نظم "معرض الشارقة الدولي للكتاب" ندوة في مناسبة إصدار الترجمة الإنكليزية لكتاب شربل داغر : "الحروفية العربية : فن وهوية"، عن دار "سكيرا" الإيطالية، وأدار الندوة الشيخ سلطان سعود القاسمي، رئيس "مؤسسة بارجيل للفنون" في الشارقة. ومما قاله القاسمي في تقديم المحاضرة : "يجمع البروفسور داغر في كتبه عن الفن بين أكثر من طريقة كتابية وبحثية : فهو الفيلسوف، والمؤرخ، والموثق، والباحث، في الوقت عينه. ويحتل داغر مكانة مرموقة بين الباحثين العرب والأجانب في هذا الميدان، إذ قام بمساع رائدة في التعريف والتأريخ ودرسِ الفن العربي الحديث، وكانت له، في الفن الإسلامي، طريقة مجددة في النظر إليه، إذ عاد إلى المصادر الكتابية بالعربية لتفسير هذا الفن".

ومما قاله داغر في محاضرته : "نمتلك عن الفن، اليوم، صورة "سحرية" للغاية، تجعله أعلى قيمة من الماس أو الذهب أو غيرها من الأحجار الكريمة والنادرة. ونمتلك عن الفنان بدوره صورة "سحرية"، إذ تجعله القادر بضربة قلم، بضربة ريشة، ما يجعل عمله الفني يبلغ مئات الملايين من الدولارات. ماذا يجري ؟ كيف حدث هذا ؟ بقدرة من ؟ بقدرة الفن وحده أم بقدرات غيره أيضاً ؟

لو انتقلنا، اليوم، إلى بعض كتب التاريخ الفني، لوجدنا أن الحال مختلفة قبل مئة سنة ونيف. بعض الأرقام تكفي : لم يسمح، على سبيل المثال، للفنانين الفرنسيين بعرض أعمالهم الفنية على العموم وبيعها إلا في القرن الثامن عشر، وجرى ذلك في ساحة بعينها، في يوم بعينه في السنة، ولساعتين : قام الفنانون بعرضها فوق أقمشة خاصة مبسوطة على واجهات البيوت. كما لم تكن تعرف باريس قبل العام 1830 محلات متخصصة ببيع الأعمال الفنية...

الإشارات عديدة على أن الفن لم يصبح شأناً عمومياً قبل بدايات القرن التاسع عشر، بدليل عدم وجود مؤسسات "وسيطة" في تداول الفن، مثل محلات البيع وانتظام العروض والتسهيلات المالية من المصارف وغيرها.

شاركت في المعارض الفنية الجماعية في الثامن عشر 300 – 400 لوحة في السنة الواحدة، فيما بلغت في النصف الأول من القرن التاسع عشر معدلاً يفوق الألفي لوحة، و3478 في العام 1864، و3851 لوحة في العام 1885.

وهو ما يتحقق منه الدارس لو عاد إلى عدد زائري "صالونات" الفن ، إذ باتت في القرن التاسع عشر من العادات الاجتماعية، ولا سيما يوم الأحد :  بلغ في العام 1884 ما يقارب 238 ألف زائر، وفي العام 1887 ما يربو على 562 ألف زائر...

 

"طفرة" الفن

الجولة سريعة، لكنها دالة، على أن طفرة رهيبة أصابت الفن وقلبت نظام الفنون في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. هذا يصيب السوق والتداول، وهذا ما يصيب الخطاب عن الفن : بعد قرون وقرون كان الشعر فيها يتصدر عالي التفكير في الفن، بات العمل الفني يختصر وحده شاغل اهتمامات الجمالية، أي الفكر الفلسفي في الفن. هكذا انتقلنا من نظام "الفنون الجميلة" (الذي كان الشعر يعلوه ويتصدره) إلى نظام "الفنون التشكيلية" الذي أسقط الشعر وغيره من من نظامه وتفرد بنظام خاص يقوم على الفنون التي تجتمع حول ضربة الرسم وحدها.

أسوق هذا الكلام سريعاً لكي أبلغ مرادي، وهو أننا نعيش عهد الصورة بشكل متفاقم، لا نعرف حدوداً له. وهو عهد قيمة العمل الفني العالية. هذه القيمة العالية، أو فائض القيمة هذا، ما كان ليكون لأن الصنع تغير، ولأن مواد العمل الفني زادت قيمتها، بل لإن الإقبال على التمايز، على البروز، جعل من العمل الفني صورة لتمايز اجتماعي جديد، وجعل منه قبل ذلك كله : قيمة استثمارية عالية العائد.

ما أريد أن أشدد عليه، في هذه المحاضرة، هو أن المعنى شريك في رفع القيمة هذه.

