"ابنة بونابرت المصرية"

رواية شربل داغر الجديدة

 

 

صدرت في بيروت الرواية الجديدة للكاتب اللبناني شربل داغر : "ابنة بونابرت المصرية"، عن المركز الثقافي العربي (بيروت-الدار البيضاء)، في 288 صفحة، وهي الرواية الرابعة للكاتب بعد : "وصية هابيل" (2008)، و"بدل عن ضائع" (2014)، و"شهوة الترجمان" (2015).

تتوزع أحداث الرواية بين العام 1811 والعام 1825، في مرسيليا وباريس والقاهرة وغيرها، بعد حملة بونابرت إلى الشرق، فوق شواطىء الإسكندرية وأمام أسوار عكا، في "ميدان غوفيه" بمرسيليا وفي أحد الفنادق المطلة على المرفإ فيها، في "القلعة" كما في بولاق في القاهرة، فضلاً عن شواطىء صقلية وتونس والجزائر وبيروت وغيرها. أحداث لا تشبه جاري الأيام في عهد المماليك، ولا في حياة "ثوار" فرنسيين وجدوا أنفسهم "محتلين"، وفي "أمبراطورية" بدل "الجمهورية". هذا ما جعل أفراداً يلتقون لأول مرة، فوق أراضي المعارك أو في عتمة الأزقة والغرف، بأزياء وسلوكات ومآكل مختلفة، في لقاءات عنيفة أو فجائية، من دون أن يحسنوا تبادل أي كلام بالضرورة...

 

لكتابة هذه الرواية، عاد مؤلفها شربل داغر إلى آلاف الصفحات، بين فرنسية وعربية، كما توصل إلى كشف وثائق غير معروفة عن هذا التاريخ، وعاود بنفسه التنقل فوق المواقع المحتملة للرواية بين مرسيليا والقاهرة، واستعان بأكثر من كاتب عايش تلك الأحداث وكتب عنها، مثل : جولي بييزوني في مرسيليا، وعبد الرحمن الجبرتي في القاهرة، والكاتب جوزف ميري بين باريس ومرسيليا. هذه "الألفة"، التي حصَّلها داغر مع هذا التاريخ، جعلته ينقل خطاه فوق مسار الآلاف من أنصار بونابرت العرب، ممن دعاهم للخروج مع جيشه، "جيش الشرق"، والانتقال معه إلى فرنسا، تحت حماية شعار الثورة الفرنسية : الحرية، والمساواة، والأخوة.

كما تبين داغر في هذا التاريخ وجوهاً مغمورة، مثل : نور، الطفلة التي وجدتْ نفسها وحيدة، فوق عتبة مدخل فندق في مرسيليا، إثر بلوغ أهل المدينة خبر سقوط بونابرت النهائي عن العرش؛ أو مثل العشرات ممن قُتلوا، أو المئات الذين شُردوا، على مدى ثلاثة أيام متصلة، بسبب أشكال ثيابهم، أو لون بشرتهم، أو عجزهم عن نطق الفرنسية بشكل سليم... هذا ما جعل داغر يتعرف أيضاً بصورة أقوى إلى وجوه معروفة، مثل الجنرال مينو، آخر حاكم فرنسي على مصر والمتزوج من المصرية الست زبيدة، أو "المعلم يعقوب" قائد المجموعة المناصرة لبونابرت، أو أول أستاذ عربي للعربية في الجامعات الفرنسية، أو أول عربي وضعَ معجماً ثنائي اللغة بين العربية والفرنسية... كان لهذه الجريمة أن تبقى مجهولة، ولحكاية نور أن تبقى مكتومة، لولا صدفة غريبة حصلت في شهر أيلول-سبتمبر من العام 2015، في الغرفة 213 في فندق "القديس بطرس وروما" بمرسيليا...

تجمع وقائع الرواية بين بونابرت ومحمد علي باشا وملوك وأميرات وضباط وكهنة ومترجمين ومهندسين من مدن فرنسية مختلفة، ومصريين وأثيوبيين و"شوام" من حلب وبيروت ويافا وغيرها، مع زوجاتهم وعشيقاتهم وخدمهم، في أرض المعارك، في السفن الحربية والتجارية العابرة مدى المتوسط، وفي مرافىء ومستودعات ومحاجر صحية، وفي قنصليات وقصور وأكواخ ومياتم ومدارس، وفي أسرَّة اللذة العابرة أو الفجائية... تجمع الرواية من كانوا لا يجتمعون قبلاً، ما يبدل مصائر شعوب وأفراد، وما يحبك شبكات السحر والانجذاب بين الأسمر والأبيض، وما يولد الحب أو الزواج غير المتوقع، أو الولادة غير المحسوبة، وما يتيح ترجمة الآداب والمعارف غير المتداولة في السابق...

