سبق لي في كتابي : "العين واللوحة : المحترفات العربية"، أن أطلقت على الخاتمة تسمية : "خاتمة إشكالية"، وطرحت فيها السؤال منذ العنوان : "هل "انتهت" اللوحة المسندية؟". وأردتُ من ذلك التوقفَ عند المسألة التالية: بعد أن عالجتُ، في كتابي هذا، "توطن" اللوحة القماشية في البيئات العربية المختلفة، بتفاوت تاريخي وتباين فني فيما بينها، انتهيت إلى طرح السؤال ما إذا كانت هذه اللوحة، إذ تتأكد في حضورها العربي المختلف الأوجه (بين اقتناء لها، وحفظ لها في مجموعات ومتاحف، وتعليمٍٍ متزايد لتقنياتها وأساليبها)، تختفي وتندثر لصالح تجريبية متعددة الوسائل والحوامل المادية؟ وهو سؤال عن خروج اللوحة من التشكيل "المألوف"، كما يقول أحد محاور الندوة.

                                        ---

 

من يتوقف ويراقب ملياً أحوال الفنون البصرية كما الآداب المختلفة يتحقق، هنا وهناك، من تغيرات تكاد تقلب المشهد رأساً على عقب. ويتساءل ما إذا كان ما يعاينه قصير المدة، أم طويلها؟ أيبدل جاري السلوكات الفنية والثقافية أم أنه ينقلها إلى وضعية جديدة، مغايرة؟

هذا ما يقوله البعض في السياسة، منذ سقوط "المنظومة الاشتراكية" وتفرد الولايات المتحدة الأميركية بالسلطان العالمي... وهو ما يقوله البعض الآخر في الإيديولوجية، منذ كسوف الماركسية والحديث الملازم لها عن "نهاية التاريخ"... هذا ما يصيب الثقافة والفنون والآداب منذ بعض الوقت، وقبل الحديث السابق، إذ جرى الكلام عن "ما بعد الحداثة"، بعد طول الظفر النظري لمقولة "الحداثة" في الآداب والفنون والديمقراطية وغيرها.

والجديد الذي بات المراقب يعاينه هو ما يصدر هنا وهناك عن موجة "المعاصر" الجديدة، بعد رواج ألفاظ اصطلاحية أخرى، مثل: "العابر للحداثة"، و"العابر للطليعة"، و"ما بعد بعد الحداثة"... وهي ألفاظ تفضح في مبانيها نفسها اهتزازها الشديد، أي عمرها القصير. فما صحة أو طول عمر اللفظ الجديد: "المعاصر"؟

يبدو اللفظ في مبناه أكثر رسوخاً من سابقيه، بل يبدو أكيداً مما يتحدث عنه. إلا أن تحرياً أوسع يفيد بأنه لفظ "فارغ" بمعنى ما، أو لا يقوى على تحمل حمولات اعتقادية شديدة، وثقيلة بمعنى ما. فهو يشير وحسب إلى "الزمني المحايث"، أي إلى ما يحدث هنا وهناك، على أن ما يحدث هو وليد العصر الذي يصدر عنه ويصب فيه. وهي حمولة خفيفة إذا قورنت بسابقاتها، التي حملتها الألفاظ الاصطلاحية الأخرى، حيث أنها كانت تشير إلى حمولات فلسفية وإيديولوجية تحيل على القطيعة والتجدد والتقدم الشديد صوب أفق موعود.

وجبت، إذن، إعادة التفكير في "المعاصر" بوصفه مفهوماً يفضي إلى ممارسة، ويطمح إلى تخطي السباق المجنون الذي شهده المشهد التشكيلي منذ العقود الأولى في القرن العشرين، التي انبنى فيها الفن وفق علاقة باتت لازمة بينه والمعتقد الفلسفي والإيديولوجي. هذا "اللزوم" بين الفن وصياغة معنى جديد (لتأسيس المذاهب والتيارات والموجات) تحدث عنه بيار بورديو في كتابه "قواعد الفن"، بل عيَّنه تاريخياً ابتداءً من عمل المصور الفرنسي إدوار مانيه. ومما تحدث عنه بورديو قابلٌ للمتابعة والفحص في مجمل المذاهب التي تتابعت بعد "الانطباعية"، وحتى اليوم.

موجة "المعاصر" توقف هذا السباق، إن جاز القول، وتبطل كذلك "الآجال المستحقة" التي وعدت بها "الحداثة" غيرَها، إذ كانت هذه "موعودة"، وما لبثت أن أصبحت "معلقة" أو "مؤجلة" في انتظار موجة أو تيار أو مدرسة "حداثوية" جديدة.

