يظل الشاعر والكاتب والرسام اللبناني المولد، الأميركي الإقامة والجنسية، أحد كبار أدباء وشعراء المهجر، جبران خليل جبران، (ولد في 6 يناير/ كانون الثاني 1883، وتوفي في نيويورك في 10 أبريل/ نيسان 1931)، وعُرف بأنه الأكثر مبيعًا بعد شكسبير، وطبقت شهرته الآفاق باعتباره شاعًا ومفكِّرًا، وإن حظي بمساحة من الشهرة في الغرب من حيث هو رسَّام، إلا أن تلك الممارسة لم تكن بذلك الحضور الأول والمتقدِّم في ذاكرة كثير من القرَّاء العرب. هو أحد أركان النهضة العربية في حدود ما عُرف به: كاتبًا وشاعرًا. الفنانة اللبنانية فيروز ربما أكثر من قدَّمته إلى الأذن العربية، وتم الالتفات إليه فيما بعد. مازال أكثرنا يتذكَّر فيروز التي غنَّت له «المواكب»، وكانت بعنوان «أعطني النَّاي وغني»، ومقاطع من كتاب «النبي» وصولًا إلى «يا بني أمي لتبقى».

عالميًّا كان له الأثر والتأثير في هذا المجال، وعلينا أن نستحضر قصيدته «رمل وزبد»، والتي كتبها في العام 1926؛ حيث لم يتردَّد المغني جون لينون في توظيفها في أحد أعماله، «مع تغيير طفيف في أغنية Julia التي أصدرتها فرقة البيتلز في العام 1968»، وفرقة «Mr. Mister» التي غنَّت له «الأجنحة المتكسرة»، وأخيرًا وليس آخرًا، المعزوفة الموسيقية لفنان الجاز الأميركي جاكي ماكلين التي حملت اسم «جبران النبي».

 

اثنان في واحد

الشاعر والناقد والروائي والأستاذ الجامعي اللبناني شربل داغر، أعدَّ واحدًا من الملفات المهمة التي سلَّطت الضوء على الجانب المُغيَّب من موهبة وإبداع هذا الفنان العالمي، ضمن قراءة استقصائية ناقدة فيها الكثير من الحَفْر والتنقيب والاستجلاء، في تناول لفضائين إبداعيين : الرسم والكتابة، اللذين حقق من خلالهما حضورًا امتد صداه وأثره إلى قارات الدنيا؛ حيث عرف بأوروبية منجزه، بروح لم تنسلَّ من شرقيتها التي له فيها امتداد وجذور. الملف نشر على صفحات مجلة «الدوحة» القطرية في عددها (108)، لشهر أكتوبر/ تشرين الأول 2016.

يبدأ شربل داغر الملف بإشارته إلى أن جبران حظي بدرس «أدبي» فائق ومتوسِّع «فيما لم يحْظَ بقسطه من الدرس الفني، حتى أنه يغيب أحيانًا عن كتب التاريخ الفني العربية». أسئلة عديدة يلقيها داغر أمام القارئ، وهي أسئلة من وحي إثارة الانتباه، والوصول إلى فهم العلائق المتداخلة في ممارسته الإبداعية، ولا يتوخَّى من خلال تلك الأسئلة فهمًا أو حلًَّا للغز، فلا لغز في الأمر. ويصدر شربل من خلال هذه الكتابة المتوغلة في الفضائين الإبداعين، بل هما أكثر من فضائين، عن فهم عميق للعوالم الإبداعية التي تحرك فيها جبران ليس باعتباره رائدًا فحسب في تلك العوالم، بل بالإضافات والأثر والتأثير الذي وجد مساربه إلى كثير من الأسماء الكبيرة، عالميًّا وعربيًّا : «هل كان جبران اثنين في واحد؛ أي ممارسًا لمهنتين في الوقت عينه؟ أم أنه واحد في اثنين؛ أي مبدع يكتب - يصوِّر باليدين (إذا جاز التشبيه)؟ وهو ما يتعيَّن في أسئلة متفرِّعة من السؤال الإشكالي : هل يصدر أدب جبران مثل فنه عن (مذهب)، أو عن (مذهبَين) في المنظور الجمالي؟ ما صلة ما يكتب بما يصوِّر؟ ما صلة ما يصوِّر بما يكتب، أهناك تشاركات بين الكتابة والصورة (الفنية) في إنتاج جبران ؟ ماذا عن الكتابة في التصوير ؟ ماذا عن التصوير في الكتابة ؟ هل يمكن استخراج أو تبيُّن منظور جمالي ماثل في الإنتاجين ؟ وما هو (في حال وجوده) ؟».

تحمل مثل الأسئلة ومثيلاتها في ثنايا الملف - واقعًا - تمهيدًا لمقاربة عميقة يقدِّمها شربل داغر وهو يقلِّب - بالتوازي - الأعمال والآثار التي برزت أثناء ممارسته لها أو حتى بعد رحيله.

