أيها الزملاء

إيها الأصدقاء

 

عندما طُلب منّي أن أقدّم شربل داغر، لم أتردّد لحظة. قبلت المهمة على الفور.

ولكن في ما بعد انتابتني الحيرة عندما باشرت محاولاتي في جمع الأفكار، وتحديد مفاصل النص ,شكل مداخلتي وأسلوبها. احترت بداية علامَ سأتكلّم: على زميلي منذ أكثر من ربع قرن في جامعة البلمند، أو على الناقد والأديب، الشاعر والروائي... أو على الصديق والرفيق القديم منذ سبعينيات القرن الماضي.

أعتقد أن كثيرين غيري يعرفون الأديب والناقد والشاعر والروائي. فأعماله منشورة، وبإمكان أي كان الحصول عليها وإحاطتها بالتحليل والنقد.... لست هنا لأقدّم مراجعة نقدية لأدبه، على أنني سأعرّج عليها في ما بعد. ولكن، وبما أن قليلين هم الذين مثلي – أو هكذا أعتقد - كانت تربطهم به علاقة رفقة طويلة في دروب الدراسة وفي مسالك السياسة، اخترت أن أحكي عن الصديق وفي الوقت ذاته عن نفسي، ليشمل كلامي حكاية جيل بكامله. جيل يقترب من الأفول.

نحن من بقايا زمن كانت فيه الجامعة اللبنانية، التي انتمينا إليها، واحدة موحّدة، مركزها بيروت. كانت الجامعة بيتنا، مرجعنا، موطننا. كان الزمن زمنًا تلد فيه الأفكار بغزارة وتُجهر علنًا وبلا خوف في كل مكان. كانت بيروت جميلة وكنا نراها ونبصرها بسهولة بأعيننا من دون أن تقف ناطحات السحاب عائقًا بيننا وبينها. وكان لبنان أجمل بمدنه وخاصة بقراه الحقيقية والتي لسوء الحظ خسرت بعد الحرب بساطتها وبراءتها.

كنت طالبًا في كلية الآداب وفي معهد العلوم الاجتماعية، وكان شربل طالبًا في كلية التربية. ولكن كنا جميعًا نعدّ أنفسنا منتمين لكلية التربية. كلية الآداب كانت ملاصقة لكية التربية، فقط بضع دقائق تفصلنا عنها. كنا  نمضي فيها معظم أوقاتنا قاصدين الكافيتيريا الشهيرة التي كان يديرها أسعد. نجتمع في قاعاتها لتحضير تحرّك طلابي، مطلبي أو سياسي، لانتخابات اتحاد الطلاب، لحضور ندوات وأمسيات شعرية. هناك استمعت لأول مرة إلى شربل وهو يلقي قصيدة، وفي مرّات أخرى يلقي كلمة تعبوية في ندوة حول موضوع يخصّ المطالب الطلابية أو حول موضوع سياسي وكان، وقت لآخر صوت الصديق عصام خليفة الجهوري يدوّي بقوة في القاعات والممرّات... ولكن كلية التربية لم تكن فقط مكان لقاء من أجل تحرّك مطلبي أوسياسي، بل كانت للمكان نكهة أخرى أكثر حميمية، كان المكان الأكثر إلفة للقاء الطالبات وحبك علاقات عاطفية قد تدوم وقد تنتهي...

