على الرغم من كل ذلك الانفتاح اليقظ على أسرار السرد وسلطان الصحافة وأعالي الأكاديمية ومنتجعات النقد وفراديس الفن ومنابت الفلسفة، إلا أنه، في تصوّري، ومن خلال  متابعتي لفاعليته الثقافية الغنية أراه منحازاً إلى ربّات الشعر وجنيات التخييل وأحابيل اللغة الشعرية. لكأنني رأيته في مرائيه ومراعيه ومراقيه شاعراً يرى في الشعر سادناً للفنون جميعاً وحارساً لملاعب الشجن الإنساني المتواصل.

فالشعر عنده مغامرة فنية خلّاقة، إذ القصيدة مقترح موهوب للمخاطرة، ومنذور للخروج على المنوالية السائدة والنمطية الشكلانية المستسلمة للتقليد والثبات.

لشربل داغروجهات نظر بليغة في هذا المجال، وقد سمّى قصيدة النثر "القصيدة بالنثر".فهو ليس نزّاعا إلى حداثة الشكلانية الشعرية فحسب، بل هومتجاوِز ذلك إلى ما بعد حداثة الحداثة.والمستبصِر قصائده يقف على ملحوظة واضحة،وهي أنه صوت شعري أحاديّ، نابت من أرض بكر، استطاع أن ينفلت من الأستذة الماغوطية والأدونيسية ليبتكر مغامراته الشعرية. وهي –فيما أرى - كتابة شعرية لنخبة النخبة؛ كتابة مبهّرة بالنكهات الفلسفيةالتي تُخرج اللغة عن مزاجها المألوف، وتذهب بلذة التخييل إلى أقاصي الغياهب؛ لكأن القصيدة مشروع يبدع الحرية ويكايد الحياة ويتحالف مع أسارير البلاغة المستجدة.

أعترف بأني، في أثناء قراءتي الأولى لمجموعة من قصائده،تلبّستْني نوبة من الفزع الجميل. فأنا كائن غنائي بالغريزة،اعتدتُ أن أطبخ قصيدتي بماء الموسيقى وهسهسة الكلمات الموقعة بالحفيف والرفيف وحشرجات الناي وأنات الكمان، فكيف سأستطعم النثيرة الشعرية؟ كيف سأتذوق ملذاتها الجارحة؟ أي شجاعة أحتاج لأبني جسراً بيني وبين القصيدة بالنثر التي لم أجرّب كتابتها. لذلك قلبت أوراق موقفي منها فوجدتني منحازاً ومنشرحاً لتجربة الماغوط، وغير مؤتنِس بتجربة أدونيس في نثرية الشعر. وتذكرت أنني أقول دائماً : أنا مع التجريب الشجاع في شكلانية الشعر والفنون جميعاً. القصيدة بالنثر أحرجت الذائقة السمعية التطريبية التي ألفتها الأذن العربية حدّ الوثنية. وخلصتُ إلى الاعتقاد بأن استهجان المتلقي للقصيدة بالنثر هو ندرة الجيد المتميز منها، وليس العيب في عمارتها الفنية المتحررة من سلطة الموسيقى، كما هو الحال تماماً مع كمٍّ كبير من شعر الشطرين الذي يبنى على ضجيج من الهندسة الموسيقية الصاخبة برنين الخطابة والصراخ المنظم. فالعبرة، إذا، في أسلوب إدارة الكلمات ونجاح تحالفها في ابتكار المعاني وإبداع الاستعارة واستفزاز الخيال العذب الجسور. فبعض الومضات النثرية المتوهجة أرقى بدرجات عالية من النظم الاستهلاكي ذي الموسيقى المجانية الجاهزة.

شربل داغر شاعر متطهِّر من أصداء شعر الآخرين، وحدّاس ذكي يشكك الشمعة بنورها، والنهر بمجراه، والمرأة بمرآتها. كاهنٌ في بلاغة الانزياح والمفارقة. بارعٌ في حراثة الحقول الدلالية للتراكيب اللغوية المتلبدة. تبدو ربة شعره مشغولة بتوريط القلق اللذيذ بطراز المغزى المطمئِن. فشعريته نافرةٌ، مغايرة، مكابرة، تصنع فضاءاتها التعبيرية بمزاج طفل يتحدى بزورقه الورقي عواصف البحر الهَرِم.

ذلك لأنها شعرية صافية معنية بالمجسّات الشعورية بصفة الشعر نوعاً من أحلام اليقظة بعيداً عن منطق الذهنية الصارمة.

في ديوانَيه "حاطب ليل" و"وليمة قمر" ثمة طفل ضَجِر من الألفة الأسرية، ورتابة المكان، فسرى بخياله الحاد إلى ملكوت الليل يحتطب الأسئلة، ويرسم بشهية سوريالية لوحات فانتازية مضادة تؤنس ما هو معنوي ببساطة صعبة :

"حلمٌ مبهم

يدرج في بنطلون قصير

يداه تُقلِّبان غيمة

ورجلاه مجذافان في نهر".

تلك صورة لطفل خرافي يعيد صياغة الواقع ويحتج عليه بجنون فني باهظ يربك سلطان المنطق ويكسّر أسنانه.

وعندما نكمل قراءة المقطع تذهب المخيلة إلى ما يشبه الهستيريا الممتعة :

"حبلُ سرتي لطائرة ورقية

أرفعها وترفعني

وخيطها يكتبني

أو يلتف حول عنقي

حبل سرّتي لغسيل مدعوك فوق سطوح باردة

وبطول حبل حماري نهق في مرج مشمس". فحبل السرة بات في خيال الطفل الشاعر أو الشاعر الطفل ثلاثة أنواع من الحبال المعروفة:  حبل الطائرة الورقية، وحبل الغسيل، وحبل الحمار. كـأن حبل السرة احتج على وظيفته البيولوجية في تغذية الجنين ليمارس وظائف حياتية أخرى، فمارس حبل السرة حريته ليتشكل كما يشاء هو لا كما تشاء البيولوجيا. فالطفل في أغلب شعر داغر خارج على هندسة التكوين كأنه  كائن لا علاقة له بالأرض، متفلتٌ من أنظمة المعقول الدنيوي بمهارة صوفي وجودي منتم للذاذة الشعور بعبثية الكون. وفي أحايين أخرى نرى هذا الطفل مغتبطاً بمناسك الزهد وتحولات الحدوس القلبانية التي تنبض بعبارته المطمئنة : "لا تبحث عن المعنى لعله يلقاك".

(عَمان، في حفل تكريم الشاعر شربل داغر، بيت الثقافة والفنون، 9-12-2017).