دائمًا تكون قشعريرة النص سرية، كما لو أنها مفاتيح لدفتر مليء بالأسرار والمفارقات.

متفرد في  حبره  وطريقة رقمه؛ رقم أقرب إلى طلسم البدايات في تشكل القصيدة المليئة بالهواجس غير المعلنة، أرى  إلى شربل  داغر بوصفه بئرًا غامقة تحتاج إلى شفرة خاصة لفك عذريتها المتوالدة، تلك العذرية التي جاءت  كمرآة لطبائع الشاعر، الذي ينزح نحو تفرده في البحث عن منطقة بكر في الكتابة. فالكتابة البكر كدٌّ متواصل، كوننا قصفنا بملايين القصائد الجميلة والرديئة على حد سواء. فقد أعفى نفسه داغر، بوعيه  المتقدم من تلك العناصر والمناطق، ليذهب إلى بئره العميقة مفتشًا عن مناخاته الصعبة في النص الشعري. فلم يألُ بالًا لطبيعة الذوقية العامة، بل انتصر لذوقية خبويةعميقة للتلذذ بتلك النصوصالمشفوعةبالطبيعة وعمق المرئي والفلسفي.

عرفته جادًّا في ما يذهب إليه في البحث البصري والقصيدة وصولًا لتجاربه الهامة في الترجمة، وعلى رأسها كتاب رامبو ”العابر الهائل بنعال من ريح" .

إنه الرائي بعينين أقرب إلى ميكروسكوب يبحث عن  وجوه الأشياء، حاذفًا الثرثرة من حجر القصيدة،  كنحات يقشر حجرًا باحثًا عن  زمردة عبر الحت والنقب. نقّاب  بأزاميل ماسية تنزح  نحو روح اللغة  والحركة في سكونية  التكوين، باحثًا عن سر سحر الأشياء المتوارية في المرئي. فهو الباحث  في بصيرة القصيدة، وقد اتخذ من بصائر الشعر مدارًا  لمنظاره. فشعراء  البصائر، كالمعري وبشار وهوميروس، هم من أضاؤوا لنا بصائر الشعر، وعلمونا كيف للحساسيات الشعرية أن تكون في ظلمة البصر ونور البصيرة.

مغامر في نبش المسكوت عنه في الكتابة، نبش القصيدة الشفافة واشتباكها مع اللوحة والسينما والمسرح ايمانًا منه بتشاكل تلك الفنون، فهي المساقي التي تلتقي في مناخات الهواجس الإبداعية. لا يعرف الوجل من شكل إبداعي بل يذهب إليه ليختبره اختبار العارف والمجازف للوصول إلى حقيقة الأشياء وتخييلها .فمن تتبعي لداغر أراه دائمًا يحاول إنقاذ النص من الأسئلة الطفيلية، ليعفيه من ضحية العبث في أسئلة الشكل على حساب الشعرية  العالية، ايمانًا منه بإمكانية إنجاز الحفور المتجاوزة في تربة أرض الشعربعيدًاعن شجرة الأنساب وتوارثاتها المتكلسة كفعل مضاد لبويطيقيا "التقبل"، ذاهبًا باتجاه مشاركة المتلقي تلكالمشاكسة وصولًا إلى ترويضه لقبول الأشكال المغايرة للاعتياد دون الوقوع بالأجناسياتكأصول ثابتة في ذهنيةالمتلقي والكاتب على حد سواء .

لم يقف هذا الكائن الاشكالي عند حدود الكتابة المعتادة، بل  اتخذ من اختبارات النص المدار الأساس  لوجوده الإبداعي. فقد تشاكل مع الفن التشكيلي بتجارب مغامرة  ومثيرة، منها "الغبطة في  الكلام، المتعة  في التصوير"،  بينه والعامري، وتجربة "تواشجات" مع مجموعة من الفنانين العرب. ونراه،  في حديثه عن الزمن والشعر، يقدم صدمة حقيقة في ضرورات  خروج  القصيدة  من زمن التوريث والتأطير  والخروج من المدحويات إلى القراءة التشاركية مع  القارئ  بعيدًا عن هيجان الإلقاء المنبري، أي نبذ الوظيفة التعبويةوالاخلاص لتقطير الحساسية الجمالية داخل الذات القارئة.

فكتابه "ترانزيت" الذي ينصت إلى محكوكات النص مع الشاشة و"البرفورمانس"والعمل البصري لهو أكبر  دليل على طبائع داغر في ارتكاب الكتاب كفعل مناكف بعيدًا عن تكلسات الرؤيا الشائعة  في الفعل الابداعي،  كما لو أنه يشير إلى موضع غائر في عتمة النصوص الناجزة برخاوتها في  كثير من الأحيان، باحثًا عن ما رشح من الجرة من قطرات وشهقات مشفوعة بخلود النص كحقيقة،كفعل مضاد للكرنفاليات الشعرية .

كان  مغايرًا  يحاول أن يثير سؤالا معرفيًّا كبيرًا في  جسد الإبداع العربي.

(كلمة في تكريم شربل داغر في عَمان، في 9 كانون الأول-ديسمبر 2017، في بيت الثقافة والفنون ومؤسسة عرزال الثقافي).