الخروج من "واحدية تمامية"، يعين "فردانية قيد التبلور".

ثانياً: ابتداء القصيدة من الشاعر، اذ أصبحت تلعب دور القماشة للمصور، انها نوع من السطح المادي وليس فقط مجرد حامل للتعبير."أي ان الشاعر لا يطلبها لقول ما يريد، وانما بات يعرف كذلك انها حاصل يتدبره بالعمل، اي بما يصرفه للألفاظ والسطور والمقاطع من معالجات وحلول ومصائر".(ص320)

ثالثاً: الاقتراب من "تعطيل قدرة الإفصاح في اللغة، وتبلبل صوابية المعنى"، هذه الصوابية التي كانت تدعيها القصيدة القديمة. بمعنى آخر، لم يعد الشاعر مهتماً بالموافقة بين اللفظ وخارجه، بين اللغة والواقع، انما بات ينشغل بما تقوله الالفاظ أبعد من مراميها الواعية او المقصودة. انه يعمل في اطار تخيّل "مفتوح على التكثير، وعلى تسرّب المعنى، لا على تركّزه". (ص320)

رابعاً: ظهور اجتماعية أخرى للقصيدة الحديثة تبرز في التعليم والصحافة مثلاً، وتأسيس علاقات انطلاقاً من مواقع متغيرة ومتعددة الى حد التخالف. يعطي داغر أمثلة على ما بات يُطلب من القصيدة أن تؤدّي مهاماً مختلفة، فتخرج الى العلن في أصوات متنوعة، يذكر منها:

- صوت يذهب في وجهة ان تكون "وحياً صادقاً".

- صوت يطلب التواصل، وذلك بهدف تأسيس القصيدة على القول الفردي في أساسه، واقامة الحوار بين المتكلم والمخاطب من منطلق تعاقدي، خلافاً لنوع التواصل الذي كان قائماً في السابق بين خطيب على منصة وقوم في حفل جماعي.

- صوت شعري يذهب بالقول الشعري الى جذور وأجواء أخرى، مغايرة لمناسبة الحفل او التظاهرة او الغرفة الحميمة. انه التوجه الى الشارع والمقهى، الى حيّز عام مغاير لما سبق.

- صوت شعري يذهب بالمعنى في اتجاه صفحة الكتابة نفسها، وربما في اتجاه الصفحة الالكترونية نفسها، مناشداً اياها ان تكون "ماثلة وشفافة" ضمن "علاقات معقدة تتراوح بين التغييب والجلاء الانسانيين". هذا ما نجده في شعر داغر نفسه، في مجموعاته المتأخرة على وجه الخصوص حيث تدخل القصيدة في اختبار مميز وجديد يتعيّن في التحاور مع الشاشة الالكترونية، ويصبح الحاسوب ذلك " المجاز المحمول".

انها مجموعة أصوات تتناغم في سياقٍ قيد الانجاز دائماً، لا يعرف السكينة ولا الجمود. "أصوات تطلب الكلام العالي، وبعضها الصراخ، او تطلب المسارة او المكاشفة او البوح او التشكي المستغرق في لججه، او تطلب اطلاق الكلام في اتجاه اصوات خافية...".(ص322)

ان تتحول القصيدة الى صوت هذا يعني انها اصبحت طاقة حرة طليقة يتدافعها الهواء في اكثر من اتجاه، وتتراقصها الامواج نحو آفاق رحبة ومتعددة. الصوت عندما يكتب لا يعرف نفسه، لا يعرف من يكتب من عبر الشاعر. هذا ما عبّر عنه في حديث متلفز قائلاً: " أشعر بتعددية الاصوات. الكتابة تصدر عن ملكة فينا وعن مخزون في الشاعر. هو يحددنا ونحن لا نعرفه وهو يظهر حين نكتبه. ونحن كشعراء او انا على الاقل، لا اتحكم بقصيدتي، فهي التي تتحكمني، وهي التي تسميني واذهب اليها وأقرأها مثل قارئ، على ان لي أفضلية او اسبقية على القارئ هو اني ازورها قبل ان يزورها هو".

هذا الانطلاق نحو الاستسلام للقصيدة هو في حد ذاته تحليق يتجاوز حدود الفصاحة والتمامية والواحدية وحتى الحداثة نفسها. انه فعل تخط دائم للذات امام ذاتها، انه سفر متجدد المحطات، لا يحط الرحال الا لكي ينطلق من جديد. انه تدافع المعنى نحو ما لم يتمُّ البوح به بعد...

(موقع "كيكا"، لندن، 28-2-2016).