ارتدت شجرةُ الجوز لباسَ العيد، واتّشحت أغصانُها ببريقٍ ينبئ بقدوم مواسم الخير تفيض من أنامل صبي لعب في ظلّها، وحلِم مستلقياً على خشبها. لم تشأ أن تبقى بعيدة هذا المساء لا تشرف على الحدث، ولا تظلّل صاحبه بنظراتها الحانية. جاءت لتنثر أمامنا ما خزّنته من ذكريات، وما حفرته صرخات الطفولة من صور على جذعها الممشوق. لملمت كل أوراقها لتجمعها في كتاب وتهديه للتاريخ علّه يسجّل بأحرف من وفاء قصة إنسان من أرضها حَبَك بمعيّتها نسيجاً من أبد.

مغامرٌ لا يحدّه خوف. مناضلٌ لا تتعبه خيبة. مقاومٌ لا تكسِره شراسة الأيام. حمِل الكلمة ومضى... سلاحُه الاحتراف والاشتغال على الذات. تعلّم على نفسه أكثر مما حصّل في المؤسسات التربوية والاكاديمية التي انتسب اليها. خاض بمفرده أشرس المعارك الفكرية، وتحمّل ما يكفي من معاناة أزهرت في ما بعد كتباً لم تكن في الحسبان.

شربل داغر، صاحب فكر متّقد انتهج النقد سبيلاً، والتجديد أسلوباً، والكشف عن المنسي هدفاً. أستاذٌ جامعي انغمس في التواصل البنّاء مع المتلقّين من حوله. لم يرضَ بالبكاء على الأطلال ولا التغني بنهضة سبقت، إنما سنّ قلمه ونهض بنفسه في حراك لا يهدأ سفراً، وبحثاً، وإنتاجاً فاق الخمسين مؤلفاً، والعديد العديد من الأبحاث. حركةٌ هادرةٌ لا تعرف الراحة. دورانٌ في المعنى واستنطاق مستدامٌ لا يعرف السكون. جيشٌ من الفعلة هو، جمعٌ من المنتجين في أكثر من مجال. وكأنه مركز أبحاث، أو خلية نحل لها استراتيجية خاصة بكل يوم، تنجزها وتنتقل الى أخرى متّجهة نحو حقل أبعد.

قريبٌ من الطبيعة هو، سكنت شعره وأصبحت بيت القصيد. تماهى مع الصخر والشجر والطير والفراشة والحصى. مقيم دائم في أحضانها، لا يغادرها الا ليلتقيها في القصيدة. له أن يصهر مفاتنها بجميل العبارة ورونق الشعر. يقول في إحدى قصائده المنشورة حديثاً على صفحته الفايسبوكية:

كلمات، عصافير 
في أعشاش مؤقتة
تقتات لمّا تُغَني
وإذ تنام، لا يراها أحد.

كلماتي في عراء
تنقر على شباك موصد
فوق غصن انتظار
من دون صياد :
في كسله المقيم
وجعبته المثقوبة.

حزني لا يبرح  أحد هذه العصافير.
وحدي، إذ تطير قصيدتي
تبقى أصابعي باردة
في ليل كلماتها المنير.

قريبٌ من الناس هو، لم يسدل حجابَ الكبرياء فاصلا بينه وبين من حوله. الآخر بالنسبة اليه قيمة في ذاتها، والاختلاف مجالٌ خصب لإحداث تغيير ما. متورطٌ في حب الوطن، يسير عكس التيار، فبدل أن يبقى في عاصمة الثقافة باريس بعد ما حقّق فيها من نجاحات، قرّر العودة الى عاصمة القلق والسحر بيروت. ضمّته الى رحابها جامعة البلمند، فانتمى اليها وقدّم لها على مدى سنين خير ما أنتجته نفسه التواقة الى المعرفة. لم يشأ ان يبعده التنظير والتأليف والكتابة المتجدّدة عن واقع ما يجري في وطنه كما في محيطه. يرفض الانفصال "عما يجري في مجتمعه من قضايا ونزاعات"، متابع بدقة للأحداث، وله دائما ما يقوله فيها. يرفض أن يعيش في الشائعة انما في الخبر، لا يستمع انما يقرأ ما يحدث، لا يكتفي بما ينشَرُ من شعارات انما يتفحّص المعنى الكامن فيها.

بين الرتابة وشربل داغر عداوة، بين النمطية وبينه قطيعة، يأبى النسج على منوال سبق، ولا تروق له الإقامة داخل السياجات المغلقة. منتفضٌ دوماً حتى على ذاته عندما تستعذب الإقامة في منظومة محدودة الأفق. ينتقد، في إحدى قصائده ضمن مجموعة "على طرف لساني"، كثرة التكرار وقلّة الابداع قائلاً: "سحَبَ من الغسالة كلماتِه، فوجد أن ألوانها قد باخت، وأنها تحتاج الى أكثر من مكواة، لكي تُزيل عتمة أشباحها، وأنفاس المستلقين فيها".[1]

استوحى من شعره أهمّ الرسامين العرب لوحاتٍ ولوحات، ترشح بالمعنى وتحثّ على التحليق في الماوراء، أذكر منهم: إتيل عدنان، وأميرة وجدان، والدكتور محمد أبو النجا، والدكتورة هناء مال الله، وغادة جمال، وفيصل السمرائي، وغيرهم كثر...

