جاء نشر كتاب البروفسور شربل داغر (لبنان) "الحُروفيّة العربية: فن وهوية"، في العام ١٩٩٠، خطوةً محورية وغير مسبوقة في الكتب التي تُعنى بتوثيق التاريخ والممارسات المعاصرة لما يتم غالباً الإشارة له تحت مسمى : "الحُروفيّة".

إن العنوان، الذي اختاره البروفسور داغر لهذا الكتاب، أتى في غاية الملائمة، إذ تتواجد علاقة قوية، في واقع الأمر، بين الهوية العربية وبين أحرف أبجديتها. ونرى ذلك في أمثلة عديدة، مثل تزيين المعلّقات لجدران الكعبة المشرفة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، ما اعتُبر نوعاً من التكريم لتلك القصائد المعروفة، علاوة على عرضها على العامة لتحصد الإعجاب والتقدير. ومع بزوغ فجر الإسلام في القرن السابع الميلادي، حازت الكلمة المكتوبة على مكانة أهم، نظراً لاستخدامها في تدوين الرسالة الإلهية. فقد قام زيد بن ثابت، كاتب النبي محمد (ص)، بتوثيق القرآن الكريم، والذي كان تتم كتابته حتى ذلك الحين على لحاء أشجار النخيل والحجارة البيضاء الرقيقة، كما كان يتم إملاء النص من قبل الصحابة الحافظين أو غيرهم ممن نسخوا الآيات الكريمة على أوراق ما لبثت أن جُمِعَت في كتاب واحد. وفي تركيا العثمانية، كما هو الحال في أجزاء أخرى من العالم الإسلامي، كان من شبه المؤكد مصاحبة دراسة الخط العربي المعروفة باسم الطغراء لكافة الوثائق الرسمية الصادرة من قبل السلطان. وحتى ظهور المدارس الحديثة في أرجاء شبه الجزيرة العربية ومصر، فقد كان يتم تعليم الأطفال من خلال إلحاقهم بالكُتّاب لتلقّي العلم.

وعلى الرغم من عودة جذورها إلى قرون عديدة خلت، إلا أن كتاب البروفسور داغر هو دراسة للنسخة المعاصرة من الحُروفيّة التي ظهرت في العالم العربي في أواخر الأربعينيات (من القرن المنصرم)، والتي يعزوها المؤلف إلى فنانين رائدين لعبوا دوراً بارزاً في هذه الحركة، كالعراقية مديحة عمر التي ولدت في حلب العثمانية وقدّمت أعمالها في معرض في واشنطن في الأربعينيات، إلى جانب الإيراني حسين زندرودي، وهو أحد مؤسسي مدرسة "السقّا خانة" الفنية التي أُسِّسَت في منتصف القرن العشرين، والتي تتقاطع رسالتها بين علم الهندسة وفن الخط. وعلاوة على ذلك، فإن الحُروفيّة هي أيضاً شكل من أشكال الفن الدينامي الذي لا يزال مصدر إلهام لجيل جديد من الفنانين من مستخدمي الوسائل الرقمية وفن الشارع في الشرق الأوسط وما وراءه. ويُعتبَر هذا الكتاب عن "الحُروفيّة"، اليوم، نصّاً مرجعياً هاماً للعلماء وجامعي الأعمال الفنية. فعلى سبيل المثال، تشير المؤرخة الفنية ندى شبّوط إلى هذا الكتاب في عملها المنشور في العام ٢٠٠٧ تحت عنوان "الفن العربي الحديث". وقد ذكرت لي البروفسورة شبّوط أن "كتاب داغر المحوري حول الحُروفيّة، باعتباره ظاهرة حديثة ولعلاقته بالهوية، قد أوضح طريقة بديلة لفهم الحرف في حيز الفن العربي في القرن العشرين". وأضافت قائلة أن الكتاب "قد قدّم محاولة للتصنيف المنهجي لما أصبح الآن تيّاراً دارجاً للغاية في الفن العربي".

كان أول من جذب اهتمامي إلى أهمية هذا الكتاب هو زميلي تشارلز بوكوك، مؤسس مكتبة نور الفنية والتي يقع مقرّها في "ميم غاليري" في دبي، وهي إحدى أكثر المكتبات شمولاً في الفن الشرق الأوسطي الإسلامي والمعاصر والحديث. أبلغني السيد بوكوك بعدم توفّر نسخة من الكتاب، كما رأى بأن ترجمة النص إلى اللغة الإنكليزية من شأنها أن تفتح بوابة أحد أهم العناصر الرئيسية في تاريخ الفن العربي الحديث إلى جمهور أوسع. أتيحت لي الفرصة بعد ذلك لحضور نقاش أداره البروفسور داغر  في تونس خلال فعاليات "منتدى جو" الثقافي في مايو ٢٠١٥، والذي استضافته مؤسسة كامل لازار، فاقترحت على داغر، في تلك المناسبة، فكرة ترجمة هذا العمل الهام.

يتم سؤالي باستمرار حول أي من الحركات الفنية الغربية قد ألهمت الفن في العالم العربي : هل كانت الحركة التكعيبية، أو ربما التجريدية التعبيرية؟ كنت أتمنى دائماً اقتراح نص من شأنه التركيز على التاريخ الفريد لهذه الحركة الفنية الحديثة في المنطقة. وبالتالي، فإن ترجمة هذا الكتاب هي جزء لا يتجزأ من رسالة "مؤسسة بارجيل للفنون" في توسيع نطاق معرفة الفن العربي من خلال المعارض والمطبوعات.

هذا ويحدوني الأمل في تسليط هذا النص المحدّث المترجم لضوء أوسع على حركة فنية لعبت دوراً هاماً في تطوير القواعد الفنية الحديثة والمعاصرة في الشرق الأوسط وإيصاله إلى جمهور أوسع.

(سلطان سعود القاسمي، رئيس مؤسسة بارجيل للفنون (الشارقة)، في تقديم الترجمة الإنكليزية لكتاب داغر : "الحروفية العربية  :فن وهوية"، دار سكيرا، ميلانو، 2016).