مكان آخر، خارج إطار الجامعة، كنّا نلتقي فيه، كان السياسة. كنّا، شربل وأنا وعديدون غيرنا، ننتمي إلى ما كان يُسمّى تنظيمًا سياسيًا طليعيًا. تنظيم ثوري طبعًا يحلم بتغيير المجتمع جذريًا نحو أفق أكثر ديمقراطية وأكثر عدالة وإنسانية، ويحمل هموم المنطقة بكاملها وقضاياها ولاسيما القضية المركزية فلسطين: استرداد أراضيها المغتصبة، واستعادة حقوق شعبها وعودته إلى دياره. كنا نناضل ضد نظام الإقطاع السياسي الطائفي والرأسمالي في الداخل، وضدّ كل القوى المتحالفة مع إسرائيل في الخارج، وندعم المقاومة الفلسطينية وكفاحها المسلّح. لم نكن كثرًا، ولكن اندفاعنا كان قويًا، وإرادتنا صلبة، وكانت أحلامنا كبيرة وجميلة. ولكن الحرب الداخلية في لبنان حطّمت هذه الأحلام وشلّت أرادتنا واندفاعنا. لم يبقَ شيء من كل هذا ولم يتحقّق أي شيء. نحن جيلٌ مهزوم.

ولكن ما لنا وهذا الخطاب المحبط.... لنعد إلى زمن هذا الجيل. كنّا، في ممارساتنا اليومية، قد تخطّينا الطائفية والمناطقية وكل أشكال التقوقع. لم نكن نسأل أحدًا إلى أي منطقة ينتمي، وفي أي محلّة يعيش، ومن أي طائفة هو... كنا فقط نسأل عمّا يحلم. لسنوات كنت أجهل أن شربل داغر من تنورين وأنه ينتمي إلى الطائفة المارونية... لم تكن الطائفة هوية ذات معنى بالنسبة إلينا. حينذاك لم يكن يهمّنا كثيرًا الاسم أو الكنية. همّنا كان أن ننتمي إلى ما نحن اخترنا أن نكونه: ثوارٌ حالمون وأفراد مستقلّون، تاريخنا يبدأ معنا، في حاضرنا وحضورنا وليس في ماضينا. لم نعدّ أنفسنا حلقة في سلالة نسبية. نسبنا الوحيد هو البشرية. هكذا سرنا نحو مستقبل أردناه جماعيًا ومنتميًا للإنسانية.

في هذا الجو تعرّفت على شربل. كنا نمشي في الدرب نفسه، على غرار "مشّاء" صديقنا أنطوان أبو زيد. مشوارنا كان في التظاهرات، أو في الندوات، أو في الاحتفالات السياسية العامة. لم نكن دائمًا على وئام. فالسياسة التي جمعتنا، فرّقتنا أيضًا على الرغم من بقائنا في الصفّ والخطّ نفسيهما. اختلفنا في التفاصيل، ولكن يومذاك كانت التفاصيل مهمة وتستحق الخلاف وحتى النزاع بين رفاق الدرب الواحد. دخلنا سويًا، وإن من مواقع مختلفة ولكن غير متناقضة، في الحرب الأهلية وصرنا طرفًا فيها. حرب السنتين كانت كافية لتكشف مساوئ هذه الحرب، عبثيتها، خلفياتها الطائفية، أهدافها غير المعلنة، قادتها الانتهازيين، أطرافها الفعليين الخارجيين ما دفع بغسّان تويني إلى وصفها بـ"حروب الآخرين على أرضنا". أحلامنا الكبيرة لم تعد تحجب حقيقة الوقائع الصغيرة.

لم نكن نلتقي كثيرًا، ولكن كلّ واحد منّا خاض نقده الذاتي بمفرده، وانتهينا إلى النتيجة نفسها. انسحب كلّ منا من الحرب وسافرنا إلى فرنسا. انسحبنا من الحرب ولكن لم نتراجع عن اقتناعاتنا الرئيسية: نقديون، ضد الطوائف، علمانيون مع فصل الدين عن الدولة، مع الولاء للدولة وليس للزعامات والملل، مناهضون لنظام مكبّل لا يملك قدرة التقدّم والتغيير....

في فرنسا التقينا مرّتين أو ثلاثة. كان شربل في باريس وأنا في ليون.