"المعاصر" أراحنا بمعنى ما من الانتظار، من توقع حدوثه السعيد... هذا الوعد الذي لن يأتي، على ما خبرنا في عصر بلغت فيه البشرية، على الرغم من "جناتها الموعودة" في خطاب الحداثة الإيديولوجي والسياسي، أبشع المجازر وأعمقها في تاريخ الإنسانية المعروف.

إلا أن لـ"المعاصر" حسنة  أو فضيلة، وهي التنبه إلى تغيرات أصابت المشهد الثقافي والفني والأدبي عموماً، وما كانت الألفاظ الاصطلاحية السابقة تلحظها أو تنصرف إلى رصدها ودرسها. إن أصواتاً قليلة مثل أدورنو وبنجامين وماكلوهان ومالرو وغيرهم استرعاها، بفعل معايناتها وتحققاتها، حدوث تغيرات عديدة وعميقة الأثر في الدورة الثقافية عموماً، ابتداء من التجربة الأميركية خصوصاً. وهو ما أجمعه في الحديث عن "بضاعات ثقافية" بدل الحديث السابق عن لوحة أو معرض وغيرها بألفاظ فخيمة و"راقية". وهو ما يمكن التنبه إليه أيضاً في بروز المؤسسات الثقافية، ولا سيما المتحف، كفاعل في دورة التداول الفني، فما عاد دوره يقتصر على الوساطة وحسب، وإنما على التأثير المتمادي على ما "ينتجه" واقعاً بينما يعرضه.

إلا أن الحديث عن "المعاصر" يستبطن أو لا يصرح تماماً أو لا ينتبه إلى ما تحدثه العديد من السلوكات "التجريبية" في الفنون البصرية، التي تُختصر بالحديث عن خروجها من "اللوحة الصالونية"، ومن منطق "السوق". وهو ما يحتاج إلى تبين ومناقشة تعيدنا إلى واقع هذه الممارسات الفعلي، أي إلى كونها إنتاجات واقعة في دورة الصناعات الثقافية. ويمكن القول إن التغيرات الحادثة هذه تهدد عملياً علاقة قامت منذ خمسة قرون على الأقل في المشهد الأوروبي: اتكال الفنان على "الزبون" الفردي، والتخلص من "الرعايات" و"الكفالات" التي كان يباشرُها المطران أو الأمير أو الوزير وغيرهم.

هناك "رعاية" جديدة للفنون البصرية لا تخفي اسمها، ولا "تخجل"، إذا جاز القول، بما تقوم به، بل تتسلح بخطاب "ديماغوجي" في أحوال كثيرة: الحديث عن "بورجوازية" الفن و"صالونيته"، والحديث عن "عودة" الفن إلى حيث له أن يكون، أي للجميع، أي في الساحات العمومية وعلى الجسور وواجهات العمارات وغيرها.

وهي تجارب لا تعدو كونها رفعاً لصيت الفنان، لـ"ماركته التجارية" إذا جاز القول، بما يقوي رصيده في "السوق". وماذا عن "تثقيف الجهور"؟ هو دعوى دعائية ليس إلا، إذ أن ما يكتسبه المتفرج، حين يمر فوق جسر "غلَّفه" الفنان كريستو (Christo) بمجموعة من الأقمشة البيضاء لا يقوم على "تحقير" و"دهس" القيمة البورجوازية للفن، وإنما يقوم على إعلانية مبسطة ومفقرة لما هو عليه الفن فعلاً. أما ما يكتسبه المتفرج-الداهس على جسر الفن البورجوازي والكلاسيكي فلا يساوي طبعاً ولا يبدل ما حصله من ثقافة بصرية، في المدرسة، في المتحف، أمام الشاشة الصغيرة أو الكبيرة.

ذلك أن "تواطوءاً" مكشوفاً ينبني بين الدولة والفنان: بين حاجات مؤسساتها (المتحف، والبلدية والوزارة وغيرها) إلى أن تكون "فاعلة"، و"ذات ربحية" أيضاً (طالما أن الإقبال على مؤسسات الفن بات في أساس السلوكات الاجتماعية، التي تجمع بين التثقف الخفيف والتنزه و"تمضية الوقت") وبين حاجات الفنانين (حيث أنهم يسعون إلى أوسع التعريف والدعاية لـ"أسمائهم"، بوصفها أسماء بضاعات للترويج والربح والتوظيف).

