شخصية رامبو مثل السجادة الكاشان، وشربل داغر من المثقفين الذين تستهويني كتاباتهم. في ثمانينات القرن الماضي، كنت أحتفظ بعموده الصحفي في مجلة "كل العرب". في سجل كبير. تشدني كلماته القليلة الساحرة، كما سحرتني قبل أسابيع روايته "شهوة الترجمان"، ومازلتُ مستمرا في الكتابة النقدية عنها. الآن أصبحت كتبه أربع عشرات (40) كتاباَ في شتى المجالات الثقافية وبشهادة الشاعر شوقي بزيع وهو يكتب عن "دمي فاجرة"، آخر دواوين شربل : "لا تصح العبارة الأدونيسية "مفرد بصيغة جمع" على أحد من الكتّاب والمشتغلين بالثقافة كما تصح على شربل داغر". وفي حواره التلفزيوني عبر برنامج "مشارف" في يوم الأربعاء 11 تشرين الثاني2015 أثار شربل داغر أسئلة ثقافية تطالب بحراثة مفاهيم الحداثة الراكدة، حول الشعر ديوان العرب، وغيرها من الأسئلة التي تتعلق بالريادة الشعرية العربية.
الكتاب من إعداد وترجمة شربل داغر، يمهد للرسائل بفصلين : مقدمة، ثم : المدخل. بعدها تبدأ رسائل رامبو، ثم هوامش نحيلة الحروف ترهق العين لنصل الى رسائل بحبر رامبو باللغة الفرنسية.

في كتابه "العابر الهائل بنعال ٍ من ريح، رسائل آثر رامبو" يأخذنا المثقف الموسوعي شربل داغر إلى رامبو في : غبار وحشيته الكادحة بعيدا عن صقيع فرنسا الذي يكرهه، رامبو الهارب من الخدمة الإلزامية في الجيش واللامكترث حتى هذياناته الإشراقية. وبشهادة الروائي الفرنسي مورياك "هو الذي لم يلتفت حتى لكي يرى الأثر الذي أحدثته أقدامه فوق صفحة العالم".
يشدني هذا الجنس من الأدب ، كالرسائل بين محمود درويش وسميح القاسم، بين عبد الرحمن منيف والتشكيلي مروان قصّاب باشي ، ورسائل غسان كنفاني وغادة السمّان. وهناك الشعلة الزرقاء : رسائل جبران خليل جبران ومي، رسائل روزا لوكسمبورغ وحبيبها، رسائل حنة أرندنت وهيدجر. وهنا يتجسد جهد المثقف الموسوعي شربل داغر مؤلف رواية "شهوة الترجمان"  التي ما زلت أحاول الكتابة عنها... فهو قام بإعداد وتقديم الرسائل الضرورية بالنسبة للقارىء العربي، والأهم أن رسائل رامبو مثقلة بعبء حياته في الأقاصي المشرقية، وحياته بعيدا عن فرنسا العائلة والأصدقاء وإشراقات القصيدة. كأنها مراسلات كارل ماركس وفريدريك أنجلس المنشغلة بالفلسفة والإقتصاد والسياسة.
شربل داغر يعتبرها رسائل عربية !! وبسبب عربيتها يرى ضروريتها للقارىء العربي، أعني إنها مكتوبة في فضاء عربي : "مثل هذه الترجمة ضرورية. فهذه الرسائل – وهذا ما لا ننتبه إليه أحيانا – عربية في نهاية الأمر، أي انها تنطلق من مواقع عربية، وتتحدث عنها، من على ضفتي البحر الأحمر : كيف عاش رامبو في عدن ؟ ماذا كَتَب َ عن القاهرة ؟ ماذا فعل في الحُديدة ؟ لماذا تعلم العربية ؟ هل هو مستشرق أم رحالة أم مغامر غامض ؟". وأهمية هذه الرسائل أنها تنتزعنا من الأسطرة، وتقذفنا نحو رامبو، وهو في غابة الدفاع عن شرطه الإقتصادي : "هذه الرسائل ستقّربنا أكثر من رامبو، ستجعله بمتناولنا في أكثر فترات حياته غموضا وسحرا، ولكن لن يزول هذا السحر، ولا تلك الهالة الأسطورية، التي تحيط به بقدر ما تخفيه عنا ! أي كلام، كل كلام لن يفسر هذا الانقطاع الحاسم عن الشعر ! ولا عبارة في الرسائل تتعرض للشعر من قريب أو بعيد ! سيحتفظ هذا السر بغموضه المحيّر والمؤسس لأننا نتصور رامبو بطلاً أسطوريا فيما لم يكن غير انسان معذب !". وهكذا سنكون مع رامبو آخر أعني رامبو اللاشعري، المهموم بالشرط الإقتصادي في حياته الفردية، فهو في رسائله لا يتحدث عن تجربة عاطفية، أو يتذكر من اقتسموا معه خمرة البوهيمية. وهكذا تكون رسائل رامبو حقا "شهادة في ضرورة الحياة تأتينا من منحدر اليأس".