هناك أخذ كل واحد منّا يرسم خطّ مساره الشخصي. والتقى المساران على أساس الأدب: الصحافة والإبداع الأدبي بالنسبة إلى شربل، التدريس والنقد الأدبي بالنسبة إليّ. في لقاء أخير معه في باريس في الثمانينيات، دار نقاش حول إشكاليات النقد الحديث، وكانت السياسة قد ابتعدت كليًا عن اهتماماتنا. 

وعندما قرّر شربل العودة إلى لبنان، التقينا في جامعة البلمند، وشجّعته في تنفيذ قراره بالعودة. وكان ما كان. التحق الدكتور شربل داغر بجامعة البلمند أستاذًا في قسم اللغة العربية وآدابها. غير أن في جعبة شربل  مؤهلات أخرى، فسرعان ما برز كأستاذ مميّز يُطلب منه تنفيذ العديد من المهام: تنظيم مؤتمرات ("العربية في لبنان"، وأخيرًا مؤتمر حول إشكالية "الحدود")، إنشاء قسم "الإعلام وتقنيات الاتصال" وقسم "العلوم السياسية"، ترؤّس العديد من الأقسام غير قسم "اللغة العربية وآدابها"، المشاركة في هيئة تحرير مجلة كلية الآداب "حوليات" وتسلّم مسؤولية تحرير بعض أعدادها، ومنها العدد الخاص بجرجي زيدان. صعد سلّم المراتب الأكاديمية في الجامعة إلى أن حصل بجدارة على "الأستاذية" (Full professor).

شربل داغر، كاتب متنوّع المهارات وغزير الإنتاج. لن أعدّد عليكم عناوين مؤلّفاته ومجالاتها بل أحيلكم إلى ملفّه الشخصي لإلقاء نظرة عليه والتأكّد من هذا التنوّع وهذه الغزارة: من النقد الأدبي والفني ولاسيما الجماليات إلى الترجمة، إلى الشعر والرواية وحتى المسرح، لا يترك شربل داغر مجالاً إلاّ ويخوض غماره. والجدير ملاحظته أنه يتمتّع بأسلوب خاص يُظهر عمق ثقافته وغناها، سعة اطلاعه وتعدّد مرجعياته من تاريخ وأدب وفنون تشكيلية وطرائق نقد، ومقاربات اجتماعية وأنتروبولوجية. ومثلما هو غزير في إنتاجه، فهو غزير في عدد الصفحات. أودّ هنا أن أقصّ عليكم طرفة: حين كنت رئيسًا لتحرير مجلة "حوليات"، كنت، كلّما طلبت منه بحثًا للمجلة، أشترط عليه ألاّ يتخطّى البحث عشرين صفحة، وكان ذلك صعبًا عليه، إذ أقلّ بحث يكتبه يتجاوز بسهولة الأربعين صفحة.

نجح شربل داغر في العديد من الحقول التي خبرها وكتب فيها. من الفنون إلى ترجمات لقصائد من العالم (رامبو، سنغور، ريلكه، أندريه شديد، الشعر الأفريقي والزنجي) مرورًا بالأنطولوجيات والتاريخ المحلّي والإقليمي من منطلقات أنتروبولوجية. كسب على أثرها احترام وتقدير كل الأوساط الثقافية في المشرق والمغرب وحتى في الغرب. ففي العام 2016، صدرت الترجمة الإنكليزية لكتابه "الحروفية العربية" عن دار Skira الإيطالية الشهيرة. وكانت النسخة العربية قد صدرت قبل خمس وعشرين سنة في العام 1991.

غير أن علاقته بالأدب تجسّدت في خصوصية لافتة. كان مبدعًا وناقدًا ومؤرّخًا في الوقت نفسه. لم يكتفِ بكتابة الشعر وتأليف الروايات فقط، بل راح يعالج في كتب نظرية إشكاليات الشعر والرواية. من "الشعرية الحديثة" إلى "الخروج من نظام الواحدية التمامية"، شكّل النوع الشعري بنصّه وقصيدته (المنثورة أو غير المنثورة) موضوعًا شدّ اهتمامه الأدبي وقلقه الثقافي. أما في الرواية، فكان همّه المركزي قد انصبّ على البحث عن أصول الرواية وروّادها الأول في العالم العربي.