قد ينساق البعض إلى تفسير "التواطوء" هذا بكلام إيديولوجي أو سياسي (وهو ما يحصل في أحوال بلدان ومدن، حيث أن الوزارة أو البلدية تروج لفنانين "متعاطفين" معها ومع سياساتها)، إلا أنه يقوم على أي حال على "تواطوء" استهلاكي بين منتج (على أنه "عجيب" و"متفرد") ووسيط (على أنه نزيه وراعٍ بالمعنى النبيل والمدني للفن). وهو ما يدعو إلى طرح السؤال: كيف لنا أن نفهم هذه التغيرات؟ ألنا أن نكتفي بالوصف المبسط لها، أو بالتنكر لما تُحدثه في عالم الفن (كما نسمع ذلك من أصحاب صالات العرض، ومن الفنانين ، ولا سيما من الذين باتوا "مبعدين" من البينالات ومن ميزانيات الدعم الحكومي، هنا وهناك، بما فيه العالم العربي)؟

                                          ----

 

كيف لنا، إذن، أن نفهم مثل هذه التغيرات؟ هذا ما حاولته بالوقوف عند أربعة مؤلفين تعود تآليفهم إلى النصف الأول من القرن العشرين، بعد أن وجدت فيها التعبيرات النظرية الأولى لفهم هذه التبدلات، وهم: والتر بنجامين وتيودور أدورنو وأندريه مالرو وهربرت ماركوز.

قد يكون الجمعُ بين شارل بودلير ووالتر بنجامين مُفتتحاً مناسباً لهذا الطرح، حيث أن الشاعر الفرنسي أقام لأول مرة - لمن طلب التحديد الدقيق - "جمالية الضد"، كما أسميها، بعد أن نظر إلى الفن ابتداء من الزمن، من "الموضة"، من "العابر" (كما يسمي ذلك في تعريفه الشهير عن "الفنان الحديث"). هكذا "أنزل" بودلير مثال الجمال من "عليائه" الدينية والماورائية؛ وهو ما قاله الشاعر رامبو، في مطلع إحدى قصائده، حيث قال إنه "أجلس الجمال على ركبتيه". وهو ما يجتمع في الحديث عن المدينة، التي تجمع، كما عند والتر بنجامين، "تناقضات الحداثة".  وهو ما يمكن اختصاره في سؤال مبسط: كيف يمكن قولُ الشعر، وكيف يمكن التصوير، في العالم الصناعي الزاحف بخطى كبيرة؟

هذه الانعطافة الجديدة نتحقق منها في انشغالات بنجامين نفسها، حيث أنها توزعت بين التصوير الفوتوغرافي والسينما والسوريالية والدادائية والعمارة والنقد الفني، فضلاً عن ترجمته لبودلير نفسه؛ وهو ما لم يكن مألوفاً عند فيلسوف الفن أو دارس الجماليات. وهي انعطافة تتعين في مقاربة أولى حاسمة في ابتعادها عن عمل فلاسفة الفن وجمالييه السابقين، أحفاد الثلاثي المؤسس: باومغرتن، كنط وهيغل: "العمل الفني في فترة إعادة إنتاجه الآلي" (1936)، الذي تم تقديمه في وقت لاحق تحت عنوان آخر: "العمل الفني في عهد إعادة إنتاجه التقنية". فماذا يقول فيه؟

سعى بنجامين، وإن في صفحات قليلة، إلى التحقق من دور التقنيات الحديثة وتأثيراتها على العمل الفني، سواء في إعادة الإنتاج أو في التوزيع. وتساءل فيه ما إذا كان استصدارُ نسخٍ متعددة عن العمل الفني، لتقديمها في الوقت عينه لأعداد من الجمهور، يؤثِّر أم لا على العمل الأصلي. وهو سؤال ما سبق لفلاسفة الفن أو جمالييه أن طرحوه، حيث أن بنجامين يتنبه ويفحص دخول عامل جديد، هو الصناعة والوسائل الجديدة، إلى عالم العمل الفني. ذلك أنه خرج من المتحف أو صالة العرض أو من مكان عرض المجموعة الفنية، كما خرج من المنسوخات والمصبوبات التي كانت تحفل بها المتاحف ومدارس الفن ومحترفاته سابقاً، كوسيلة للتعرف على أعمال الفن، أو لاستنساخه في تمارين الطلبة. خرج من هذه كلها إلى عالم بات "خيالياً"، كما وصف أندريه مالرو عالم المتحف الجديد في كتابه: "المتحف الخيالي" (الذي يبدو أنه استفاد بقوة كبيرة من الانعطافة الحاسمة التي أحدثها بنجامين في درس الفن). وهذه اللحظة تعينت في أن الفن لم يعد مقيماً في "علياء"، ولا في مؤسساته المعهودة، بل بات "مقتنى" جماهيرياً بفعل الأدوات الصناعية الجديدة. وهذا الوجود الجديد، "الخيالي"، كما قيل، وهو الوجود اللامادي-المادي في آن، بات يعين جانباً أكيداً من عالم الفن. وهي إزاحة واقعاً للعمل الفني، والفنان، والمتلقي، ودارس الفن، لم تُدرس تماماً وبشكل وافٍ ابتداء من هذه اللحظة.

