ثلاثيّة القصيدة والشاعر والشعر تختصر الديوان الأخير، "دمى فاجرة"، الصادر للأكاديمي والكاتب والشاعر شربل داغر لدى "دار العين للنشر". هذا الثالوث المقدس، هو ثلاثة أقانيم في واحد، "الأنا" الشاعرة. في هذه العلاقة ليس ثمة من مُنتصِر، أو مسيطر، أو مستفيد، بل ترابط وتَعالق ووحدة حال.

لا يكاد الفضاء العام للنصوص يخرج عن ثيمة طقوس الكتابة والعلاقة الملتبسة للشاعر بقصيدته، بكدَرها وصفوها، بعذابها وعذوبتها، بأرقها ومتعتها، لولا القصيدة الاستهلالية "حبي الكريه" الذي يحمل عنوانها تعارضاً، وانزياحاً دلالياً، يبيّن الاختلال في العلاقة بين الأنا والآخر، أو الانفصام إذا جاز القول، حيث تتنازع النفوسَ الأهواء والشهوات وتُمسي في صراع دامٍ، فتحضر الضغينة التي "لا تلوي على شيء/ غير الانتظار/ في صمتها/ في حشدها المتمادي"، مندفعةً "فوق أنفاس الصامتين/ ممن خبروا الموت قبل أن يموتوا،/ ممن حصدوا سنابل الوقيعة قبل موسم الأحقاد/ ممن بكوا من دون أن ينفكوا عن مواعدة خصومهم". لا يلبث الشاعر أن يعود إلى الصراط المستقيم، إلى كنف معشوقته ومعبودته، "القصيدة"، التي يصرف لكل حرف ما لا تصرفه شاكيرا لطلّتها كما يقول، على رغم ما يتكبّده من عناء لذيذ ووحشة "آسرة" لا يعدوان كونهما حالاً من أحوال الوجد والهيام. والعاشق الحقّ لا يطلب مقابلاً لحبّه، بل يكتفي بقربها (القصيدة) مانحاً إياها أجمل أيام حياته وأثمنها، متفرّغاً بكلّيته لها، منقّباً عن كلماتها أبعد من المجرات، فيما هي "لاهية"، تتغاوى دوماً في أبهى ورقة، وتنطّ من شرفة قارئ إلى آخر. لذّة الشاعر، إذاً، هي في ما يعايشه من لحظات مخاضٍ وانخطاف ومكاشفة لا في النتيجة بعينها: "ما يشغلني في القصيدة كما يشغلني في الحب، أي ما يجري فيها، لا الوصول في حد ذاته".

لا يغيب الحسّ النقدي عن نصوص الكتاب، فيبرع الشاعر في تجسيد فكرته عبر صور بيانية مبتكرة كقوله: "للقصيدة طابخ واحد/ خادم وحيد/ وساهرون لا يطيقون الأكل في الصحن مرتين"، وفي تفاعل القارئ مع هذا الذي يكتب: "مثلما يغني المطرب، إذ يلوي رقبته شمالاً ويميناً/ وذاك يرثي، في طقس كربلائي... القارئ، هنا وهناك، يصفق أو يبكي من دون أن تغطس يده في دفق المحابر"، وفي تعاطي الشعراء مع القصيدة، فثمّة من يتوجه إليها "بثقة الموظف"، وآخرون "يفكرون في عبد الحليم حافظ، عندما يغمضون العينين، ويصغون لدبيب النغمات في الأذنين"، ومنهم من يقبلون عليها "مثل من يعتلي منبراً: أمام حفل أو قبيلة، للعزاء أو للنشيد"، أو "يزعقون على مقربة منها... ويمدّون ألسنتهم للتلوي". للخاطرة الحكمية أو العِبرة حضور يزيّن النصوص ويمنحها بريقاً وعمقاً لافتين، كقوله: "للأصوات شموع لا تحترق إلا ليلاً"، أو "الزمن يغسل، لكنه لا يكوي ما جفّ تحت شمس الخيبات والانتظارات".

يبقى الشعر لشربل داغر هو "أن أكون أخف من فراشة، وأرق من دعسة طفل فوق تراب موحل. أن أكون، من دون عمر، من دون ماض، من دون مستقبل في اللحظة عينها مثل أبد، مثل فسحة الضيف في الصيف".

(جريدة "النهار"، بيروت، 20 أيلول-سبتمبر 2016).