قبل عشر سنوات، طرق الشاعر شربل داغر باب الرواية. بين 2008 و2016، أعطى خمس روايات، وكادت واحدة منها، "بدل عن ضائع" (2014(، أن تحصل على جائزة وزارة الثقافة في لبنان المحخصّصة للرواية اللبنانبة المكتوبة باللغة العربية. علمًا أن في المرحلة نفسها بدأ اهتمامه بالرواية كنوع أدبي، ولكن بصفة الباحث-الناقد-المؤرّخ. راح يبحث عن أصل الكتابة الروائية في لبنان والعالم العربي وعن أولى المحاولات الروائية، فحقّق روايتين صدرتا في القرن التاسع عشر، واحدة لخليل الخوري (2009) "وَيْ. إذن أنا لست بإفرنجي" معتبرًا إياها "الرواية العربية الأولى الرائدة"، وثانية (2016) لفرانسيس المرّاش "درُّ الصَّدف في غرائب الصُّدف".

في الشعر، أدرك شربل داغر منذ البداية أنه فعل فنّي وليس إلهامًا تتحكم به قوى فوطبيعية بأسمائها المختلفة... صار الشعر، بالنسبة إليه، لعبة إغواء حقيقية يقودها بإتقان. إنه إغواء فيه الكثير من الفسق والشبقية وأيضًا الكثير من النبل والترفّع. إغواء يرافق عملية الإبداع وآلية القراءة الكاشفة أيضًا.

انتقل من الشعر الموزون والمضبوط بإيقاع والمصوّب نحو أذن المتلقّي وسمعه، إلى قصيدة صارت موضوع نظر. ومن دون أن يكفّ هذا الشعر عن كونه كلامًا فيه إيقاع، تحوّل تشكيل القصيدة إلى بناء أشبه بتشييد عمارة وهندستها على بياض، بياض الصفحة حيث تتوزّع المفردات على مساحة خالية وملساء. هنا يمكن القول بأن العفوية صارت مضبوطة من قبل الصنعة (l’art).

وقد سمحت لي ترجمة بعض قصائده ولوج "حالته الشعرية" وهي حالة لاواعية – أو هي "رأس حالات اللاوعي" على حدّ تعبير شاعرنا الكبير سعيد عقل ( في مقدّمة "المجدلية"): ضبط لحظة تحولات الكائنات وتبدلاتها، الانفصام والتماهي، التردّد والضياع والتخبّط، ملامسة الماء أصل المتعة ومنتهاها... كلها صور مصاغة بلغة استعارية رمزية تعبّر عن تلذّد الشاعر في عالمه الداخلي المضطرب. في هذا السياق يجوز لنا أن نؤكّد أن شعره هو ثمرة فعل كتابة أكثر منه نتاج كلام. كلّما انعتق هذا الشعر من صلاته بالمرجع، بلغ درجات عالية جدًّا من الصفاء بحيث يغدو لعبًا لغويًا بامتياز مبنيًا على المشهدية والصور والاستعارات والتشابيه.

إنه من دون شك شاعر من مصاف شعراء "ما بعد الحداثة" إن من حيث الشكل أو المضمون. 

 

مثقّف، مفكّر، مبدع، أكاديمي رصين.... يستحق شربل داغر هذا التكريم لشخصه ولنتاجه الأدبي والفكري ولعطائه الأكاديمي. وما مشاركتي في هذا الاحتفال التكريمي إلاّ لأضيف إلى هذه الصفات صفة أخيرة هي الصداقة التي رافقتنا ورافقناها خلال عقود ولم نبح بها يومًا.

(كلمة في تكريم شربل داغر، "الحركة الثقافية"، انطلياس(لبنان)، 15-3-2018).