"لو سألت نفسي اليوم لماذا أحب الأدب؟"- هذا هو السؤال الذي طرحه تزفيتان تودوروف في كتابه "الأدب في خطر"، وهو يراجع مساره النقدي معترفاً بأنه واحد من الذين أسهموا في قتل الأدب عن طريق تصوراته البنيوية في دراساته. وهذا القلق المعرفي، والقدرة على مساءلة الذات ونقدها، وبناء تصورات جديدة في ضوء مراجعات فكرية لتاريخ علاقتنا بالنص الأدبي ومراياه المتعددة، هو ما دفعني إلى أن أربط بين شربل داغر وتودوروف، حيث إن كل واحد منهما خاض في دروب هذا القلق المنهجي والمعرفي، واستطاعا بناء السؤال الخاص، والانتقال من مرحلة التلقي الانطباعي إلى مرحلة الإبداع والإنتاج والنقد ونحت مفاهيم ومقاربات جديدة؛ لأن "معرفة الأدب ليست غاية لذاتها، وإنما هي إحدى السبل الأكيدة التي تقود إلى اكتمال كل إنسان". لهذا، وأنا أعود إلى دراسته الأكاديمية الأولى عام 1988 التي وسمها بـ"الشعرية العربية الحديثة: تحليل نصي"، أجد وعياً نقدياً متقدماً لدراسة النص وفق المعرفة الشعرية من دون أن يكون هناك أي إسقاط للبنيوية التي كانت موضة منهجية في تلك المرحلة، وأجد أن النص بالنسبة إلى شربل داغر يصبح هو المدرسة والمنهج من دون أن يتم إقحام هذه المعرفة بطريقة آلية. ولدى الوصول إلى دراسته الأخيرة عن "الشعر العربي الحديث: قصيدة النثر"، التي تدخل ضمن مشروعه النقدي، نلاحظ أنّه راجع فيها الكثير من التصورات السائدة التي تختزلها في الشكل؛ معتبرا أن قصيدة النثر نص مغامر مقامر لا يمكن أن يحدد وفق نموذجية ما؛ لأن قصيدة النثر تبني شكلها انطلاقا من الرؤى التي يستشرفها الشاعر عن طريق حفريات معرفية عميقة لم تقف عند المقولات التي لخصتها أطروحة سوزان برنار، بل استطاع أن يعمق وعينا النقدي ملحًّا على ضرورة الاعتراف بالتجريب الشعري الذي يمكن أن يوسّع من نظرية الشعر العربي وبخاصة تلقينا لقصيدة النثر.

إن هذه القدرة على إنتاج السؤال الخاص، وبناء وعي قلق تجاه الجاهز، هو ما يعمّق طبيعة العلاقة بين تودوروف وشربل داغر.

هل النقد العربي اليوم انتقل فعلاً من مرحلة استيراد المفاهيم والمقاربات إلى مرحلة بناء وإنتاج السؤال الخاص؟ هذا السؤال هو الذي يمكن أن يلخص لماذا أحب شربل داغر الأدب؟

وإذا ما حاولت أن أرسم شخصيته، كما تتبدّى في ذهني الآن أمامكم، أجده يشبه كثيراً أدباء ونقاد القرن التاسع عشر، بموسوعيته، وإمكاناته في القراءة، سواء في الترجمة أو النقد الأدبي أو الدراسة الأكاديمية أو الإبداع في الشعر والرواية، والتدريس، واحتضان الأجيال القادمة من الباحثين والأدباء بقلب مفتوح مما يزيد الأمر صعوبة على أية باحثة شابة مثلي، وهي تسعى إلى أن تقدم شهادة في قامة نفخر بها جميعاً، ولا يكاد أي بحث جامعي أكاديمي في الجامعات يخلو من إحالة على أحد كتبه التي تفكر في نظرية الشعر من داخل الشعر نفسه، هذا الشعر الذي أتعبني وأتخيل أنه أتعب أستاذنا وهو يقدم نصوصه الشعرية التي تخرج عن المألوف، وتزداد العلاقة إمتاعًا بين قبعة الباحث الأكاديمي المتخصص وقبعة الشاعر، وهو يربك المسافة التي اعتدناها في قراءة الشعر الذي يرتبط بالذاتي أكثر مما يرتبط بالموضوع كما نجد ذلك في السرديات. لهذا يلاحظ الباحث أن شعرية شربل داغر تقيم في الحدود وتخرج عنها في الوقت نفسه عبر توسيع مساحات التأويل وجعل التخييلي يرتبط بهذه الذات التي تنفصم في النص، وتعبر عن تاريخ الفصام العربي ولا سيما في قدرته على تفكيك الجسد وتهديم سلطة الذكورة من داخل قصيدة النثر.

تزداد صعوبة الحديث عن شربل داغر كلما عدنا إلى سيرته ومساره الحافل بالأثر العميق فينا جميعا؛ لأنه يمثل أكاديمية مفتوحة على السؤال الخاص أمام جيلي والأجيال كلها، ولن أنكر فضله عليّ وهو يوجهني إلى مقاربات الدراسة الأدبية، وبتواضعه الآسر يدفعني إلى أن أبحث عن سؤالي الخاص بعيداً عن منطق التطابقية التي عادة ما تدمر كل أشكال الإبداع. ولهذا فإن ثقافة الاعتراف بما قدمه من أعمال جليلة، تجعل من احتفائنا به جميعا درسًا بليغًا في علاقتنا بالأدب من جهة، وبقدرته على منحنا الحق في الشعر والحلم والاختلاف وبناء واقع جديد لممارستنا من جهة أخرى. لا أجد أفضل من هذه الكلمة للتعبير عن امتناني الشديد للجهة المنظمة التي جمعتنا اليوم، وأحيي شربل داغر الإنسان والأستاذ والمثقف والأديب، وللأساتذة والحضور الكريم باقة من القلب.

(كلمة في تكريم شربل داغر في الحركة الثقافية أنطلياس- لبنان، 15 آذار/ مارس 2018).