يتحدث بيار بورديو في كتابه "قواعد الفن" عن وجودَين للعمل الفني : واحد "في الوقائع"، وآخر "في الرؤوس". وهذا يعني، في حسابه، أن قيمة الفن لا تتاتى فقط من الإقبال عليه، من شرائه، من حفظه، وإنما تتأتى قيمة الفن أيضاً من معناه، مما يُكتب عنه. وهو معنى كتابي لا يقل قيمة عن المعنى المالي. فالمقتني أو شاري اللوحة لا يشتري لوحة أو عملاً فنياً مثلما يشتري قطعة إلماس أو حجراً نادراً، وإنما يشتري مصنوعاً يمكن أن يصير نفيساً ونادراً، هو الآخر.

تروي الأخبار القديمة أن هارون الرشيد أيقظ ذات صباح زوجته زبيدة لكي يُريها مجوهرة ثمينة، فكان أن قالت له : أمن أجل هذه أيقظتني ؟! أصابت زبيدة التخمة مما رأت واقتنت من مقتنيات فاخرة وثمينة، إلا أنها ما كانت تتأخر، في أحوال أخرى، من التوقف لاستفسار معنى في بيت، أو للتمتع بصوت مغنية. وهو مثلٌ بين أمثلة عديدة، لها أن تُرينا أن القيمة التي نمحضها للأشياء والمصنوعات تختلف وتتبدل بحسب سياقات، لنا أن نتبينها وندرسها لكي نعرف تبدلاتها وتغيراتها. هذا ما يحصل اليوم في البورصة، وهذا ما يحصل في المزادات العلنية حول أعمال الفن.

ينساق البعض إلى الظن بأن هذه القيمة العالية أو المتراجعة تتعين في فهم "سحري" للفن، فيما أعتقد بان وراء قيمة الفن وغيره نظاماً اعتقادياً هو الذي يؤدي إلى رفع القيمة أو خفضها. وهي قيمة تتأتى مما يُحدثه المعنى ويشيعه عن الفن، وعن العمل الفني. فما المقصود بقيمة المعنى ؟

لقيمة المعنى دلالات عديدة، وهي تتعين في إنتاجات مختلفة، قوامها : توثيق العمل الفني، وتاريخه، والتأكد من صنعه المادي، وإنزاله في سياقات الفن وخطابه، وغيرها من العمليات الكتابية التي ترسم هالة اعتبارية حول الفن وأعماله. فأن نعرف أن هذا العمل نادر أو تجربة وحيدة في إنتاج الفنان هو غير أن نعرف أن هذا العمل جزء من مجموعة أعمال فنية تزيد على الواحد. أن نعرف أن هذا العمل الفني يندرج في مجموعة تعود إلى هذه الجماعة الفنية أو تلك إلى هذا البلد العريق أو الناشىء في الفن...

 

الفن شأن عمومي

العمل الفني، وإن يمتلكه أفراد معدودون او جهات قليلة، بات شأناً عمومياً، منذ منتصف القرن الثامن عشر على الأقل : لم يعد العمل الفني مقصوراً على البابا أو السلطان أو أصحاب جمع النوادر وغيرها، وإنما بات شأناً تعتني به المدرسة، ويذهب الطالب بموجبه إلى المتحف، لكي يتعرف على إنتاجات الإنسانية.

الفن بات شأناً عمومياً، شأناً لجميع الناس، وإن لا يقوى هذا وذاك على شراء عمل فني واحد منه، سوى الصور المستنسخة، أو ما يلقاه عند تصفح كتاب أو في زيارة متحف.

يحلو لي أن أذكر هذه الواقعة التي تعود إلى العام 1832 في فرنسا، وهي قامت على تمييز فيكتور هيغو بين ملكية المالك لما يملك من مبان أو أعمال وبين قيمة معناها الفني الذي يعود إلى الجمهور : "في أي مبنى (فني)، هناك شيئان : (جانبه) الاستعمالي و(جانبه) الجمالي. (فالجانب الأول منه) الاستعمالي متروك لمالكه، فيما (يعود جانبه الثاني) الجمالي لجميع الناس". بات الجمهور مالكاً بالضرورة، وبات الفن شأناً عمومياً، وإن امتلكه أفراد معدودون.

باتت ملكية الفن لا تتعين فقط في مالكه المادي أبداً، بل بات المالك نفسه ملزماً بعرض أعماله على العموم، ليس في بيته كما في القرن التاسع عشر، وإنما في المتاحف والساحات العمومية أحياناً.

المعنى، صياغة المعنى، هي ما جعلت الفن ملكية عمومية، ملكية حضارية كذلك : هذا ما يفعله العربي أو المسلم إذ يقع على روائع الفن الإسلامي، فيتباهى ويشعر نفسه معنياً مباشرة بما يرى إليه في مقتنيات "المتحف البريطاني" أو "الإرميتاج" أو "اللوفر" وغيرها.