يتحدث بنجامين، في بحثه هذا، عن "الهالة"، وهو نوع من الدائرة الضوئية تحيط بالعمل الفني الأصلي، والتي تفترق عنه من جراء وجود نسخ عديدة منه: هذه "الهالة" - هذا الوجود الأكيد والمشع - بات بعيداً، ننظر إليه بتوق لكنه بات خارج التناول. هكذا تسرِّع التقنيات الحديثة - التقنيات المستعملة في إعادة الإنتاج الجماهيري – في "فقدان" هذه "الهالة"، إلا أنها تسرع في ما هو أبعد من ذلك واقعاً، خاصة وأننا أمام آلات تعمل بقوة وسرعة في انتقالاتها وتوزعها وتأثيراتها. دخلنا في عهد "التواصل الجماهيري"، واقعاً، وذلك قبل عقود على ظهور التلفزيون والحاسوب والتلفون الجوال ومتعلقاتها. وما يشغِّل، حسب بنجامين، هذا الحراكَ الهائل هو الدخول في عهد "آلي"، "تقني"، هو عهد الرأسمالية في وثبة جديدة لها، تريد منها تقوية وتسريع نطاق "التداول" وآلياته ووسائله: تداولٌ يفقد فيه الفن "هالته" لكنه يكتسب هالة مغايرة، هي هالة الفن بوصفه سلعة استهلاكية قابلة للمفاوضة والمزايدة والمضاربة... وهو دخول في عهد "مالي" سبق لي أن درسته في كتابي: "الفن والشرق..."، وعيَّنته، وفقاً لمعلومات وتقديرات، في نهايات القرن التاسع عشر.

استوقفت السينما درسَ بنجامين، حيث أنها تقنيةَ إعادة الإنتاج والتوزيع الجماهيريين؛ كما انتبه إلى أنها فنٌ منزوع الهالة، ولكن ألا يكون لها ميزة، وهي أن تكون أكثر فعالية من التصوير، حتى الطليعي منه؟ ألا تكون أكثر قرباً من الناس، أكثر ديمقراطية، وأكثر أهلية لأن تجعل منهم "تقدميين"؟

هكذا يكون لفقدان الهالة نتيجتان، إذن، متناقضتان ومتلازمتان في آن: الأولى سلبية، إذ أن فقدان الهالة يعني تبعيداً وإضعافاً للتجربة الجمالية والإنسانية أساساً، أياً كانت؛ أما النتيجة الثانية فإيجابية، إذ أن فقدان الهالة يجعل من الأعمال الفنية منتشرة، متوزعة، وعلى أوسع نطاق (بخلاف أعمال الفن النادرة والمرتفعة الثمن)، ما يمهد السبيل لبلوغ ديمقراطية الثقافة. ولا يلبث أن يتراجع مثل هذا التفاؤل المعلن عند بنجامين، إذ لن يتأخر، بعد وقت، عن إعلان يأسه التام من مستقبل الفن، ومن مستقبل الثقافة المهدَّد تماماً.

يقول مارك جيمينز: "إن أفكار بنجامين عن انحطاط الهالة تعنينا، اليوم، لأنها تذهب أبعد من اللحظة التاريخية التي تولَّدت فيها. إنها تلتقي، واقعاً، مع الانشغالات المعاصرة حول الدور الغامض لوسائل الإعلام إزاء الفن والثقافة" (ص 362). وهو قول نستعيده منه، لأنه يناسب مقصد القول أيضاً في هذه الورقة، على أنني أستعيد كذلك تعريف "الهالة" عند بنجامين: "إنها ظهورٌ وحيد لبعيد، أياً كان قربه". فهل فقدنا الفن، بدليل انه سيتم الحديث بعد عقود عن "موت الفن"؟

يلحظ بنجامين، في بحثه، وجود حاجة متزايدة لدى الجمهور إلى "تملُّك الغرض في الصورة وفي إعادة إنتاجه". ويمكن القول، منذ ذلك الوقت، إن التلفزيون والتقنيات الجديدة يلبّيان تماماً هذه الحاجة. ولكن ألا يمكننا ملاحظة غموض هذه الجيرة الإعلامية: فهذه تُوهمنا، غالباً، بأننا نعيش الأحداث في بث مباشر، في المكان عينه، وهي ظاهرة إيجابية طالما أنها تزيد من معرفتنا. بالمقابل، إن هذه الجيرة نفسها مضلِّلة: تدفعنا إلى الاكتفاء بهذه التجربة الإعلامية على حساب التجربة المعاشة.