"هكذا يَخرج التاريخ، حسب داغر، مثل أفراده، من تاريخ سابق، منغلق على نفسه، مكتفٍ بماضيه التليد، صوب تاريخ آخر، غامض، عنيف، تتبدل فيه الحدود، وتتغير فيه خرائط المعارف والسياسات والسلوكات والأزياء والكتب والمآدب وغيرها، بما فيها النظرات المتبادلة بين الشعوب والأفراد...". ويتابع داغر : "هذا التاريخ بعيد، لكنه قريب، إذ لن يكون بعده كما كان منذ قرون وقرون. فيه سيتمُّ إقحام شعوب في سياق مغاير لكنها ستصبح مبادِرة من دون إشارة من الحاكم؛ وفيه سيتمُّ غزو بلاد لكنه سيُظهر مقاومة للمحتل. هذا ما رسم هيئات إنسانية مختلفة، بفعل العنف والفرض والتخالط والتواصل، ما غير حيوات ومصائر عديدة". وإلا كيف يمكن للطفلة نور، الوحيدة فوق عتبة تاريخها الشخصي، أن تبلبل عزلة مؤرخين، لما تبلغ مراهقتها، وأن تسرق "دفاترهم"، لكي تستطلع ما يمكن أن يدلها على سيرة أمها الغائبة، وأبيها المجهول!

 

وفي ما يلي مدخل الفصل الثالث من الرواية :

"بعد السلام، أعتذر عن لغتي الفرنسية الركيكة، فأنا أُقْدم على الكتابة بها، وأتوجه بها إلى صحفي مرموق لأول مرة. حاجتي إلى الكتابة فاقت عندي التزامي بالبلاغة، أو بصحة تركيب الجُّمل. هي حاجتي إلى التنفس، ما دام أنني لا أكتب إلا بعد خلاصي من موت أكيد. أعرف أن أحداً غيري لن يسارع إلى إفشاء الظلم الذي لحق بنا طوال أيام ثلاثة، وبعدها أيضاً، في شوارع مرسيليا أو في مرتفعاتها القريبة. فكثيرون منا لا يُحسنون الكتابة أساساً، لا في الفرنسية ولا في أي لغة أخرى. وكثيرون منا – ممن بقي على قيد الحياة - لا يتجاسرون حتى على التكلم عما جرى. فهم امتنعوا عن الكلام، واختفوا عن أعمالهم المعهودة، ويعيشون أشبه بالفارين فيما لم يقترفوا أي جرم.

أنا أعرف تمام المعرفة أنك تعرف أعداداً منا، بل انتقلت مع بعضنا فوق سفينة واحدة من الاسكندرية إلى تولون. أنا لم يحالفني هذا الحظ، ولا هذا الشرف، إلا أنني عرفت من أحد الكهنة أنك تكتب في الصحافة الشريفة، وأن حميَّة المساواة والشرف والعدالة تُحرِّك ريشتك ومواقفك، فلا تقبل بالظلم المجحف بحقنا. لعلك لم تسمع بما جرى لنا في وضح النهار، وعلى ضوء المشاعل المنيرة في الليل... لعل ما جرى في "ميدان غوفيه" ومرتفعات "مازارك" وغيرها في مرسيليا لم يحدث في باريس... لعلكَ كنت بعيداً عن مجرى الأحداث، لكنني تأكدتُ قبل أيام، بمجرد وقوعي على جريدة في أحد مكاتب التجارة في "شارع الكانوبيير"، من أن ريشتك لا تزال مسنونة للدفاع عن الحق.

 

أنت تعرف ربما أكثر من غيرك، أستاذ أنطونيو دو باسكالينو، أن فرحة المصريين كانت عامرة لما عرفوا بوصول قوات فرنسية في العام 1798 إلى أرض الفراعنة. بل قادت الحمية بعضهم إلى الالتحاق – عن خطإ ربما – بقوات الجنرال المقدام بونابرت. ولم يجدوا حرجاً، بل حماسة، في البقاء إلى جانبه لما قرر الانسحاب من مصر. كنا عدة آلاف من المغادرين فوق سفن القوات الفرنسية، تاركين وراءنا عائلاتنا وأعمالنا وعلاقاتنا، مندفعين وراء قيم الثورة الفرنسية. وجدنا في مرسيليا آلافاً من المهاجرين وصلوا قبلنا إليها، من إسبان وطليان ويونان وكاتالان وغيرهم. هذا ما تستطيعه مدينة مثل مرسيليا، إذ كانت تستقبل ملكاً إسبانياً مخلوعاً، وقائداً ثورياً مثل بوليفار، فيسكنان على مسافة أعداد من أشجار الزيتون.

