"الشعر هو أن أكون، من دون عمر، من دون ماض، من دون مستقبل، في اللحظة عينها مثل أبد، مثل فسحة الضيف في الصيف".

(داغر، شربل. دمى فاجرة، القاهرة، دار العين للنشر، 2016، ص181)

 

في كل مرة يجفّ فيها ماء الابداع، ويمتدّ التصحّر الفكري قدماً، يتّجه النظر نحو أفق جديد، نحو إنتاج غير مألوف، نحو قصيدة تخرق العادة، وتفتح فسحةً للتأمل والسفر في رحاب المعنى، بحثاً عن فكرة، عن حنين، عن صورة... بحثاً عن أنا أوشكت أن تضيع وسط ضوضاء تحيط بها وتكاد أن تخنقها.

أن تفتح صفحات شربل داغر الشعرية، هذا يعني أنك قارئ لا يهوى التسطيح، ولا يتمتع بالإقامة في التقليد، ولا يكتفي بالتلقّي البارد لما يُقدم له. أن تألف نص داغر الشعري، هذا يعني أنك شريك في صنع المعنى، رفيق في رحلة الحفر عميقاً داخل اللغة كما في طيات الذات. أن تتكشّفَ صورةَ الشاعر في القصيدة، وتتلمّس من خلالها صورتك، بوجعها وقلقها وابتهاجها، فهذا يعني أنك دخلت في الحداثة الشعرية، وخرقت الأوزان الرنانة لكي ترتقي نحو الكلمة التي بإمكانها أن توحّدك مع نفسك ومع الآخر.

يسعى الدكتور شربل داغر، الشاعر والباحث اللبناني، في كتبه الشعرية التي تفوق العشرة، ومختاراته الشعرية بأكثر من لغة التي تزيد على الستة، وفي كتبه ودراساته في الشعر التي تعد بالعشرات...الى خوض تجربة فريدة، تجربة العيش في القصيدة، والتماهي معها، واعتبارها كياناً مستقلاً: لها عالمها، لها خصوصيتها، لها لغتها، لها احتفالية خاصة بها، احتفالية الوجود.

من هنا، أودّ أن أسلّط الضوء على أهمية القصيدة عند داغر، في زمن احتلّت فيه الرواية مكانة مرموقة، وسيطرت الصورة على معظم شاشات الوعي لتحتلّ حيزا يتسع بسرعة كبيرة. وكأن في الكلام على القصيدة خروج عن الزمن المحدود بالارقام والصفقات في اتجاه أفق آخر، له طعم الماوراء، وقلق السؤال عن الذات، والسؤال عن القصيدة كـ"أنا" وكـ"آخر".

 

شهوة القصيدة

أشعلَت الرغبة بالقصيدة كيانَ شربل داغر بنارٍ لا تخلّف رماداً بل شغفاً لا يُطفئه ضجر، وإبداعاً لا يؤطّره نسق، وتحليقاً لا يحدّه أفق. إنها القصيدة المتلبّسة بجرم الاشتهاء، تتمدّد على شاشته الإلكترونية لتبعث فيها روحاً يُحيي رتابة الصور، وتفتحَ نوافذ مشرّعة على مشهدية يتمايل فيها الكلام ليفسح المجال لعمل الخيال واجتهاد العقل في آن. "كشاشُ ألفاظ" هو، "قناصٌ محترمٌ" يتلصص على المارين العجولين، "يباغت، يقطف على عجل زهرة المفاجأة، لمعانَ الخطى: قناصٌ محترمٌ وجعبته وليمةٌ لغيره".

(داغر، شربل. إعراباً لشكل، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 2004، ص152)
القصيدة محركٌ قائمٌ بذاته، لها أن تولّد، أن تبعث، أن تمزّق، أن تقوم بما يحلو لها. تقوده إما إلى كتابتها، أو إلى البحث فيها والتنظير في كيفية انبثاقها. من الصعب أن نجد له مجموعة شعرية خالية من الكلام على القصيدة وفيها. إنها المحور. إنها "جسده الثاني"، تقوله، تفضحه، تبوح بعطر أنفاسه، هي التي تكتبه. إنها الفاعل، وهو المتلقّي. يقول في مجموعته الأخيرة "دمى فاجرة": "أقبل على القصيدة على أنها أقرب الى جلدي، الى هبوب أصواتي، هي التي تجمعني في شتاتي، في توزعي، في تغيري".