هناك إزاحة جديدة، وهي تنقلنا من عيش التجربة إلى عيشها المختلف بعد وقت، مثلما يحدث لنا، اليوم، مع تقنيات الفيديو، حيث أننا نعيش بعد وقت ما كان لنا أن نعيشه عند حدوثه. ولو أردنا الذهاب أبعد في استجلاء مبكر لهذه الإزاحة لانتبهنا إلى أن مؤديات دخول الفيديو وغيره قلب عادات السلوك الفني، حيث أننا بتنا نستحسن التفرج على الفيلم من دون الذهاب إلى صالة السينما، وإلى محتويات المتحف من دون الذهاب إلى المتحف...

إنه "هزال التجربة"، حسب بنجامين، طالما أن التقنيات الحديثة - وإن وسَّعت من حجم الإعلام الذي يبلغنا بيسر وبحبوحة - لا تشدِّد ولا ترفع من المتطلبات الجمالية، ولا "تربِّي" ذائقتنا الفنية، كما في السابق. أمام هذا "الزحف" الأكيد لا يقوى "النقد" على فعل شيء كبير؛ وهو ما يمكن قوله في فلسفة الفن وفي الجمالية أيضاً، حيث أن العملية الفنية، بشروطها الجديدة، باتت تستدعي مهارات ولياقات وخبرات وسلوكات غير السابقة: إنه عهد المال-المَلك، عهد التداول، عهد السرعة والصدمة الذي يزن أكثر من المضمون. يستنتج بنجامين: "يا لهم من حمقى من يَشكون من انحطاط النقد. ذلك أن ساعته أزفَّتْ منذ وقت بعيد للغاية". كما يسجِّل أيضاً: "إن الرؤية الأكثر أساسية، اليوم، التي تذهب إلى لبِّ الاشياء، الرؤية المركنتيلية، هي الدعاية. إنها تدمِّر هامش الحرية اللازم لأي درس، وتَرمينا، على وجوهنا، بالأشياء، بطريقة خطرة للغاية، كما لو أن سيارة تتَّجه صوبنا، وهي تهتزُّ فوق الشاشة، فيما تَكبر صورتُها أكثر فأكثر" (في كتابه: "وجهة وحيدة"، ص 220).

الدعاية باتت متوافرة بقوة، بل أزاحت "النقد" بدوره، بعد أن أزاح المال – في مضارباته "المجنونة" – إمكان احتكام الفن في مرجعياته إلى أسس في الفلسفة، في الماورائيات، في الجماليات، في بناء المعاني الجديدة. بات العمل الفني مطروحاً في السوق، وبات يتطلب كذلك سياسات في التعريف به، في الترويج له، في "تثمير" قيمته، غير بعيدة عما يصيب أي سلعة استهلاكية في مجتمع التسوق الجماهيري، وفي مجمعاته الكبيرة. وهو ما يقود بنجامين إلى طرح سؤال مبكر في استشرافه، وهو التالي: أما عاد حلم الإنسان يتعين في عالم "ميكي" الساحر؟ اما عاد متعيناً في عالم وولت ديزني؟

ظهرَ بحثُ والتر بنجامين "العمل الفني في عهد إعادة إنتاجه الآلية"، للمرة الأولى، في العام 1937، قبل ثلاث سنوات على انتقال هربرت ماركوز إلى الولايات المتحدة الأميركية للإقامة فيها. أطلق ماركوز على إقامته هذه تسمية "المنفى"، لكنه ما لبث أن سمى بلده الجديد: "مجتمع الاستهلاك". وهو ما سينصرف إلى درسه جاعلاً من انتقالته المبكرة إلى "العالم الجديد" مجالاً للفحص؛ وهو ما سيصيب أعداداً من الفنانين والدارسين بعده، إذ ينتقلون بدورهم إلى الولايات المتحدة الأميريكة، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية. وهي أكثر من انتقالة للفنانين، إذ تبدو في بعض وجوهها انتقالة للفن نفسه، ما سيظهر في موجات الفن الأميركية المتتالية. يشير ماركوز في كتابه الأشهر، "الإنسان ذو البعد الواحد. مقال عن إيديولوجية المجتمع الصناعي المتقدم"، إلى جنوح الرأسمالية الأميركية صوب مجتمع "مغلَق"، وهي "تعمل على الإمساك بجميع أبعاد الوجود، وعلى إدماجها بها، سواء أكانت خاصة أم عمومية". ويشير "البعد الواحد" تحديداً إلى إخضاع جميع الأنشطة الإنسانية للنسق التجاري، وإلى انصياعها للإنتاجية، وفق مبدإ النفع. وبلحظ ماركوز رحول العنصر الرغبوي (الجنسي تحديداً)  في العملية الفنية، بل في أي عملية للتأثير على الغير، سواء أكان فرداً أم جماعة، إذ يقول: "إن التعبير الأجلى عن هذا الأمر يتمثَّلُ في إدخالٍ نسقيٍ لعناصر "جالبة للإثارة الجنسية" في الأعمال، والسياسة، والإعلان، والدعاية، إلخ. وبالقدر الذي تحصل فيه الجنسيةُ على قيمة تجارية محدَّدة (...)، تتحوَّل إلى أداة تماسكٍ اجتماعي" (في كتاب "إيروس وحضارة..."، ص 12 ).