 

نحن، يا أستاذي، نعود إلى مدن مختلفة، مثل القاهرة والإسكندرية وحلب وبيروت ويافا وغيرها، واجتمعنا في صورة مزيدة أشبه بمدينة أو بحي كبير في مرسيليا. لم يكن هناك أحد لكي يستقبلنا. مساعدات حكومة نابوليون لم تكفنا، لكننا باشرنا بالعمل في بناء بيوتنا بما تيسر. أتت بيوتنا من دون سقوف في الغالب، فلا يقوى بناؤها الخفيف على تحمل طابق آخر فوقها. كانت تفضي البيوت، من جهة، على الشارع، على جادة عريضة مشجرة، "ميدان غوفيه"، ومن الجهة الثانية، على جنائن، ما لبث العديد منا، ممن تمرَّس في الزراعة، أن أنبت الخضار والفواكه فيها، مثل الفول والبصل والكوسى والبطيخ والذرة والبامياء خصوصاً.

كنا نعيش على عجل في انتظار العودة، في انتظار أن يغلب الأمبراطور العثمانيين. فكنا نأكل كما لو أننا نعيش في مدننا، وننام بألبسة النهار، كما في القاهرة، واضعين فوق أسرَّتنا ستائر خفيفة لحمايتنا من الحشرات والذباب.

نحن فلاحون، كما تعرف، نقلنا معنا عاداتنا، فلم نردْ إزعاج أحد. انتقلنا مثلما ننقل نخلة من مكان إلى آخر، بجذعها، وسعفها، وثمارها. غير أننا حملنا معنا أخبار بطولاتنا مع جيش بونابرت، وكنا نتذاكرها، ولا سيما السيدات من نسائنا ممن كنَّ يجلسن على عتبات بيوتهن مع جيرانهن، ويحكين القصص من جديد فيما يتدبرن حساء المساء.

سنة بعد سنة، اعتدنا، يا أستاذي، على "ميدان غوفيه"؛ باتت لنا فيه جذور وبراعم، ما دام أن العشرات بل المئات منا ولدوا فيه، فلا يعرفون دمنهور أو الجيزة أو "القلعة" أو بولاق أكثر من أحياء مرسيليا، أكثر من أشجار الأكاسيا، التي باتوا ينتقلون منها في اتجاه المرفإ للحاق بمرفإ تولون للتجنيد، أو إلى مولان، التي تعرفها جيداً (على ما قال لي أحد الكهنة ممن كان يتنقل بين باريس وبينها)، والتي حلَّ فيها قسم محظوظ من أهلنا، من ضباطنا وجنودنا.

ما كنا نستعيد أخبار الانتصارات، بل أخبار الخسارات، ولا سيما مقتل الجنرال كليبير، الذي يبقى في نظر كثيرين منا حاكماً عادلاً. أصبحنا، يا أستاذي، شعباً واحداً. فقد تزوج الجنرال مينو، خليفة كليبير في حكم مصر، إحدى المصريات، وأتى معنا في البحر ولده منها : سليمان. بل يقال – لعلك سمعت بذلك – إن لنابوليون حبيبة مصرية... كما لنا نشيد مشترك، وضعه لنا الشاعر نقولا الترك، يخلد انتسابنا إلى حلم الثورة ووعودها الإنسانية.