في رسائل رامبو سيتكشف لنا الوجه الميداني للشاعر رامبو وقد تجرد عن الشعر وتشوكت حياته بقساوات لانهائية، وهو هناك في الاقاصي المشرقية محلّقا مع غربان ساحل أبين ومدبوغ الجلد في مقلاة شمس عدن. تستوقفني مكابداته في العيش : "تركت عملي في عدن بعد مناقشة حامية مع هؤلاء البلهاء السافلين الذين كانوا يطمحون في أن يجعلوا مني معتوهاً مدى الحياة. كانوا يتخيلون بأنني سأبقى معهم طيلة حياتي، إرضاءً لهم. حاولوا كل شيء للاحتفاظ بي، لكنني طردتهم شر طرد". شرقُ رامبو لا علاقة له بشرق تلك اللوحات الأوروبية الزاخرة بالجواري والعبيد وحمامات النساء.
في رسالة إلى أخته ايزابيل : "تحيطونني علماً بأنني متمرد على الخدمة العسكرية حسب السجلات الرسمية، وبأنني ملاحق، إلخ، إلخ. لا تطلبوا مزيدا من المعلومات، إلا في حالة عدم الانتباه الى حالتي. لا تجزعي لحالي، فأنا لن أعود في مثل هذه الظروف ! أفضل الموت على السجن بعد كل ماقاسيته !". ثم يُحدِّث أخته عن مأساته الصحية : "أجل، الموت كان أفضل منذ زمن بعيد ! ماذا يمكن أن يفعل رجل مبتور الساق في العالم ؟ خاصة إذا اقتصرت حياته على الهجرة بصورة نهائية ؟". وفي رسالة أخرى يعلن رامبو عن خوفه من الرقابة : "كاتبوني أقل ما استطعتم – حين يكون الأمر ضروريا، لا تضعوا اسم أرثر، بل رامبو فقط".
نكتشف، في بوهيمية رامبو، الحنين لدفء العائلة وهو يخاطب أهله : "تخطىء ايزابيل بعدم الزواج... الحياة هي على هذه الصورة. العزلة سيئة هنا، فوق الأرض. أما أنا فأتأسف لعدم زواجي وأن لا عائلة لي. ولكن أنا محكوم عليّ بالتيه في الوقت الحاضر". وبسبب بتر ساقه وشعوره - وهو المشّاء الأعظم - بالعجز المطلق، يصارح أخته : "هذه حالي، أنا الذي كنت اتخذت قراري بالعودة الى فرنسا في هذا الصيف للزواج ! وداعا للزواج، وداعا للعائلة، وداعا للمستقبل ! حياتي مضت، ولم أعد غير قرمة خشبية جامدة".
وعن أيام رامبو الأخيرة، تكتب أخته إيزابيل، وهي مرافقته في المستشفى، رسالة إلى أمهما : "يعاملونه مثل محكوم بالإعدام، لا يرفضون له أي طلب، إلا ان هذه الملاحظة لا تعني له، يوما بعد يوم، الشيء الكثير، لأنه لا يقبل أبداً بالدلع الذي يوفرونه له، ما يطالب به، هو  الورقة الأخيرة من هذه الرسالة.
(موقع "كتابات"، 5 تشرين الثاني-نوفمبر، 2016).