هكذا يستكمل ماركوز ما سبق لبنجامين أن اختطه... وهو ما يتابعه بدوره تيودور أدورنو، حيث أنه يباشر بدرس علم النفس الجماهيري، دارساً أثر وسائل الاتصال الجماهيري على الفن وعلى الثقافة التقليدية.

تعرَّف أدورنو بل عايش في الولايات المتحدة الأميركية التطوُّرَ الهائل لوسائل الإعلام الجماهيري، من سينما، وصحافة، وإسطوانات، وإعلانات وغيرها. بل تنبه إلى الوجه المتناقض لمثل هذا الحراك الصناعي-التاريخي، وهو أنه يحقق "الدمقرطةُ الثقافية"، من جهة، حيث تنعم أعداد متزايدة من الجمهور بإنتاجات الفن والثقافة، فما عادت مقصورة على "خزانة" الملك، ومكتبات السادة، وأدراج كبار الدارسين والعلماء. إلا أن لهذه الدمقرطة الثقافية وجهاً آخر، من جهة ثانية، وهو وجه الدعاية والإدارة التي انتهت إليها. نحت أدورنو لهذا الغرض (مع زميله ماكس يوركهايمر) مصطلحاً بات، اليوم، شائعاً، وهو "الصناعة الثقافية"، لتحديدِ ظهورِ ثقافة منمَّطة، مشروطة وموضوعة للتجارة وفق شروط نمط السلع الاستهلاكية. وهو ما يستعيد ويستكمل ما بدأ به بنجامين وماركوز تحديداً.

                                     ----

 

كان يمكن أن أبدأ كلامي هذا من لحظة الأزمة المالية الحالية، التي تعصف بالعالم أجمع، حيث أننا أدركنا بصورة مرعبة أننا نعيش - معاً - في العالم؛ بل كنا أشبه بالداخلين إلى سراديب "المترو"، أو المتجمعين في ممراته الداخلية، ممن أصابهم ذعر مفاجىء، إثر سماع صوت غريب أو إشاعة، فراحوا يتدافعون دفعاً، ويدهس بعضهم البعض الآخر، من دون أن يرتدعوا أو أن يتوقفوا عن هذا الإنهاك المتبادل، عن تبديد الثقة بينهم.

عشنا في هذه اللحظة وضعاً يمكن وصفه بأنه خيالي ومادي في آن: فهناك من كبار أصحاب الرساميل من خسروا ربع أو نصف ثروتهم، على أن ما خسروه – مثلما كان عليه ما ربحوه – لا يلمسونه، ولا يمكن أن يعثروا عليه أو يحجزوه في "خزانة سرية". إنه تراكم وهمي وحقيقي في آن. مثل عالم الفن نفسه. هل يمكن أن يصيب عالمَ الفن ما أصاب عالم المال؟

مثل هذا السؤال جدير بالطرح، لا للتلازم المتعاظم بين العالمَين وحسب، وإنما لأن عالم الفن "انزاح" فعلاً عما كان عليه، ما لا يقوى الدارس على التكهن فيه. ما أريد أن أشدد عليه - في استعادة لما بدأت به في مطلع الورقة هذه - هو أن الخروج من عالم اللوحة يتماشى مع تغيرات جارية، ويتأثر بها بالتالي. ويشير هذا التماشي - لو طلبنا التوقف عند بعض الأمثلة – إلى تحول قوي بات يصيب العمل الفني بحيث أصبح في أساس بنائه يعتمد سلفاً على نمط ترويجه الجماهيري الميسر والفعال: يكفي أن نتحقق لهذا الغرض من العديد من الأعمال "الصادمة"، ذات الأحجام الكبيرة، التي تتصدر - على سبيل المثال - مدخل "بينالي البندقية" في إحدى دوراته الأخيرة... يكفي أن نرى إلى تخطيطات بيرن (Buren)، التي يمكن أن نراها عن بعد كما لو أنها مجسمات زخرفية... يكفي أن نرى قبل ذلك إلى وجه مارلين مونرو إذ يتلاعب به أندريه وارول بما يسلي الجمهور... ويكفي أن نرى إلى هذه الأعمال وغيرها لكي نتأكد من أنها بُنيت - أي جرى تصورها قبل قيامها - بحيث تصلح لرؤية جماهيرية، إذ تقوم في تخطيطها، أو في اختيار موضوعها (جسم إنساني، ولا سيما العاري، شيء معروف، أم كلثوم...)، على ما يسهل التعرف عليها، وعن بُعد: بات العمل الفني أقرب إلى عمل الملصقات والمجسمات الدعائية، أو يستعير منها بعض تقنياتها واستهدافاتها.