مقتنون عرب متعاظمون، ولا سيما من بلدان الخليج العربي، يشاركون في هذه العملية العالمية المتمادية. هذا يصح في اقتناء أعمال الفن، وفي بناء المتاحف وصالات العرض، وفي انتظام المزادات العلنية وغيرها. إلا أنه لا يصح إلا قليلاً في بناء المعنى الفني : المؤسسات والسياسات والمبادرات التي تعنى يإنتاج معنى الفن قليلة في عالمنا العربي عموماً. جملة من الأسئلة تكفي : لولا مبادرة أعداد من الكتاب العرب بإصدار كتب عن الفن الإسلامي، أو عن الفن العربي الحديث، لما وجدنا الكثير من الإنتاجات في بلادنا. بل نسأل : ما السياسات التي تعنى برسملة معنى هذه الفنون التي تتوطن وتزدهر في بلادنا؟ ومن يعد إلى الإصدارات المختلفة سيجد أيضاً بأن الإصدارات الغربية المعنية بالفن الإسلامي وبالفن العربي الحديث تفوق كثيراً ما تنتجه سياسات التأليف المحلية. سأكتفي بطرح أسئلة فقط : أين هي موسوعات الفن في بلادنا ؟ أتوجد موسوعة واحدة، بجهد عربي، حول الفن الإسلامي أو حول الفن العربي الحديث أو حول هذه المدرسة الفنية أو تلك أو حول الفن في هذا البلد العربي أو ذاك ؟ يمكنني أن ازيد من الأسئلة التي تُظهر الفقر المدقع في هذا المجال. أيتم – في الحكومات والسياسات والبرامج والمبادرات – تشجيع قيام مثل هذه المشروعات ؟ أيتم تخصيص طلاب في مثل هذه الاختصاصات ؟ ألا نكون جديرين بصياغة معنى فنوننا مثل غيرنا بل أفضل منهم ؟ الأسئلة كثيرة، إلا أن قيام الكثير من مشروعات المعنى يكاد يساوي وحده قيمة شراء لوحة واحدة.

تحدثتُ في كتابي "الفن والشرق" عما أسميته : "وكالة معنى"، وطلبت منه الحديث عن السياسات والمجهودات التي تعنى ببناء "معنى" الفن. هذا ما أثيره في جملة أسئلة : كم تصرف هذه الحكومة العربية أو تلك، هذه الجامعة أو تلك، هذه الجهة الثقافية أو تلك، على كتب الفن، من جهة ترجمته أو نشره أو وضع كتب فيه ؟

فالدولة، والمتحف، والمقتني، يحتاجون إلى المعنى لرفع قيمة المقتنيات. وهذا ما يشمل الحاجة إلى توثيق الفن، وكتابة تاريخه، ونقده، ودرس خطابه الفني والفلسفي وغيرها من أنواع المعنى الفني.

والحاجة إلى صياغة هذا المعنى ليست حاجة حضارية وفنية وثقافية وحسب، وإنما هي حاجة معرفية أيضاً. فمن يضمن لنا أن كتب الفن الموضوعة في الخطاب الغربي عن فنوننا تناسب المنظور التاريخي والفني الأصح لها ؟ 

أسوق مثالاً واحداً : لو عدت إلى "الثبت الموسوعي" للفن الإسلامي، المعروف باسم واضعه (كراسويل) لوجدنا أنه يبوبه وفق ثلاثة مداخل : الفن، الآثار والسجاد. أهذا التبويب يناسب الفن الإنكليزي أو الفرنسي ؟ ماذا لو وضعه كاتب أو جهة عن الفنون الأوروبية ؟ ماذا كانوا ليقولوا فيها؟ ألا يشبه تبويب كراسويل "جردة مقتنيات" ليس إلا، ما يساعد الشاري والبائع والمتحف، لكنه لا يساعد بل يضلل دارس الفن، وواضع معناه.

 

سياسات إنتاج المعنى

الحاجات كثيرة لرسم سياسات ومشروعات تعمل على إنتاج المعنى في بلادنا، وهو ما أدلل عليه في مثلين : قبل سنوات، شاركت في الشارقة في أول دورة تحكيم مخصصة لـ"البحث النقدي"، أي بحوث الفن؛ وهو جهد طيب إذ لا نلقى غيره لتنمية بحوث الفن ونشرها وتعزيز مصادرها. أما المثل الآخر فهو يخص ما قامت به "مؤسسة بارجيل للفنون" في ترجدمة كتابي عن الحروفية. كلمة مقتضبة عنه : صدر هذا الكتاب قبل خمس وعشرين سنة، من دون أن يصدر في طبعة ثانية، فيما جرى التعويل عليه في كثير من الكتب والبحوث وعشرات الأطروحات الجامعية، هنا وهناك في العالم، على ما كتب أكثر من دارس، مثل الدكتورة ندى شبوط في كتابها عن الفن العربي الحديث. بل حدا الأمر بباحث فرنسي، إيف غونزاليس – كيخانو، إلى الاستغراب قبل سنوات : كيف يحدث أن هذا الكتاب يبقى وحيداً من دون تتمة أو استعادة له، فيما يحظى الفن الحروفي بنمو متعاظم ليس أقله نشاط "مؤسسة بارجيل" نفسه. 

هذا الجهد الطيب يحتاج إلى مجهودات كثيرة غيره، بما يقوي معارفنا العامة، وثقافة طلابنا ومثقفينا، وبما يمد الثروة الفنية بسندها الضروري، وهو البناء النظري بمعانيه المتعددة لخطاب الفن.

(محاضرة في معرض الشارقة الدولي للكتاب، 5-11-2016)