أنطوان أبوزيد : شعر داغر باعتباره تكوينًا لذات

 

يقول رينه شار : "الشاعر هو تاريخ تكوين كائن يرتمي وكائن يتلقّى. يستعيرُ من العاشق فراغًا، ومن المحبوبة نورًا. ومن هذا الزوج الشكلي، وهذه الدرب المزدوجة، ينالُ الشاعر صوتَهُ  نبلا باعثًا على الإشفاق" [1]

 

 لا أراني، في تكريم الصديق العلاّمة شربل داغر، غير ناظر في  الأثر الأثير لديه، عنيتُ  الشّعر، وإن تكن الجماليات أحدَ تلاوينه وتجسيداته الكثيرة. ولا ألتفتُ كذلك إلى النقد الشعري لديه، وهو  يسع  مجلّدات بعينها (ستة إلى حينه)؛ ولا أتقصّد الغوصَ في التاريخ الذي حظي من العلاّمة بعضًا من نظراته النفّاذة إلى بلادٍ وعمران وعائلات عمرت التلال، واعتصمت بها قبيل النزوح إلى المدن.

 إذن، أطرح بداية على نفسي تساؤلًا مستوحى مما قاله رينه شار في تكوين الشاعر، ثمّ أعاود الالتفات إلى مجموعاته الشعرية العديدة : من "فتات البياض" (1981)، و"رشم" (2000)، و"تخت شرقي" (2000)،  و"حاطب ليل" (2001)، و"إعرابًا لشكل" (2004)، و"لا تبحث عن معنى لعلّه يلقاك" (2006)، و"ترانزيت" (2009)، و"القصيدة لمن يشتهيها" (2010)، و"على طرف لساني" (2014)، و"دمى فاجرة" (2016)، محاولًا استخلاص أهمّ الملامح الكبرى في كتابة شربل داغر الشعرية، فأراها في أربعة، على سبيل إيجاز الإعجاز، وهي :

أولًا – الغنائية المغايرة.

ثانيًّا- الأنا المفكّرة ذاتها أو هويات الكائن المتنادية.

ثالثًا - اللغة الشعرية المتفرّدة–المتمرّدة.

رابعًا - لعب ما وراء الشعر.

 

الغنائية المغايرة

إنّ ما يثير دهشة القارىء، حال الدخول إلى عالم الشعر، لدى شربل داغر، أو في ضيافة كائناته، هو يقينه بأنه داخل إلى غنائية مغايرة، غنائية لعوب، تستطيب فيها الذات أن تنغمس في العالم، لا أن تنأى عنه، تنغرس فيه وإن يكن حجريًّا :

"للحجارةِ أن تروي بأحمالها

وهنَ الصّاعدين،

وأن تخفي على عجلٍ

إلحاحاتٍ مفاجئة

لنزواتٍ عابرة".

غنائية تقول انغراسها، وتواري دمع قائلها لدى انفصاله عنه، لا أن تملأ الدنيا عويلًا حتى تفيض مجاري الشعر به، على مألوف الشعر العربي الرومنطيقي والحديث وما بعدهما.

الغنائية، لدى  شربل داغر، هي  أيضًا  إعلاء  لوحدانية  المكان : "طواف العناصر / في نحيب المكان"، ووحشته الصارخة في نصّه. هي الكشفُ عن أخوة الكائن مع العناصر، الحجارة والنهر والمنحدر:

"للحجارة

أن تبقى بيننا

بعدنا،

في صبرها الصّاحيّ،

نخلفها ...

حصاة طيش...".

هي أخوة ضامنة لتأريخ الذات مسارها التكويني المطّرد، من اليدين المتحاورتين الشاعرتين  بأوان سفرهما، إلى وقوعهما على  إكسير الرغبة المنتظرة والمحتفى بها.

إنها الغنائية "الصاحية" التي تروي، تسرد ما علق في شاشة الصدر الداخلية من صور الحياة الأولى، في نوع من تدوين سيرة المشاعر، و"حجارة صاعدة"، و"مطارح مطوية تحت الإبط"، برقصها، وعسلها وبيارقها ووسائدها ونجومها الصائرة ثآليل على الأصابع، وطيش حاملها والمرتسم بها إلى آخر الاحتفالية، آخر الكلام.