هناك "تواطوء" يستحسن بنا التوقف عنده، والانتباه إلى مفاعيله، حيث أنه يتلازم مع وجه آخر من وجوه العودة إلى "تقليدية مقنعة"، على ما أرى وأقترح في التفسير. ذلك أن هذه الأعمال تقوم في عدد منها على "ذريعة"، على إحداث صدمة ابتداء من شيء معروف ومعهود (لا مثل صدمات دادا والسوريالية وغيرها)، على أنها صدمات لا تربك المتفرج، ولا تستدعي منه ثقافة مركبة أو نقدية يقوى بها على ولوج العالم الصعب واللَّهَوي لهذا العمل الفني.

وإذا كانت أعمال السوريالية وغيرها عولت على متن فلسفي وجمالي أكيد، فإن هذه الأعمال الجديدة لا تبدو أبداً مثل وارثة مباشرة وأمينة لذلك الإرث، بل هي تستثمر بقاياه المتبقية في الذائقة العامة. فأشد ما يستوقف في هذه الأعمال الخارجة على "المألوف" التشكيلي كونها تستند فعلياً على ثقافة عامة، مبسطة، عند الجمهور العريض، من دون أن يعني هذا بالضرورة أنها "تثقفه" و"تربيه" بالمعنى الجمالي، مثلما حلم الكثيرون من فنانين وفلاسفة جمال، ممن ربطوا بين الديمقراطية ورفع الذائقة العامة.

هذا ما بدأ به الفنان مارسيل دوشان، الذي يُجمع الدارسون والمؤرخون على اعتباره "أول" التجريب الحديث وما بعد الطليعي، أشبه بـ"آدم"،  ولكن الذي خرج برضاه من الفردوس البورجوازي للوحة الصالونية، لصالح ما أسميه: "الفن الجاهز". وهو فن يحتاج إلى مقادير من التبين والفحص اللازمين، على ما أقترح. لنبداً بسؤال افتتاحي: ماذا لو لم تقبل إدارة العرض، حينها، عرضَ أعماله، مثل "المبولة" وغيرها؟ ماذا لو كان له أن يعرضها في الشارع أو في بيته؟ أكان سيكون لها مثل هذا التأثير اللاحق، أو هذا الإقرار المبكر بفنيتها؟ ذلك أننا تعاملنا مع هذه الأعمال الفنية على أنها "من الفن"، مباشرة، من دون عرض ومناقشة، وتداول أكيد، إلا في الخطاب. ذلك أن دوشان "نجح" في فرض أعماله، على العرض، وبلغ دورة "التكريس" مباشرة، فيما تحتاج اللوحة - المكروهة والمحتقرة في هذا التصور - إلى دورة تداول أكثر صعوبة وتعثراً من هذه العملية، التي يُطلق عليها جيمينز تسمية "المعمودية". ماذا لو نرى إلى أعماله هذه: أليست تتكل على "مادية" العمل الجاهزة، التي يتعرف عليها الجمهور سلفاً؟ أليست أعمالاً منتسبة إلى العالم الصناعي والاستهلاكي، كما نتحدث عنها في هذه الورقة؟ ألا تقوم هذه الأعمال على علاقة ميسرة سلفاً بين الغرض الفني وثقافة المتلقي، فلا يصدمه وإن يباغته؟ ألا تصدم هذه الأعمال أساليب الفن، وخيارات الفنانين "الطليعية"، وإرث الجمالية والفنون المتقادم، بينما "تتحالف" بمعنى ما مع ذائقة تقليدية، معهودة؟

يظهر من مجموع هذا الكلام أن الخروج على "المألوف" التشكيلي يعول، ولا ينفصل عن المألوف أبداً. فهو خروج من صالة العرض إلى الصالة الجماهيرية، من "خزانة هواة الفن" إلى محطة القطار، من صالة السينما إلى جلسة الفيديو والحاسوب والهاتف الجوال. خروج، إذن، إلى نوع من الشراكة المسبوقة، لا إلى التي يقوم العمل الفني ببنائها، باقتراحها على غيره.

وهو خروج من المزاد العلني والشراء في صالات العرض إلى ميزانيات الحكومات والبلديات وكبرى الموؤسسات الدولية، أي إلى سوق أوسع، إلى عالم التسوق الجماهيري. وهو خروج يستعين، كما سبق القول، بتقنيات التسويق والترويج التي للسلع الاستهلاكية، من تكثيف واختصار للعمل الفني بحيث يتم حفظه من قبل المتفرح مثل ارتباط دعاية سلعة بموسيقى أو بوجه مشهور وغيرها من أسباب التعالق والتكافل بينهما. 