(داغر، شربل. دمى فاجرة، ص180)

لا يسعنا الا ان نبحث هنا في ما اذا كان الشاعر يسكن القصيدة أم هي التي تسكنه، أو تسكن فيه؟ هل هي صوته؟ أم هو صوتها؟ كيف السبيل الى تبيّن خفايا هذه العلاقة المربكة؟  

يبدو وكأن الشاعر مقيم دائماً في قاعة "ترانزيت"، يتهيأ للرحلة التالية. يسكن في سفر دائم في فضاء المعنى. لا يعرف الوصول، بل تراه يستريح فقط استعداداً لإقلاع يليه إقلاعٌ بعده إقلاع... معه لا يصل الكلامُ بل يميل. رواحٌ ومجيءٌ بين الألفاظ ومعانيها، لا يهدأ حتى يستقرّ في وعي المتلقي ويبدأ بالنخر فيه والرسم في خيوطه.

القصيدة عنده " لا تنام، ولا تواعد أحداً

تتمشى أمام مرآتها

من دون أن تمسك بضفيرتها

لعوب، وجسورة:

تعطي قبلتها

لمن يشتهيها".

(داغر، شربل. القصيدة لمن يشتهيها، بيروت، دار النهضة العربية، ط1، 2010، ص53)

تتحول القصيدة عند داغر من منتج فكري إبداعي  يُلقى على منبر ويُتلقى بالتصفيق، الى موضوع للتأمل والتفكير. يُخضعها للتحليل والتفكيك، ويعود بها الى نشأتها الأولى، الى فعل انبثاقها من المصدر. لا يتوانى " عن الطرق على البوابة عينها، أي السعي صوب القصيدة نفسها، في نوع من التفقّد، ومن الاستراحات أيضاً. هي لا تكون، عند ذلك، سوى التقرّب منها. سوى التمتّع بها، في لقاءات فجائية وعابرة. سوى هذا اللغز المنشّط. سوى هذا التحرّش الذي يلتذّ، ويتلاذذ، بمجرّد حصوله. جلسة حميمة على أنها قد تكون لغيرها".

(داغر، شربل. لا تبحث عن معنى لعله يلقاك، القاهرة، دار شرقيات، ط1، 2006، ص 8)

 

 

مقيمٌ في النص

إذا توقفتَ عند نص شربل داغر، لا تعثر على بصماته فحسب. فالبصمات آثارٌ يُستدلّ بها على غياب صاحبها. تجده مقيماً في نصه، أشعراً كان أم نثراً. تلتقيه في الواقع المعيوش كما في النص المكتوب. إنه هو هو. حتى إنك تسأل نفسك معه: هل هذا الرجل "يعيش لكي يكتب؟" أم "يكتب لكي يعيش؟" نادراً ما ينصهرُ فِعلا العيش والكتابة على هذا النحو. نجده يقول: "إذ ندع الكائن الشعري الذي فينا يخرج، نحيا، ونتأكد من أننا نحيا: يخرج في الهيصة، في الصيحة، في الرغبة المبحوحة، في هديل أجنحة الأمنيات". (داغر، شربل. دمى فاجرة، ص182)

شغفُ الحياة يتفجّر في الكتابة، قلقُ الوجود يربض فوق أنفاس النص، خيبة السياسة وانكسار الانتظار يضبطان علامات الوقف في ما يُكتب. جرح الوطن ينزف متخفياً في "مواكب الجُمَل". عناء البحث الرصين، والإشتغال على الذات، وتحصيلُ أفضل ما توفر من مناهج وعلوم، أمورٌ تستحوذ على عمر بكامله، يتمّ تقديمها بسخاء للقارئ في وليمة ممدودة على وسع الرغبة في اللقاء. يقول في ديوانه "إعراباً لشكل" مشيراً إلى علاقته بما يكتب، بالقصيدة تحديداً، كما يأتي: 

"أرميها أمامي ولا ألبث أن أتعقبها

على أن فيها ما يفيد عني:

ما أخفاني في ما يصدر عني!

