كتبتُ وأكتب نصوصًا لا أحسن الكلام عنها. أو أتقصد عدم الكلام عنها، منتظرًا من النقاد والصحفيين أن يتحدثوا عنها... قبلي وأحسن مني. ذلك أنها نصوص محيرة لي قبل غيري. أتحقق من الحاجة إليها، من حاجتي إليها أو من اندفاعي صوبها، من دون أن أتبين تمامًا دوافعها من مراميها.

هذه النصوص نشرت مع مجموعاتي الشعرية، لكنها لا تملك تعريفات أو عناوين اصطلاحية تخصها أو تحددها. أهي نصوص مسرحية ؟ هذا ما أرفضه علنًا وصراحة، إذ إنني – وإن أستعرت من المسرح بعض أدواته ووضعياته – فإنني أبتعد عنه. هناك "حكاية" في كل نص تروى بمعنى من المعاني، أو يتم تداولها فيه، ما يقرب النص من المسرحية، إلا أن "الحكاية" مختلفة في النص هذا، لصالح "حكايات" أو أجزاء من حكايات، ليس إلا.

يبدو أنني ملزم، قبل غيري، بالحديث عنها. إذا كان البعض تجنبها إذ كتب عن هذه المجموعة الشعرية أو تلك، مثلما فعل الشاعر محمد علي شمس الدين إذ كتب عن "لا تبحث عن معنى لعله يلقاك"، التي نشرتُ فيها أول نصين؛ وهذا ما فعلَه جهاد الترك بدوره إذ كتب عن مجموعة "على طرف لساني"... فإنه لم يعد في مقدوري التملص من المهمة الملقاة على كاهلي وحدي.

قد أجد لنصوصي هذه سببًا راجحًا في القصيدة بالنثر : في تاريخ تشكلها الأدبي، أو في أشكال كتابتها المحلية. فغير شاعر من روادها في فرنسا، عاملَها مثل شكلٍ أو بنية "مفتوحة"، وهو ما نجده بينًا في الأشكال الأدبية المختلفة التي تخترق بنية هذه القصيدة عند رامبو، على  سبيل المثال؛ وهي أشكال الوصف والبرهنة واليوميات والسرد وغيرها.

قد أجد لنصوصي دافعًا أجده في تبرمي من قصائد بالنثر أقع عليها هنا وهناك في التجارب الشعرية العربية المعاصرة، وأرى أنها تنساق وراء بعضها البعض في نوع من الانقياد الواعي أو المضمر، فتكون بذلك منافية في حسابي لأساس هذه القصيدة – أساس نشأتها، وهي حريتها "الغازية". فقد استحالت هذه القصيدة إلى تجارب كتابية "متناسلة" من بعضها البعض، في نوع من التقيد العروضي المعكوس – كما يحلو لي القول باستفزاز مقصود.

هذه النصوص "هجينة"، بطبيعة الحال، لا مثلما يكتب عز الدين المناصرة عن هذه القصيدة عمومًا، هو الذي بدأ بكتابة هذا النوع الشعري، ثم حاد عنه... كما لو أن للشعر، للقصيدة، نظامًا "طبيعيًّا" يمهر نشْأتها، ويثبت أصلها الأكيد، الناشىء عن ضرورة دامغة في النشوء والتكون، فيما الأدب – بل إنتاجات اللغة عمومًا – إنشاء اختياري، ذوقي، قيد العمل في تجارب الكتاب والشعراء.  

"هجينة" ما دام أنها تعوم في اللغة، في مائها الكتابي، حيث لا حدود مرسومة ولا ممكنة أساسًا.

إلا أن "هجنتها" ليست مطلوبة منها، ولا مقصدًا لها. إنها ما تنتهي إليه، ما تنقاد إليه، ما يتحصل لها في الجريان.