 

أوروبيته... صِلاته الإنسانية

للمنابع التي انتهل منها جبران أثر كبير في تحصُّله على هذا التنوع والتفرُّد في كثير مما أنجز، بانفتاح لم يكتف بالسطح منه، على مختلف الفنون والمدارس الفنية والأدبية، ومن منابعها الأصلية، تماهيًا معها، مُخلِّفًا في الكثير من أعماله ما يدل على التأثر بها، دون أن يعني ذلك تغييب وطمس الجذر الذي منه أتى وإليه ينتمي، وفي الوقت نفسه، لم يكن أسير ذلك الجذر والامتداد بكلِّيته دون محاججة أو مساءلة، منتخبًا منه ما يأخذ به إلى مصاف فنون وآداب العالم الأخرى وهي تتسيَّد المشهد، محتفظًا بمكانتها المرجعية التي لا غنى عنها.

وفي ذلك يشير شربل داغر إلى أن جبران هو الذي ذهب أبعد في هذا المسعى (كما فعل ذلك أمين الريحاني وميخائيل نعيْمة، وإنْ بحدود أقل): «انتقل إلى الكتابة بالإنجليزية، فيما صرف لها الريحاني ونعيمة مجهودات معدودة؛ وما أنتجه جبران من أعمال تشكيلية اقتصر عند زميليه على محاولات محدودة، لم ترْقَ إلى الإنتاج الاحترافي، فاكتفى نعيمة ببضعة رسوم، فيما ضمَّن الريحاني بعض رحلاته رسومًا معدودة، وصرف مجهودات طيبة في (متابعة) و(نقد) بعض العروض التشكيلية»، المسعى الذي يعنيه شربل هنا هو أن جبران، وبتتبُّع فقرات من حياته وكذلك صِلاته، يدرك أنها جمعت بين «أوروبيته» و «غربيته» (بوصفها أميركيته)، فيما وجد صلات بينه، في الفكر، مع الفكر الهندي والشرقي القديم، وفي الفن، مع الفن الإيطالي «النهضوي» والإنجليزي والفرنسي؛ «فضلًا عن صلاته الإنسانية المتعددة بين شعب وآخر».

 

في تجليات الصورة

يتجاوز اشتغال داغر سيرة ذلك المنجز على تعدُّده، توغُّلًا في ما رفد ذلك المنجز، وما جعله أكثر صلابة ومنهجية ودقة، بقدرته على أن يكون في الصميم من المنجز الغربي وإن انتسب في جانب من روحه وجذوره وامتداده إلى الشرق الذي لم ينفصل عنه بأي حال من الأحوال، على رغم ما اتسم به ذلك الإنجاز من عالمية يكاد جزء من الغرب (في الداخل) لا يستبين تلك الشرقية، ولا يضع محدِّدات وملامح لها، تنزع المُنجز من أوروبيته.

ولذا يلفت داغر نظرنا التنبُّه إلى أن جبران، فيما يتعلق بالصورة، عايش تجليات الصورة (النجومية) للمبدع بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، ما ظهر في نداءات الصورة الفوتوغرافية الأولى، وفي طلبه لأن يكون منتجها لغيره (رسوم المشاهير)، وهو ما بلغه في صورته لنفسه: لا في ما صوَّره لنفسه «وإنما في إنتاجه صورة، عبر الكتابة والمراسلات، تقيم صلة خصبة بين المعاينة والمخيلة، بين ما هو عليه وما يريده لنفسه، وهو أمر يتحقق الدارس من نجاحاته حتى في حياة جبران نفسها، ومع أقرب أقربائه، ولا سيما مع ماري هاسكل، ومع ميخائيل نعيمة، في كتابه عن جبران (...)».

من هنا يذكِّرنا داغر بالمكانة الأدبية العالية المتفردة في الأدب العربي الحديث التي حظي بها جبران، ويذكِّرنا في الوقت نفسه باختفائه تقريبًا من الفن العربي الحديث «واقتصر البعض من الدارسين والمؤرخين على ذكره، ما جعل ميخائيل نعيمة يتنبَّه لمثل هذه المفارقة، ودرسها كما يلي : يعلم جبران أن في روحه توأمين - الفنان والشاعر، وقد حمل إلى الأميركيين فنَّه من دون شعره، وإلى أبناء لغته شعره دون فنِّه، فلا العرب يفهمون شيئًا من فنِّه، لأنهم لا يفهمون الفن التصويري، ولا الأميركان يعرفون شيئًا من شعره، لأنهم لا يعرفون العربية (...)».

في بحثه عن بناء النمط الفني الغالب في فن جبران، يرى داغر بأنه أشبه بتفكيك لفسيفساء متعددة العناصر، وعلى مقادير من التداخل بين عناصره «فإذا كانت معرفة جبران بهذه الأساطير والآداب والفلسفات ترقى إلى قراءاته الأولى في بوسطن، فإنه انتقل إلى رسم الجسد في باريس، في تعلُّمه الفني (...)».

الملف بما احتواه من تقصٍ وتفكيك لما وراء السيرة اشتغالًا على الأعمال ومصادر التأثير والتأثر يعد مُنجَزًا مهمًا، وقراءة مغايرة لأثره وإنجازه الإبداعي الذي ظل في معظم المقاربات والقراءات التي قدمت، بعيدًا عن العمق والتفكيك، وتجميع العناصر، للخروج بفهم مختلف لواحد من أهم وجوه النهضة الثقافية العربية في القرن الماضي، والذي ظل حاضرًا في الكثير من التجليات الرمزية في قرننا الذي نعيش، القرن الواحد والعشرين.

(جريدة "الوسط"، البحرين، 17 تشرين الأول-أكتوبر 2016).