قياسا بالإنتاج الشعريّ الحديث عند العرب، نعني نتاج شعر الحداثة، ليس ثمّة ما يكافئ هذا الكمّ، كيفيّاً، في المجالات النقدية. الدراسات الأكاديمية الجيدة التي تعنى بهذا الشعر محدودة، وقليل منها ما يتسّم بالشمول والإحاطة بكل مستلزمات النقد المعاصر من أدوات منهجية وآليات تفيد من قديم النقد العربيّ أو من التشكيلات النقديّة الحديثة بمصطلحاتها ومفاهيمها الجزئية والكلية لناحية رؤيتها لهذا الشعر كنوع أدبيّ يختلف في عمق مقاصده عن أنساق شعرية عربية سابقة.

«الشعر العربي الحديث : كيان النص» (الصادر عن «منتدى المعارف») لشربل داغر هو استكمال لمسار نقديّ في الشعر العربيّ الحديث عند الكاتب. إنه محاولة لفتح مجالات في الرؤية إلى القصيدة العربية الحديثة بمجالها الحيويّ. مجالات لم تكن بالضرورة داخلة في دائرة النقد العربيّ الحديث. إنّها رؤية تهضم منتجات النقد الادبيّ المعاصر (الغربيّ غالباً) وطرائقه في تعريف النصّ. وهي، إلى ذلك، رؤية قادرة، بحدود بعيدة، على استخدام بنية مفاهيمية صلبة وتوظيفها في فهم هذا الشعر الجديد الذي من الواضح أنه يكاد تقريبا يقطع مع أشكال ومقاصد الشعر التراثيّ وإن كان لا يخرج عن كونه ينتمي إلى دائرة حضارة اللغة العربية.


اشتغالات
يتكشف، في حيز النقد المقارن، إمكانُ سبر مساحات «ما قبل النصّ» بما هي مناطق سريّة محجوبة وغائبة عن آليات اشتغال النقد العربيّ الحديث وعن تعالقات النصّ باعتباره صناعة متأنية لا تكون ناجزة ومكتملة من دون مرورها بتقنيات الشطب والزيادة والنقل والتعديل والتنقيح. هذا المجال «الما- قبل نصيّ»، يُعتبر فسحة أساسية في الفهم النقدي اللاحق لإنتاج الشاعر، أيّ شاعر مكرّس، إذ يضيء على سياقات خفية وهواجس وتبدّلات ذاتية في نفس الشاعر. إنها سياقات لازمة الدرس لتقديم نقد معقول لتجربة شعرية منجزة. هذه المساحة هي مساحة مغيبة في النقد العربي المعاصر إذ إننا، بحسب داغر، نكاد نفتقد وثائق ثانوية من مسودات أو رسائل شخصية محفوظة في تجربة الشعراء العرب، ما خلا ندرة من الأسماء. وهذا بالغ الأهمية إذ يكون في مجمله العدّة الفعلية للنقد، على عكس تجارب الكتاب الغربيين الكبار الذين يحرصون على جعل المسودات والرسائل الشخصية أو أي مخطوط، شاهداً وأثراً يعين النقد بعد التأكّد من ثبات جودة التجربة بعقود. فضلاً عن تأنّي الغربيين في مسألة ظاهرة طباعة الأعمال الكاملة خلال حياتهم واختلافهم في فهم دوْر دار النشر كواسطة حيّة وفاعلة في التقدير والتثمير.

إضاءة داغر في «حيز ما قبل النص» على تجربتين أساسيّتين في الشعر العربي الحديث (السيّاب وأدونيس) تعكس، في العمق، هذا النمط من تعامل الشعراء العرب مع نصوصهم وكتاباتهم، أحياناً، بطريقة تتجاوز السعي إلى التجميل الفنيّ الشكلانيّ أو المتنيّ من خلال استبدال لفظ بآخر أو تبديل التركيب لتعميق المعنى، بل إن الحذف أو الزيادة أو دمج نصف مجموعة شعرية بعد صدورها بمجموعة لاحقة ثم التكلم عن «صيغ نهائية» هو عمل قد يكون تجاوزاً وافتئاتاً على التجربة الشعرية باعتبارها صارت، إثر النشر الأوّل، (طبع المجموعة الأولى) نصّا يمتلك القارئ فيه مستوىً من القول والتأويل أيضاً. يبدو ذلك ساطعاً في تجربة أدونيس وبالتحديد نصّه المتقدم «قالت الارض».

 

البنية والتأويل

التفتّح على النقد المقارن يضعنا إذاً أمام وحدة شكلية «لفظية» اسمها النص/القصيدة. لقد صرنا نرى إلى النقد من خارج اقتصاره على مفهوم الثنائية التراثية، اللفظ/المعنى أو تشكيلته المحدثة الشكل/المضمون بل إننا، أمام لفظ أو «هيئة لفظية» مركبة من حيث نحوها ثمّ من حيث وزنها ثمّ من حيث معناها. إنه «النص الماثل»، بتعبير داغر، إذ يفترض حضورا وتأويلا ويظلّ متكئا على نوع من التآلف بين هذه الهيئات الثلاث. نعني مستوى الوزن في ائتلافه مع المعنى ومستوى النحو في ائتلافه مع الوزن ومستوى النحو في ائتلافه مع المعنى. ويضاف إليها بنسبةٍ مستوى آخرُ هو القافية. إننا أمام مستويات ليست منسجمة بالضرورة بل تتمتّع بقدر من الانسجام ضمن الوحدة الكبرى. كذلك لا تكون الرؤية ناجزة إلى هذا الشعر دون النظر إليه باعتباره أيضا «نصّاً شفافاً» إذ يكون عرضة لهيمنات أو تواؤمات إذ يتمرأى بتجارب مقارنة ومدارس شعرية معاصرة. إنه نوعٌ من «التثاقف» الذي يمهد في العادة أرضيات التناصّ في أيّ حضارة كبرى كالحضارة العربية عرضت لها، من خارجٍ، خلائطُ أدبية وفلسفية في أطوار متراكبة من السلم والحرب.

قد تكون «أشكلة» هذا الشعر وتعريفه في محيط نشأته من خلال طرحه على نماذج مدرسية مقارنة في النقد، بنيويّة أو تأويليّة هو المفتاح لموضعة النصوص في إطارها النقديّ اللازم قبل التفصيل في القصائد والأسماء ذاتياً ومحاولة تدويرها في المحيط الاجتماعيّ والثقافيّ. الأشكلة إذاً تبدأ من حيث الرؤية إلى الشعر الحديث أو القصيدة في كونها نصّا أو وحدة شكلية تكثّف الوجود المعاصر المعقد وتملأ باللفظ مساحات تظل بحاجة إلى متلق يؤول هذه المساحات ويعيد تشغيل النص بعد الخروج من أسر مذاهب معينة (اللسانية البنيوية مثالا لا حصرا)، تقيّد أو تعزل النصّ غالبا ضمن تقنيّات صارمة. تشغيلٌ سوف يؤنسن النص بالضرورة ويعيده إلى التاريخ كفاعل ومفعول في آن.

(جريدة "السفير"، بيروت، 22 آب-أغسطس 2016).