كان "ميدان غوفيه" أشبه بمركز أساسي لنا، فيما كانت تتوزع عائلاتنا على أحياء وقرى عديدة، مثل : "سان-مرغريت"، و"لا كابوليت"، و"مونتريدون" وغيرها. كان البعض منا يتذكر رشيد أو دمياط، القريبتين من البحر، كما هنا، إلا أن بعضنا الآخر اعتاد على تلقي دروس عربية وفرنسية، مثلك في "المعهد الماروني" بروما، كما قيل لي عنك. كما اعتاد بعضنا على العمل في ممثليات تجارية، فيما تكلف البعض الآخر بتسهيل معاملات السفر لمن يحلون في مرسيليا طالبين الإبحار إلى أميركا، من دون أن يُحسنوا التكلم لا بالإنكليزية ولا بالفرنسية. نعم، يا أستاذي الشريف، بتنا جزءاً ملازماً لحياة مرسيليا. بتنا نساعدها في أعمالها، مثل أعمال النقل الثقيل في المرفإ، أو بعض أعمال الخدمة في فنادق مرسيليا العديدة. أعرف أن كثيرين منا كانوا يكتفون بتلقي المساعدة المالية الشهرية، فتراهم جالسين على عتبات بيوتهم يتسامرون أو يدخنون بإفراط طوال النهار، فيما ينظرون إلى البحر، إلى أفق جديد لهم. إلا أن كثيرين منا ماتوا فوق أراض مجهولة منهم، دفاعاً عن فرنسا... أتذكر الجنرال يعقوب، كبيرنا، الذي مات في السفينة قبل أنيطأ حتى أرض فرنسا العزيزة ؟

 

مرسيليا، التي احتضنتْنا، تنكرتْ لنا بمجرد سقوط الأمبراطور. مرسيليا التي أعطت فرنسا نشيدها الثوري تجاهلتْ ماضيها القريب. لا أعرف كيف يمكن لها أن تكون ملكية، لا جمهورية، وهي تضم أقواماً من اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبلاد العثمانية المختلفة... هذه شعوب لا يجمعها في مدينة واحدة غير العلم الجمهوري، أليس كذلك ؟ لعل مرسيليا ابتعدت عن حلمنا، عن حلمها، لأنها مدينة تجارية، لا مدينة حربية، مثلما جنَّدها الأمبراطور... ماذا لهم أن يفعلوا في الحرب، وهم اعتادوا على الصيد والإبحار، مثل أناس كثيرين على ضفاف المتوسط ؟

 

أكتب هذا كله، أيها الأستاذ المميز، مثل من يبتعد عن قول ما يغصُّ به حلقُه على الرغم من مرور الأيام والأسابيع المعدودة. قالوا في مرسيليا إن من ارتكب الجريمة أناس مأجورون من أصول إيطالية، مثلما يتمُّ استئجار فعلة للنقل في المرفإ، أو لإلحاق الأذى بجنينة أحدهم، أو لإشاعة أخبار كاذبة عن متجر أو مقهى... لا، يا أستاذي الإيطالي، لم يقمْ الإيطاليون بهذه الأفعال الشنيعة في حزيران-يونيو من سنة 1815، ذلك أنني شهدتُ كثيراً من هذه الأفعال بأم العين.

 

كنتُ بالصدفة على مقربة من "ميدان غوفيه"، لما انتبهتُ إلى أفراد راحوا يتجمعون، كما في رقصة "الفارندول"، ويشبكون الأيدي بالأيدي، نازلين في الشارع، رافعين العلم الأبيض، فيما كان العلم الثلاثي الألوان يرفرف بعدُ فوق المباني الرسمية. كانوا يتفقدون البيوت بيتاً بيتاً، داعين الناس إلى الالتحاق بهم. كانت قد بلغتْني أصوات صراخهم، فما تحركتُ من مكاني متوقعاً وصولهم على مقربة مني. كانوا قد بلغوا المئات، قبل أن ينتهوا إلى آلاف، مثلما قيل لي بعد أيام، بعد انكشاف الجريمة. كانوا يتقدمون كما لو أنهم حيوان مفترس بآلاف الأقدام والأيدي، بصوت واحد : عاش الملك ! عاش الملك ! لما وصلوا، على مقربة مني في "الشارع الكبير"، وأمام "مقهى مارنتييه"، حيث كنتُ موجوداً منذ نصف ساعة، اعتقلوا من أمام بوابة المقهى الأخوين فيرس والمواطن غاليبير، من مناصري الأمبراطور المعروفين؛ ثم أجهزوا على المحامي أنكليس الذي ظن أنه قادر ببلاغته على إيقافهم، على تحكيم العقل في ما يُقْدِمون عليه.