برتقالة هامدة فوق طاولة اللفظ

من دون أن يكفي لونُها

لبناء فقرة".

(داغر، شربل. إعراباً لشكل، ص120)

انت لا تقرأ نص شربل داغر بل تعاشره، تحاوره، تجادله بالتي هي أحسن، فتخرج بعد ذاك مزوداً بشحنةٍ من المعاني والاسئلة الممتدة الى أفق الماوراء.

يخبرك عن ماضيه وحاضره مع انسياب المشهدية النصية. يفضح لك اسراره حين يعالج موضوعاً معرفياً او تقنياً بحتاً كانبناء القصيدة مثلا او كيفية انبثاق المعنى. انه مندمج في كتاباته "اندماجا بات يستحيل الفَكاك منه،او التراجع عنه".

 

بين الشاعر والمتلقّي

بارعٌ  هو في فن المباغتة.

يضع في وجهك صوراً ومشاهد تستفز قدرتك على الفهم والتفكر.

يناديك الى حيث هو.

يجبرك على المغامرة. يرمي بك في رحلة البحث عن المعنى.

لا يكشف عن مكنوناته بسرعة الهادف الى الاغراء، بل يظل يستميلك اليه، الى أعماق تجربته الوجودية، الى إشكالياته العالقة في دهاليز قلقه. رويداً رويداً، ومن دون ان تدري تجدُ نفسك متورطاً في نص شربل داغر الشعري كما النثري.

تحتار في أمرك. هل أنت تقرأ نصاً فلسفياً مخضباً بالميتافيزيقا، ممتطياً الشعر غواية؟ أم انك أمام مجموعة من اللوحات المجردة المعلقة على حبال الهوى، ما ان تظن انك اقتربت منها وسبرت أغوارها حتى ترى نفسك بعيداً،لا تزال مسافة التاويل تفصل بينك وبينها؟

 متمرسٌ بعشق العربية، فنانٌ في نحت عباراته وابداع مصطلحاته، ادواته: منهجٌ ووعيٌ وسعةُ اطلاع. لا يساير.لا يتنازل عن جديته ولا يرحم جهلك البتة. أنت مجبرٌ على مواكبته لان جمالية نصه تنصُب لك كميناً تعلقُ في داخله مُمتنّاً لانك تجد فيه كنزاً وفيراً.

تبدأ بقراءة قصيدته وانت لا تعلم ما الذي ينتظرك في آخرها. انه التشويق الممهور بختم الابداع. انه الخروج على المألوف واجترار نموذج سبق. لذلك يمكن القول انك عندما ترغب بأن تقرأ أي مجموعةٍ شعريةٍ له، ستجد نفسك تلميذاً جالساً على مقاعد القصيدة، تتركها تتكلم لتخبرك عن مكنوناتها، وتدرّبك على استخدام مفاتيحها، وتحدد لك رمزية مصطلحاتها.

يسمح شربل داغر لقصيدته ان تلاعب قارئها.

ألفاظها مشرعةٌ على اكثر من احتمال.

نادراً ما تجده يحّرك لفظاً مشكلاً، او يشدّ حرفاً معيناً فيه. يريد ان يترك لك خيار القراءة واستنطاقِ المعنى الساكن في كلماته.

شربل داغر يحترم قارئه. يراه ذكياً، مثقفاً، مستهلكاً محترفاً لانتاجات الحداثة ولابداعات التراث.

يسمح لك حين يتوجه اليك ان تتبناه، مستعدٌ لان يمحي اسمَه ويقدّم لك أشهى ثماره. هو الذي "أقبل على مهمة لم يكلفه بها أحد، ولم يتعهد له أحد بأنه سيكون في عداد مستقبليها".

مخاتلٌ اكثر مما هو مصمم، ومراهنٌ اكثر مما هو صادحٌ بالاقوال الاكيدة. "هذه المخاتلة يوفرها الشعر وحده، فيبدو في خفّته شديدَ الجدية، وفي لعبه جسيماً، وفي سفره اكثر اقامة في جسد الكائن، في جسد الكون، بوصفه بيت الرغبة".

(داغر، شربل. اعرابا لشكل ص 14).