الغنائية في شعر شربل داغر لا تغمض عينيها، ولا تركن الى اللامدرَك واللاوعي والمحال، على نحو ما درّجه السورياليون، وواصله البعض من شعراء قصيدة النثر العرب علامة على حداثة تامّة وناجزة، نقلًا أمينًا عن تريستان تزارا ورفاقه، وتجرّؤا على صدم الموروث، وإنّما أتاها الشاعر على صهوة وعيه وبملء تفتّح ناظريه على أثاث العالم، الذي يتكوّن "أمام عيونهم المشغولة عنه" (القصيدة لمن يشتهيها، ص:26). ثم لا يلبث هذا العالم المؤثث من كائنات ومشاعر (حصى ، حجارة ، صخور، دموع، ريبات، وصور عذراء، وضحكات، وكواليس، وقمصان ..) كانت قد أنزلتها نرجسية الشاعر المبصرةُ في مواقعها المقدّرة بالقصيدة، أن يولدّ احتفالية جديدة هي احتفالية الحبّ المنسوجة والناسجة في آن معًا :

"التفاحة التي في صحنها

شهوتي،

إذ تقضمها

تورقُ من جديدٍ بينَ أصابعي..." (حاطب ليل ، ص:83).

 

الأنا المفكّرة ذاتها أو هويات الكائن المتنادية

في الملمح الثاني، الذي أشرت إليه أعلاه، يستطيب الشاعر شربل داغر أن يكثر أناه، لا في لعب الانفصام الأعمى، وإنما في لعب المرايا المتبادلة والأقنعة المتناوبة، وزوايا النظر، أشبه بلعبة مستفادة من زمن طفولي : إذ يريك رسمة كلّما حرّكتها انقلبت إلى صورة أخرى.

 لا أسأل الشاعر عن الداعي إلى استحداث هذه النبرة الداخلية، تلك التي يباشرها الشاعر بين أنا الكائن وأنا يحمل في طياته سعيًا إلى [2]الشاعر والحِرَفيّ، وهو داعٍ - على ما يقول نيقولا ريوي (N Riwet) – إلى  إحداث افتراقات أسلوبية عن نماذج سابقة. بيد أنها ليست افتراقات شكلية فحسب، إنما هي سمة أساسية من سمات كتابة الشاعر شربل داغر الشعرية، والتي يسائل فيها الكائن-الشاعر عن هويته : "أنا هو آخر / في مضيق الشفتين"، "غيري بصفة كوني" (ص:98)، المعرّضة دوما للتشظّي اللاإرادي ("كأنني رجال")، (ص:99) ، مع أنّ الكاتب-الوصّاف لا يزال إياه، خلفَ نقاب الرؤية الشفّاف، يُسقطُ على المشهد ما يؤكّد الانفصام والازدواج والتعاكس بين أناوين، في ما يشبه الحلولية الصوفية :

"أنا فيك،

أنا معك،

أشدّ إبلاغًا

وتعرّفًا عما يمكنني أن أكون :

أعليَّ أن أسافرَ كي أجدَ نفسي ؟"

(ص:124)

إنها، إذًا، لعبة الازدواج والتكثير التي يستطيبها الشاعر شربل داغر، ما يجعل يقين الهوية الشعرية أكثر سطوعًا ومدعاةً إلى التوقّع والتأويل والتخييل، في مقابل الهوية الأحادية التي يركن فيها القائل إلى هويّته الأونطولوجية، الماثلة في فاعل الخطاب الوحيد، والتي تقهر اللغة الشعرية، إذ تحدد حاملها والناطق بها وكائنها، وتسدل الستارة للمرة الأخيرة على أفق الغرابة والمدهش والمختلف، وهذه  في نسغ  الشعر والأدب وتكوينه :

"لو أنني أسكنُ جسدي

مُلكًا، لا إيجارًا

لوقعتْ

قدمايَ

في

حذائي

تمامًا،

مثلَ إصبعٍ في خاتمه،

إلاّ أنني أغيبُ

خلفَ تجاعيدي

وأنتظرُ خروجَ غيري من المرآة..." ( ص:136، "غيري بصفة كوني").

وبعدُ ، إلامَ تراه يصيرُ الكائن-الشاعر، إذ يعيرُ هويّته إلى آخرين، ويتماهى بهم ؟ إذ يغيب، أو يتوارى خلف أقنعته ووراء أنوات أخرى، وبلا أثر، فإنه "تلده كلماته" ثانية، وتنكشف له، حال  الولادة  الثانية، رؤى السارد والراوي الكامن في قلب الأشياء، وفي لبّ الأشجار وأسرّة السواقي، وفي صدر الصديق القديم الباكي على فقده صديقًا، الى أن "يوقظ الأشجارَ من غفلتها" أو غفليّتها، و"يستدرك السواقي" ، و"يندسّ في  خفائه" فاعلًا سحريًّا يبثّ الروح في ما يلتفت إليه، ويحرّكه وقد أدخله في صلب رؤيته الإحيائية، بالتوازي مع حضور لغة الكائن، ذات الكاميرا الخفية والنابضة .