أذكر أن نصي الأول فيها، "جثة شهية"، كتبتُه بعد اغتيال رفيق الحريري، في الصيف الذي تلا، في قريتي. ولما انتبهت إلى غرابة ما كتبت، ولما حادثتُ هالة عنه، أجابت : إنه "جثة شهية"... جرى حواري هذا مع ابنتي بالفرنسية، وأرادت بجوابها الحديث عن تجربة كتابية معروفة لدى السورياليين، والموسومة بالفرنسية : (cadavre exquis)، ما معناه بالعربية : "جثة شهية". هذا جعلني أرفع العبارة الشهيرة عنوانًا لهذا النص، خصوصًا وأنه يتحدث عن تابوت لجثة لا تقع الأنظار عليها؛ تظهر ولا تلبث أن تختفي في نهاية النص.

يمكن لأي دارس، اليوم، أن يتحقق من ورود إشارات وإحالات على تلك السنة، التي صاحبها الإعلان-اليافطة في أكثر من جريدة أجنبية : "ثورة الأرز"، أو "ثورة 14 آذار" (التي حملت منذ ذلك اليوم عنوان حركة سياسية كانت دون تطلعات المليون وأكثر من الذين نزلوا إلى الشارع يومها). ما عناني في النص، انطلاقًا من حادثة الاغتيال نفسها، هو النزاع الناشب بين "المتكلمين" في النص، وقبله في الشارع. فبعض ما يقوله النص يرمي إلى إظهار أن القتيل "شريك" القاتل في فعلته...

وهو "موقف" مزيد يلتقي مع "مواقف" سابقة لي قد يكون عنوانها الأبين هو عنوان مجموعة من القصائد في "حاطب ليل" : "دموع جافة". وهو ما يخترق الكثير من مجموعاتي الشعرية واللاحقة، ويلتقي حول فكرة "نقد الشهيد"... هي مواقف لها صورة شعرية قديمة، ظهرت بعد خروجي من الحرب، من بيروت (1976)، في صورة الجسر الذي يعبره "الشهداء" في الاتجاهين من دون أن يتبادلوا التحية، فيما تغني فيروز لهم كلهم...

وهي "المواقف" عينها التي عبرت القصيدة الطويلة : "نميمة إلكترونية"، التي كتبت غداة 11 أيلول-سبتمبر في العام 2000، حيث الشهداء يتوزعون بين أميركيين وسعوديين ومصري ولبنانين ومتفرجين بالملايين...

هذه النصوص "الهجينة" تشبهني، بمعنى أنني اتجهت صوبها، وطلبتُها مثل حاجة حياتية.

عبَّرت عن احتياجي إلى الخروج مما أعيش، ومما لا أعيش.

يوم 14 آذار-مارس من سنة 2005 نزلت إلى الشارع، في تظاهرة، بعد سنوات بعيدة على عدم اشتراكي في أي تظاهرة.

عودة متأخرة، استثنائية، إلى التظاهرة بعد أن كانت مسرحي الخاص مع غيري على مدى ثلاث سنوات في صيدا، بين 1968 و1970، وخمس سنوات في بيروت، بين خريف 1970 وربيع 1975.

غير مرة راودتني فكرة كتابة مقال، أو كتاب، عن التظاهرة، عن تنشئتي فيها، إذ كانت أبعد من "التجربة"، ما يشبه المدرسة الحزبية، والمدينية، ولكن في الطرقات...

كانت ما نستعد له أكثر من درس جامعي، ما ننخرط فيه مثل فعلٍ نبلغ فيه ذكورتنا العلنية، ما دام أن "النزول" إلى التظاهرة يستعيد في لفظه "نزول" العديد منا من أريافنا إلى المدينة. لم يكن نزولنا بالهين، ولا بالمريح، ولا بالسلمي، في شوارع المدينة التي استقبلتنا على الرغم منها، وخبطنا خطواتنا فيها في نوع من الإبلاغ عن ضجيجنا العالي، عن رغبتنا في الظهور.

كانت يومها تظاهرتي الأخيرة كذلك.

إلا أنني قد خرجت منذ ذلك اليوم في أكثر من تظاهرة، وحدي، في شوارع الكلمات. كتبت حينها مقالاً أقرب إلى الموقف السياسي منه إلى الموقف الأدبي، ونشرته في جريدة "النهار" بعنوان : "باقٍ في كلماتي"...

(أجزاء من حوار صحفي لم يكتمل : خريف 2016).