عمل بجهد على زحزحة الحدود، مفضلاً الإقامة في مساحة "ترانزيت"، مشرّعاً فكره على الاحتمال والمفاجأة والتجديد والسفر المديد، من دون خارطة مسبقة، ولا أحكام متحجرة. إن حاصل ما حقّقه داغر في بحوثه على تنوّعها يمكن اعتباره تفلّتاً من القيود وخرقاً للحدود الفاصلة بين المناهج، نحو انفتاحٍ على تعدّد المقاربات للظاهرة الواحدة، والخروج من التقوقع ضمن إطارٍ فكري مغلق، ونمطٍ معرفي محدّد مسبقاً. هذا ما تبيّن لي بعد أن قمت بأكثر من دراسة لنتاجه إن في الشعر أو في الأدب أو في فلسفة الجمال أو في الرواية. لقد أسقط بالفعل الحدود بين الاجناس والأصناف، بين المناهج المتعدّدة في مجال علوم الانسان واللغة. وما كان له، برأيي، أن يقوم بهذه التجربة المركّبة، بين إعادة تحديد الحدود وفتحها، الا لكونه يعيش في لحظة معرفية وجودية تجعله يتعامل واقعاً مع متغيرات زمنه والفكر والتجارب المحيطة. انخرط داغر بعمق في العولمة فانعكست منهجاً منفتحاً على أكثر من مستوى معرفي لديه.

يقول: "أكتب إذ أحب. أحب إذ أكتب. هي الرغبة عينها التي تدفعني، التي تحملني، فيما أظنني أسبقها. هي عينها، كما فوق سِكتَي قطار، أو مثل لقاء شفتين في تمام الجملة، في تمام القبلة. أكتب فأدفع عني الموت. وأدفع عني الموت فأحب. هو مداي الحيوي، ما ينقلني وينشرني في ما يستقبلني، في غيمة حانية، في غيمة عامرة بمطر النعمة، على أنه ينبوعٍ جارٍ بين شقوق الجسد".[2]

شربل داغر، هذا المفكر المتعدد الانشغالات، والذي درس على محمد أركون في السوربون، غاص في مجال الجمالية بحثاً وتنقيباً، فاعتنى بالفن الإسلامي، هو الذي نشأ في بيئة لبنانية-مارونية، عقد العزم على اختراق الحدود، والانفتاح على الآخر المختلف، وتكريس الجهد الكبير، والعمل المضني على المخطوطات والدراسات القديمة، في سبيل الكشف عما اختزنته الحضارة العربية الاسلامية من كنوز دفينة، كما عمل على نقد مقاربة المستشرقين لها. نتج عن ذلك إصدار ما يزيد على سبعة مؤلفات وعشرات الدراسات بالعربية في هذا المجال.

نكاد لا نعثر من بين الفلاسفة والمفكرين العرب، على من انكبّ بجدية ورصانة على دراسة الجمالية، أي دراسة الخطاب العقلاني الذي جعل من الفن والجمال موضوعاً للتفكّر والنقد. هذا ما دفع شربل داغر الى أن ينهمّ منذ فترة طويلة بدراسة الفن الاسلامي القديم والفن العربي الحديث والمعاصر، وبالبحث في الخطاب الجمالي الذي بلوره عددٌ من الفلاسفة منذ القرن العاشر الميلادي، الرابع الهجري. وكأن هذا "اللامفكر فيه"، المرمي في دائرة النسيان، أصبح عند داغر تحت مجهر البحث والتدقيق، بغية تظهير المكنونات التراث الدفينة لأكبر عدد ممكن من المتلقين. إن ما قام به داغر يندرج في إيلاء القيمة لما يغفل عنه كثيرٌ من المشتغلين في التفلسف العربي، وهو العناية بالشق الجمالي منه، كما العناية بالألفاظ الاصطلاحية، رغبة في الإسهام في إنشاء لغة فلسفية بالعربية.

 

بفرح وسعه المحبة تكرّم الحركة الثقافية علماً من عندنا، وهي تحتفل هذا المساء بالشعر والأدب والنقد والرواية والجمالية والترجمة في آن. لشربل داغر بعدُ، الكثير الكثير ليقوله، وليفاجئنا به... ونحن سنبقى على الموعد ننتظر جديده. مبروك علينا هذا التكريم.

شربل داغر، بإسم  كل من غرف من معينك نقول: شكراً والى المزيد المزيد...

(كلمة في تكريم شربل داغر، "الحركة الثقافية"، انطلياس (لبنان)، 15-3-2018).

 

 

[1] - شربل داغر، على طرف لساني، القاهرة، دار العين، ط1، 2014، ص85

[2] - شربل داغر، على طرف لساني، ص144