 

اللغة الشعرية المتفرّدة–المتمرّدة

في مجموعته الشعرية، "القصيدة لمن يشتهيها"، يعبر الشاعر بالقارىء من أمام القصيدة (قصيدة النثر) اللوحة، والقصيدة –المشهد المستعاد بكلّ نبراته وذواته المتواطئين والمتشاركين في مصائر الكائن وتحوّلاته، إلى ما وراء القصيدة، أو ما وراء اللوحة الشعرية، بل إلى متنها ومطاويها وساحاتها وشخوصها وتلاوينها، كأنما داخل لوحة  جبّارة ، كتلك التي تخيّلها مخرج سينمائي كبير، آكيرا كوروساوا، إذ جعل إحدى شخصياته تنفذ إلى داخل لوحة فان غوغ الشهيرة، حقل القمح المترامي، ويهيم على وجهه في خطوطها الشاسعة.

في هذه القصائد يُفتح بابُ المرسم على مصراعيه، ليدخل القارىء إليه، بدافع الحشرية المركّبة، من أجل أن يتعرّف الى حرفة الشاعر–الرسّام، وجمالياته في انتقاء كائنات القصيدة، وتزويق ظلالها، وتوشيحها بالبقع اللونية المناسبة :

"أيها اللونُ دعني

أمدد نظري فوق ملمسها

وألحسَ رحيق التجربة من أطرافها..." (ص:17).

ومن هذه القصائد ما تحدّث عن "مصير القصيدة" وعن "حكايات غائبيها"، وعن كونها "شجرة تنتظر شتاءها"، وعن "إفسادها أصابع من يمسكون بها"، وعن حضورها غفلةً "لمباغتة النائمين بثيابهم"، وعن كونها تعير الشاعر يدًا ليكتب بها، و"لكي ينظر منها إلى يده".

ولمن يسأل عن الفائدة من تكبّد الشاعر، شربل داغر، عناء الكلام في الشعر على الشعر، نقول إنّ الشاعر، لكونه صانع أساليب بالمقام الأول، فإنه يواصل البحث عن  إواليات  جديدة  لصوغ  الشع، تكون  مدخلًا أساسيًّا لتجديد الكتابة الشعرية؛ وعليه، فإنّ تحويل القصيدة  موضوعًا للشعر،  يزيدها اكتنازًا بالدلالات الفكرية وبالوقائع الغريبة والأحاسيس، ويضيف إليها نبرات تقطع رتابة التوقع لدى القارىء النبه.

 

لعب ما وراء الشعر

لم يستسغ الشاعر شربل داغر فتنة السوريالية وانفلاشيتها الأسلوبية، ولم يغرِهِ منهجُ الصّدم باللغة الذي اختطّه أنسي الحاج على براعته وفصاحته الصارخة. وإنما رأيته أمينًا، من أول إطلالته على الشعر، العام 1981، بكتابه "فتاتُ البياض"، لكتابة قصيدة النثر، ذات القوام أو الهندسة المعلومة، على تصرّف غير متطرّف بالبياض، بخلاف ما فعله سابقون من مثل بول شاوول.

إنّ "الفضل يعود الى الكلام، والكلام وحدَه، في جعل الهويات المتخيّلة موجودة، وجودًا مستحيلا ولاغنى عنه ، في آن معًا، حسب الناقد جيريمي بنتهام  Jeremy BENTHAM)) [3].

فكيف إذا كان الكلامُ هذا لغة شعرية ذات معجم عصيّ على الإحاطة –لضيق  المجال- وتراكيب لافتة باستداراتها ولازماتها، وذات صوَر شعرية هي أقرب الى المشاهد الشعرية الملتقطة من زوايا متجددة على الدوام، ومنسابة مع عالم الكائن المنغرس في مكانه، والآيل إلى الرحيل عنه انفصالًا مريرًا، لا يسيرًا.

أما التجريب الذي يخوض فيه الشاعر، ولا يزال، حتى في آونات جلوسه بيننا، فقد كشف له عن خطّة للعبث ببنية القصيدة وأصواتها وأساليبها، تقوم على تجريب ثابتة أو بؤرة تكوينية أساسية، تنبثق عنها بنى متفرقة ومفاجئة، تجبر القارىء على استخلاص المعاني من شتات موزّع على نحو جديد. ثم أليست قصيدة النثر، بالأصل ، "محاكاة للتجريب"، على ما يقول مايكل ريفاتر ؟[4]

نعم، إنها كذلك، لشاعر ليس عابرًا في سجل الشعر العربي الحديث والمعاصر، شربل داغر. هنيئا لنا به !

(كلمة في تكريم شربل داغر، "الحركة الثقافية"، انطلياس (لبنان)، 15-3-2018).

 

[1] -CHAR,René(1983),oeuvres completes,P aris:Gallimard,p :166.

[2]-RUWET,Nicolas(1972),Langage,musique,poésie,Paris:Seuil:p :215.

[3]-Jakobson,R.(1972),Questions de poétique,Paris:Seuil,p:220-221

[4]-Riffaterre,M.(1983),Sémiotique de la poésie,Paris :seuil,p :161.