خرجتُ يومها من المقهى، وسلكتُ طريقاً أخرى طلباً لبيوت "المماليك"، كما يسموننا على الرغم من انقضاء أكثر من أربع عشرة سنة على وجودنا في فرنسا. كنت أتوجس من وصولهم، وإن لم يكن لي أي رابط عائلي بمن كانوا يسكنون في هذه الأحياء الفقيرة. ما استطعتُ إليه سبيلاً هو أنني أبلغت أحد المسنين ممن عرفوا والدي في مصر بلزوم الهرب، إذ إنني كنت أسارع الخطى للوصول إلى "شارع الكانوبيير"، إلى حيث أعمل في أحد المكاتب التجارية. كانوا يحملون عصياً، في الغالب، والبعض سيوفاً، فيما يقتلع غيرهم بلاطات الشوارع التي يندفعون فيها، مثل "شارع نواي" أو "ميدان سان لويس".

دعاني صاحب المكتب إلى الاختفاء في جهة خلفية من المبنى، لكن الأخبار كانت تصلني من الزبائن وغيرهم ممن تدافعوا أو طلبوا الحماية فيه.

أخبار الزنجيتين المبقورتين في الشارع، على مرأى كثيرين، وبمشاركتهم، بلغت القاصي والداني في مرسيليا، إذ شارك غير متظاهر في غرز طرف سيفه أو حربة بندقيته في جسدَيهما. كانتا تتلقيان الطعنات، وتركضان، وإذا بي ألمحهما من على سطح البناية لما اتجهتا مذعورتين، جريحتين، في اتجاه المرفإ. اختفيتا تماماً عن نظري، فيما علمتُ بعد وقت أن الثانية منهما ماتت صريعة، برصاصة في رأسها، ونجحتْ في الوصول إلى المياه ولكن قتيلة.

يبدو أن المصريين لم يتحركوا أبداً. ومن بلغَهم الخبر لم يصدقوه من دون شك. حتى خبر الزنجيتين بقي أسير الزنجيتين، فلا يخص المصريين أبداً، ما دام أنهم أقل سواداً من سحنة هاتين. كان للخبر أن يصل إليهم، خاصة وأن الجموع تنقلت بين شوارع كثيرة، مثل "بوفو" و"ساحة لاباي" و"بارادي"، مروراً بمقر البلدية، قبل أن تخرج من حدود المدينة لتبلغ الأحياء الفقيرة. كانت قد مضت ساعات طويلة، بطيئة، منذ انطلاق التظاهرة صباحاً، قبل أن تصل الحشود في نهاية بعد الظهر إلى أمكنة سكن المصريين، ومنها "ساحة كاستيلان".

كان رفاق الغربة مشغولين بأمر آخر، ما انتبهتُ إليه عند مروري العجول بحيِّهم، وهو الاحتفال بزواج أحدهم من صبية مصرية لا تسكن عائلتها بعيداً عن عائلة العريس. احتفال غنائي، قبل مراسم الزواج، في انتظار "ليلة الدخلة". العريس قبطي، ابراهيم المنصور، الذي كنت أعرف والده، والعروس ماريا دمنهوري.

تأكد الجمع السعيد من هول ما يتهددهم في الساعة السادسة مساء. لم يكن أمامهم سوى الهرب، من دون تلكؤ، فيما احتارت زوجة بما تفعله بزوجها المُقعَد، أو أمٌّ بطفلَيها الصغيرَين، فيما لم يجد بعضهم الآخر في أقدامه ما يمكنه من الركض السريع.

كانت تصل أصواتهم المزمجرة قبل وصولهم، على ما أخبرني منهم من نجحوا في الإفلات من رصاصهم الملعلع في تلك السماء الصافية. هربوا، وما لبثوا أن تجمعوا في ممر "ميدان غوفيه"، وتدبروا على عجل إقامة حاجزين، مثلما فعل بعض المصريين في بعض شوارع القاهرة لمقاومة جيش بونابرت، فيما كان عدد آخر منهم يسلك شوارع أخرى تؤدي إلى البحر أو إلى مرتفعات "مازارك". كانوا أينما ينتقلون أو يهربون معروفين : بألبستهم الشرقية، التي تعيق حركتهم من دون شك، وبعمائمهم التي يتمسكون بها فيما تتساقط من رؤوسهم، وبسحناتهم المحروقة التي تزداد لمعاناً مع الشمس الغاربة، وبأحذيتهم الخفيفة التي تساقطت من أرجلهم. هكذا أتيح لي رؤية بعضهم من السطح، وهم يتدافعون هاربين وسط "شارع الكانوبيير" في اتجاه المرفإ، كما لو أنهم يعودون – أخيراً - إلى أوطانهم البعيدة.