ينهمّ شربل داغر بالعلاقة التي تربطه"بالموقع، بالانسان، لا بمكانتهما"، فهذه العلاقة"هي التي تملي المعنى وتنتجه في القصيدة"،لا يأبه بالتعيينات السابقة ولا بأشكال الموروثات المتعددة. حتى انك تجده حين يُقبل على قراءة ما كتبه يتصرف وكأنه لا يعرف نصه من قبل. نجده يعبر في أكثر من موضع قائلاً: "يبدو النص غريباً في ناظري، مكتوباً من غيري، وموجها ًلي ولغيري في آن".

هذا الامر قد جعله اكثر قساوةً بحق نصه، يمارس النقد باحتراف الممعن بالتجريد والموضوعية والنظر الثاقب. بامكانه ان يفتعل المسافة بينه وبين نفسه. هو المقيم دائماً في الامكان، في الاحتمال، في الذي لم يتحقق بعد. ساكنٌ في العبور، مُتَمترسٌ خلف حقيبةِ سفره، جالسٌ بلا تردّد في مقعد "الترانزيت".

لا يترك لك مجالا لتسأله من أنت؟ فهو يبادر بالطرح والاجابة: انه جوقةٌ او مجموعة من أصوات، ربما من أنوات"، قيد التحقق. "هو ليس واحداً لكي أعرفه، وأتيقن منه. هو نفسه وغيره، بعد ان دبّرت له الحياة مسارات، حادَ عنها او سلكها"...". فشربل الان هو مجموع الانجازات الحاصلة وغير الحاصلة كذلك. وهو حصيلة ما عمله وحلم به من دون رسم واضح بالضرورة، بل بالتوافق مع ممكنات أتيحت له، فأحتفظ ببعضها وأسقط بعضها الاخر"..."ما يمكنني قوله عن شربل هذا هو انني تعلمت العيش معه بعد مجاهدات ومكابدات،والتحاور المديد معه...أعايشه، ولكن من دون ان أعرفه بالضرورة، لانه قيد الاتيان، والصداقة مثل الحب، تحتمل بين طرفيها مقادير كبيرة من الجهل والغش والوهم...".

(الكيلاني، مصطفى. شربل داغر: الرغبة في القصيدة، أنظر، حوار بين داغر والشاعر عمر شبانة،القاهرة، دار شرقيات، ط1، 2007، ص196˗198).

هذا الوضوح في الرؤية الممزوج بالغموض المشوق لا ينفك يعتريك كلما اقتربت من تحديد هويتك، والتعّرف الى مسارك علّك تكشف عن اناك من تكون. أحسن شربل داغر في التعبير عن هذا الكائن المسافر دوماً في رحلة البحث عن معنى الوجود متخذاً القصيدة وسيلةً وموضوعاً في آن.

"لا يمكننا تعريف القصيدة، لكننا نتعرف عليها: في صعوبتها العصية على التعريف، في زوغانها عن اي تحديد". اعلان يبثّه لنا في مقدمة مجموعته "تخت شرقي"، ويضيف موضحاً: "يحلو لي تسمية القصيدة بالبلورة، اي التي لا نقوى على الامساك بها، بل على النظر اليها من زاوايا عديدة، ومنها النظر السابر لها من ناحيةٍ الى اخرى...". ثم يضيف في النص عينه: "القصيدة "تخبر"، ولكن على طريقتها، التي تستجمع في كثافةٍ جمعاً متعدداً من الخبرة والثقافة والتجربة، ومن"إلحاحات"الشاعر نفسها، في مبنىً كتابيٍ"يشع" في اخباره وتعيينه، ويرسم جواً ومناخاً، ينفُذ الى عميقنا، الى ما يجعلنا ننفعل، ونبتهج وان في الحديث عن الحزن".

يستحسن داغر التحدث عن "كتابية" القصيدة الحديثة بدلا من شفويتها او خطابيتها. فالقصيدة الحديثة  بالنسبة اليه هي " للقراءة لا للسماع، حتى وإن جرى القاؤها على جمهور: تفتقد هذه القصيدة، إن ألقيت، شيئاً كثيراً مما يؤلّفها، مما قامت عليه في مبناها، في شكلها الكتابي".

(داغر، شربل. لا تبحث عن معنى لعله يلقاك، ص10).