هذا التواكل، بقدر ما يعول على "السوق" وسياسات التسويق وغيرها فيه، يعول حكماً، وضمن العملية نفسها، على السلطة - أي سلطة: فإذا كانت شروط العقد بينة وملزمة بين الفنان والبيروقراطي ذي العقيدة الشمولية المتشددة، فإن شروطاً غيرها تتحقق بدورها، وإن بخفاء وحذاقة و"سرية" مطلوبة أحياناً، بين الفنان والمسؤول الحكومي. وهو ما يدعونا إلى السؤال: من يصنع الفن، اليوم: صاحب القرار أم الفنان نفسه؟

                                           ---

 

عالم الفن القريب يتبدل: من كان يقوى على التخمين، قبل سنوات قليلة، بإمكان انتقال متحف عريق، مثل متحف "اللوفر" الفرنسي، إلى إحدى المدن غير باريس؟ من كان يقوى على التخمين، قبل عقود قليلة، بإمكان زيارة أحد المتاحف، وهو مستلقٍ أمام حاسوبه في غرفة نومه؟

عالم الفن يتعولم، بطبيعة الحال، بما يشمل أطرافه كلها. وبات واضحاً أنه يتماشى ويواكب التقنيات الحديثة، ويستثمر أساليب التاثير على الجماهير، مخففاً في صورة متزايدة من حمولات الفن "الثقيلة"، السابقة، لصالح حمولات "خفيفة"، قوية التأثير، وبلمحة بصر، وسريعة الزوال.

التغيرات أكيدة، تصيب "نسق الفنون" نفسه، حيث أن فنوناً جديدة (السينما والتصوير الفوتوغرافي في النصف الأول من القرن العشرين، والشرائط المصورة منذ عقود قليلة) "دخلت" وباتت مقرة، من دون أن تتابع فلسفة الفن، أو الجمالية، مثل هذه التغيرات بما يناسبها من طروحات وتفسيرات وتعيينات مناسبة.

التغيرات تصيب الفنون "القديمة" بدورها: الشعر بات "أخرس"، يمعنى ما، أو أن صوته بات غير مسموع، ولا يظهر من دون "معونة"، فضلاً عن تهديد الرواية المتعاظم له.

حتى المهن تتبدل: الصحفي أوسع تاثيراً من الناقد، والباحث في نطاق الإنتاجات الثقافية المعاصرة بدل مؤرخ الفن أو الجمالي أو فيلسوف الفن...

ليس لنا أن ندير ظهرنا لما يجري، ولا أن نتبرم منه إن لم يعجبنا أو كان يصدمنا بطريقة غير محيية أو سعيدة. لنا - على ما أزعم - أن نبقى، مثلما قال رامبو، "حديثين قطعاً"، إلا أن علينا كذلك أن نكون حذرين من دعاة الأوهام "الرخيصة"، مثل التي تُحدثها الأفلام التي نتفرج عليها، مأخوذين بها تماماً، فنخرج منها من دون أي أثر، غير الضحيح نفسه الذي يكون قد زال.

                                       ---

 

 

المراجع :

شربل داغر:

- "الفن والشرق : الملكية والمعنى في التداول"، الجزء الأول: "النادر والعريق"، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، 2004؛

- "الفن والشرق : الملكية والمعنى في التداول"، الجزء الثاني: "الفن الإسلامي"، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، 2004؛

- "العين واللوحة : المحترفات العربية"، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-بيروت، 2006 .

 

Adorno (T.W.), Sur quelques relations entre musique et peinture, Paris, La Caserne, 1995, Trad. de l’allemand par Peter Szendy avec la collaboration de Jean Lauxerois.

Adorno (T.W.), Théorie esthétique, Paris, Klincksieck, nouvelle édtion, 1996, trad. de L’allemand par M. Jimenez

Benjamin (Walter), Écrits français, Paris, Gallimard, présentés et introduits par J.-M. Monnoyer.

Benjamin (Walter), Paris, capitale du XIXe Sciècle. Le livre des passages, Paris, Le Cerf, 1989, trad. de l’allemand par J. Lacoste.

Benjamin (Walter), Sens unique, Paris, Lettres nouvelles, 1978.

Dagher (Charbel), 'André Malraux: l'autosatisfaction de l'art', in:

"Quête d'un idéal humain et des valeurs transcendantes" (col), éd. La croisée des chemins, Casablanca, 2006, pp. 163-170.

Jimenez (marc), Qu'est-ce que l'esthétique?, Paris, Gallimard, 1997.

Malreau (André), Le musée imaginaire, Gallimard, Paris, 1965.

Marcuse (Herbert), Éros et civilisation, Paris, éditions de Minuit, 1968.

Marcuse (Herbert), L'homme unidimensionnel, Paris, éditions de Minuit, 1968.