أمضيتُ ثلاث ليال في مكتب الشركة طوال الأيام الثلاثة التي استغرقتها هذه المجرزة. كانت تكفي المتظاهرين إشارة بسيطة، وشاية حقيرة، لكي يجهزوا على العامل في مخبزة، أو عند بقال. وكانت هيئاتهم المغطاة بلباساتهم الخاصة مثل أدلة جريمة. ومن كان قد نجح في الهرب من بيته، أو من قضى فيه، ما كان يحتاج إلى العودة إليه، ولا إلى مقبرة، إذ ما لبثتْ فرق من المحتشدين أن عادت إلى هذه البيوت لتفقدها، لسرقة المتبقيات الفقيرة فيها، ثم لحرقها تماماً. 

لكن أعداداً منهم نجحوا في التخلص من المقتلة بعد أن نجحوا في اجتياز الفرسخين تقريباً، اللذين يفصلان المدينة عن مرتفعاتها، فوجدوا في أشجارها الكثيفة ما يعينهم على التلطي، على الاختفاء، على التقاط الأنفاس، وعلى تضميد بعض الجراح. فيما كان الأقوياء منهم ينظرون صاغرين إلى حريق بيوتهم، فيودِّعون بالنظرات، بالدموع، جدَّهم العجوز، أو قريبَهم المُقعَد أو الأعمى... ظلوا حتى اليوم الثاني يتابعون مناظر الحريق، ويبلغ مسامعَهم عويلٌ متقطع. قام المهووسون بالعودة إلى حيث خربوا وقتلوا لكي يخربوا ويقتلوا من جديد، بينما سعى البعض الآخر، في فرق مرتجلة، إلى تصيد "مماليك" آخرين. لم يُبقوا أحداً بمتناولهم من دون أن يعذبوه ويقضوا عليه. كم هاربٍ دفعوا به للسقوط من فوق الصخور التي احتمى فيها ! كم مزارعٍ قضى معلقاً في الأغصان التي كان يرعاها ويسقيها ! وما لم ندركه عياناً، لا أنا ولا غيري، اكتشفناه بعد أيام على شاطىء "مونترودون"، إذ لفظ البحر الصافي جثثاً كثيرة معتمة. فيما أبصرتُ في اليوم الثالث على المجزرة أكثر من عربة عابرة كانت تتكدس فيها الجثث قادمةً من "ساحة كاستيلان"... وماذا عمن هربوا من دون أن تحميهم أشجار الصنوبر العالية، فانتقلوا من قرى إلى قرى، واختفوا تماماً في اتجاه مدن فريجوس أو نيس أو تولون ؟ ماذا عن العريس المنصور والعروس دمنهوري اللذين اختفيا تماماً من دون أن نعلم شيئاً عنهما حتى تاريخ كتابة هذه الرسالة ؟ يؤكد البعض أنهما تمكنا من اللحاق بالجنرال برون في تولون، الذي بقي الحصن الأخير لمناصري نابوليون... ولكن ماذا فعلا بعد مقتل الجنرال في أفينيون إثر استسلامه ؟ لعلهما عادا سباحة إلى الإسكندرية لكي يبسطا هناك مأدبة عرسهما الناقص والدامي... هذا ما اعتقدَ به كثيرون، على منوال أخبار "ألف ليلة وليلة"، التي تغريهم ويتناقلونها من دون أن يصدقوها.

أتساءل، أيها الأستاذ العزيز، رفيق رحلتنا، أكانوا يقتلون أهلنا المساكين والطيبين أم ينتقمون من عظمة ذلك الرجل الأسطوري، الخالد، الذي سينجح من دون شك في إعادة الكرامة إلينا، وإلى البشرية جمعاء ؟ أتعلم أن البعض متأكد من أن له ابنة مصرية، من دون أن نعرف شيئاً عن مصيرها، بعد أن قيل بأن المشاغبين قتلوا والدتها وشنعوا بجثتها، بعد أن بلغَهم خبر علاقتها بنابوليون الساحر. ما لا يعرفه هؤلاء المجرمون السذج هو أن الرجل الخارق أفاق البشرية على الحرية، على المجد، ليس في فرنسا وحدها، بل في الربوع المحيطة بها. أتكون جريمة هؤلاء أنهم شهدوا معه، وصدقوا ما قاله لهم، وهو يتأمل إهرامات مصر؟ ألا يعلمون أن الرصاصات حين تنطلق ضد الأفكار، فإنها هي التي تتضرر وتصاب وتنفجر، لا الأفكار نفسها ؟".

(موقع كيكا الإلكتروني للأدب العالمي"، لندن، 23 آب-أغسطس 2016).