هذه القصيدة مدعاة للتأمل لا للتصفيق، إذ إنها محطة للولوج الى الأعماق، حيث الأنا تتمخّض في ولادات مستدامة. وهي بذلك تأخذ القارئ في رحلة شاقة الى مكامن الالم والقلق والبحث عن الهوية...

 

الشعر العربي الحديث موضع دراسة وتمحيص

من النادر أن نجد شاعراً يبحث في الشعر، ليس فقط في شعره هو، انما في النتاج الشعري بعامة، لينبش تاريخه، ويستدلّ على مضامينه المخفية، وعلى علاقته بالوجود، وباللغة في آن، ولينظّر مطولاً في العلاقة بين القصيدة والزمن. يعتقد بأن "الشعر يقع دوماً، وإن افترق، في الوجود، في اللغة، في ملكة القبول الاجتماعية والتاريخية للمعنى، لا خارجها أبداً".

(داغر، شربل. لا تبحث عن معنى لعله يلقاك، ص12)

انهمّ شربل داغر بالشعر العربي الحديث، فانكب على دراسته وفق المناهج النقدية الحديثة، كاشفاً حقائق غير مسبوقة، وداحضاً بعض النظريات الرائجة حول بداية الحداثة، والزمن الحديث. أنتج سلسلة من أربعة كتب تبرز بوضوح أهمية الشعر لديه ليس فقط لكونه شاعراً انما دارساً محترفاً للشعر، وهي على التوالي: الشعر العربي الحديث: القصيدة العصرية، والشعر العربي الحديث: كيان النص، والشعر العربي الحديث: القصيدة المنثورة، والقصيدة والزمن.

نراه يحطّ الرّحال بعد جهد سنين عند "الشعر العربي الحديث"، إذ انشغل منذ فترة طويلة بالبحث في القصيدة، في تكوّنها، في كيفية صدورها، في تبدّلاتها وما آلت اليه. همّه المعرفي قاده إلى سبر أغوارِ ما كُتب شعراً في الزمن الحديث. وفضولُه المتأججُ جعلَه يمدّ اليد ليقطف ما يحلو للنظر من قصائد موقّعة بختم الانتظار. انتظار عيون لوّنتها شهوة اللقاء. 

ذهب منذ الفجر يطارد فراشات رسمتها محابرُ التجربة والمعاناة. يجمع النادر منها، يقلّب أجنحتها، يتفحّص ما علق عليها من غبار الكلام. كعالمٍ في مختبر، يدقق، يقارن، يُقَيّم الإختبار. كفيلسوفٍ غارق في الماوراء يبحث عن سبب القصيدة الأول، عن المسكوت عنه فيها، يخط المنهج بتأنّ، كالسائر بين الألغام. بحرَفيةٍ عالية يُمسك بالقصيدة، يُلقي عليها قبضةً محكمة بنظره الثاقب، يفكّك طبقات معانيها، يسائلها، يستدرجها إلى حلبة البوح والإفصاح. كقاضٍ ظالم يحاسب نفسه، ويطلب منها المزيد من الاحتراف لتواجه بعنادٍ مخاطر الإبحار صوب "أفق المعنى". لا يرضى بما تيسّر، لا تكفيه حدود الإمكان. يتحرّى ويسترق النظر، علّه يوفّق ويعثر على ضالته.

 

السعي الى الجدة 

تجربتي مع نص شربل داغر، وضعتني، منذ اللحظة الأولى، في دهشة انفتاح الافق وتجلّي المعنى، وتجريد المحسوس، وهضم مكتسبات الحداثة على صعيد المنهج والإشكالية. كلُّ ذلك يرد في صياغة فريدة مغمّسة بالهم الفلسفي، والقلق الذي أشعل فتيل التفلسف منذ زمن، وألهب الذهن المتّقد وحثّه على سبر أغوار المعنى. هو الذي أحسن كيفية التنقّل بين علوم الإنسان واللغة، وامتصاص رحيقها، وإعادته إلينا بشكل مختلف ملؤه الجدّة والتفنن. له أن يزحزح الحدود، وَيعبُر الأفق لكي يُنتج ما يليق بفكر المستنير الناسك على قمة التوحّد والتأمل المجدي. ولنا أن نغرف من معجنه روائح معطرة بنبض الفكر المتجدّد والثائر على نفسه. 
يشتغل باللغة وفيها. العربية مداه الرحب. ألفاظها أجنحة تقوده إلى ما هو أبعد، تستنفِره لكي يعصُرَ تراكم السنين في كؤوس المعنى. اللغة بالنسبة إليه لا تُستعمل بل تُكتب. إنها مكان التجدّد والنتاج الدائم. إنها الأداة والموضوع، مهمّتها الرئيسة تكمن في تطوير الملكات الإنسانية. اللغة والفكر والتاريخ، محاور ثلاثة تحرّك دراسته للشعر الحديث، ولمفهوم الحداثة على وجه الخصوص. وتكمن نقطة ارتكاز مقاربته النقدية في التوقف مليّاً عند دراسة "التبيئة" التي تتعين في التثاقف، بين المجالين الغربي والعربي. يتوقف عند مفاهيم رئيسة في الفكر الأوروبي كالنهضة والحداثة مثلا، لكي يرصد كيفيات دخولها إلى الثقافة العربية، وما تعرّضت له من انقلابات مردّها إلى الإيديولوجيات التي سيطرت على الشعراء، وإلى العلاقات التي تربطهم بالسياسات، ما يشير إلى نقطة يتقاطع فيها السياسي مع الثقافي. 

توّاق إلى رصف مداميك متينة للحداثة في الفكر العربي المعاصر، من خلال الاشتغال على القصيدة كما حبكها إبداعُ أصحابٍ لها عبروا الأفق، وسكنوا الهناك. يميّزه أسلوبٌ تتشابك فيه السلاسة مع الصعوبة، بقيادة الانضباط الصارم، فلا مجال لمضيعة الوقت، ولا لهدر الطاقات. جدّي، يسكنه هوس الموضوعية، محترف يقوده شغف النقد. كل تفصيل له قيمة لديه، وكل عمل رصين يحفظ له مكانته، حتى لو ان اسم صاحبه لم يتربع بعد على أغلفة الصحف والمجلات. فالواجهة في هذا العمل ليست وحدها الهدف، إنما خلفَ الستارة. إنه التوجه نحو المهمّش، والمنسيّ، والقابع في عتمة الإغفال المتعمّد أو العفوي.

لم يبقَ شربل داغر قابعاً في شرنقة المقاربات الكلاسيكية للتجربة الشعرية الحديثة. أراد أن يطرق باب الجدّة، في البحث أولا عن الموضوع، وفي الاختيار ثانياً للمنهج. لم يحلُ له ترداد أسماء ونظريات تم استهلاكُها وعصرُ ما فيها من محتوى، بل خطا نحو ما هو غير مستهلك بعد، كما يفعل الشاعر تماماً حينما يريد مفاجأة القارئ وإدهاشه بصورة ما أو مشهدية غير متوقعة.

يمكن لنا أن نلحظ بأن هذه المقاربة للشعر العربي الحديث غير مسبوقة. ليس الأمر بالمستجد عليه، فإن صدف وتصفحتَ كتبه الشعرية سوف تنتبه سريعاً الى أن قصائده تتميّز بصياغة فريدة، ومشهدية تمزج بين المحسوس والمجرّد حتى الالتباس، ومقاربة جديدة للواقع تخرج منه لتعود إليه محمّلة بالمعنى.

قصائده لا تشبه حتى نفسها، لأنها متغيرة، تتجدد في كل مرة، رافضة حتى أن تقلّد نموذجاً سبق لها أن نحتته. وكأنه يتحدّى نفسه في كل مرة يقدّم فيها عملاً شعرياً جديداً. حتى أن قصيدته بات لها عدة أصوات وأصداء، متكلمون مجهولون ينبتون هنا وهناك على حافة المشهد الشعري.

لغته تتجدد مواكبة العصر وتطوراته. ألفاظه تحبك نفسها بصورة متجددة:" إنس أو دوّن.

دوّن لكي تنسى.

ضع نقطة قبل نهاية السطر، قبل أن تعاجلك الفاصلة،

وتدفعك الى قول ما لا تريد".

(داغر، شربل. دمى فاجرة، ص103).


(مجلة "ذوات" المغربية، العدد 29، 2016، صص 30-36).