ما لا يعرفه البعض عني، هو انني ضعيف النظر، ما عرفته منذ الثالثة عشرة من عمري. لهذا لم أقد سيارة طوال حياتي، وأصبح سائقو سيارات الأجرة رفاق تجوالي، فيما أكتب في طائرة، وأنام بطمأنينة بال.
مع ذلك، لا أتوانى عن الانشغال بكل ما يخص العين : هذا ما جعلني أخفُّ إلى شراء أكثر من كاميرا، منذ مطالع الثمانينيات، وإلى تصوير مدن ومشاهد ووجوه بما يناسب تحقيقات صحفية، أو مما يستدعيها. هذا ما نشرتُ في أكثر من جريدة ومجلة، من دون أن يجتمع في كتاب. 

هذا ما اجتمع في درسي، في بحثي، إذ انتقلت، بعد درس الشعر، إلى درس الفن، من دون أي إلزام اكاديمي أو مهني.

هذا ما انتقلَ إلى الهاتف النقال، بل انتقلتُ إليه، أو حملني بخفة لم تكن للكاميرا أبدًا. أصبح هذا الهاتف امتدادًا ليدي، قبل عيني، إذ تتبادل اليد ذاتها عملَ الكتابة وعملَ الصورة، فكيف إن اشتركتا في تتبع ما يجري تحت ناظري  !

مع ذلك، أتساءل عما طرحَه غير صديق : كيف يحدث أن ترى ؟ كيف ترى ؟

في إمكاني كتابة كلام كثير في لزوم الصورة، في علاقتها بالحياة، بالوجود... ما أريد تناوله، الآن، مختلف، يعنيني في شخصي، في إقبالي، في ما أختار. هناك من يكتبون من دون حاجة إلى صورة؛ هذا لا أستطيعه. هذا ما ذهبتُ في اتجاهه قبل أن أشتري كاميرا. 

هناك من يصورون، مثل اليابانيين (كما وقعتُ عليهم في أكثر من رحلة، خصوصًا في ثمانينيات القرن الماضي)، من أجل حفظِ وتوثيق ما يقع عليه نظرهم. هذا ما ضايقني، حتى إنني عبَّرتُ عن امتعاضي من ذلك في تحقيق عن قصر الحمراء الاندلسي : كنت أزوره، ضمن الرحلة عينها، للمرة الثانية، وكنت أتحقق، بعد مرات كثيرة سابقة، من أن السواح اليابانيين منصرفون إلى التصوير، حتى إنني اقدمت على تصويرهم وهم يصورون. بل كتبتُ : لعلهم يستحسنون فن الفيديو، لا أنا بأي حال... سيعودون إلى بلادهم، ويتفرجون -  مع غيرهم على الأرجح - على ما صوروه من دون أن يكونوا قد عايشوه بالضرورة... 

لعلي كنت ظالمًا في شأنهم... لعلي لم أتبين حقيقة ما يُخفيه الياباني، وهو التعبير العلني عن مشاعره...
ما أريد التشديد عليه هو أنني لم أكن معنيًا بالحفظ، مثل السائح، لا سيما إذ يأتي من بلاد بعيدة (عن المكان المُزار)، وإذ هو متأكد من أنه لن يعود ثانية إلى المكان عينه...

لم أكن حافظًا، ولا موثقًا. كنت أطمع بما هو انفعالي في لحظة المنظر : في انشدادي المجهول إليه. ففيه، في إقبالي عليه، ما يسردني إذ أنتقيه، وأرفعه لوحة في عيني.

هكذا تكون الصورة، والكتابة معها أو ابتداء منها، كمن يلتقي، في اندفاعات الخطى، تبعا لإيقاع الرغبة، بحبيبة "من أول نظرة"، أو بصديق بعد طول احتجاب. لهذا ليست الصورة بريئة، ولا مخلصة؛ هي العينان اذ تستقبلان وتطردان، تسردانني فيما تروياني، وتكتباني بأشعة النور في مكان من دون إذن أو امتلاك.  

لو شئت اختيار مَعلم وحيد في تربيتي الجمالية، في درسي، لوجدتُه من دون تردد في "قصر الحمراء". ففيه تعلمتُ وتحققتُ من أن الفن مختلف ومتعدد ومتنوع، وأن في امكان الكلمة (والجملة، والكتاب) أن تحظى بمعالجات فنية لا تقل صنعًا وفتنة عن الصورة. وفيه تعلمتُ أن هناك لقاءات منتجة ومدهشة بين الأدب وببن الفن، وهو ما يقع في غير ثقافة وفن.

فهذا القصر ليس بناء، وعمارة، فيدرس في تاريخ العمارة بوصفه تاريخ الفن، وإنما هو، قبل شكله البنائي والمعماري، تحفة صورية، من خط وشكل ولون. ومن يصل إلى القصر، قبل دخوله، يجد غلافًا خارجيًا للبناء شديد الاعتيادية، فيما تستوقفه، ما أن يدخل إلى قاعاته المحفوظة بأمان، الغنى الفني الهائل. يُعد القصر، وما  يحيطه، من العمائر الإسلامية المتأخرة، ما جعله يستجمع وينتقي من أشكال الفن الإسلامي خصائص وسمات، حتى إنه يبدو مثل متحف مصغر لجمالات الفن الإسلامي في البناء، والخط، والزخرفة وغيرها.

ما قام عليه هذا القصر – بعيدًا عن وظائفه الدفاعية والسياسية والسكنية لأمراء أندلسيين – انبنى وفق علاقة فريدة بين اللفظ العربي وبين الشكل الفني؛ وهو اجتماع نجده في ثقافات وفنون ولغات غير العربية، سابقة على ظهور الفن الإسلامي، إلا أنه لم يبلغ ما بلغه هذا الفن، في ابتكارات وتجليات :

- يتمايز هذا الفن ويتعين في تجارب مخصوصة، فلا يكون صيغة واحدة، وإنما عدة صيغ؛

- يتمايز هذا الفن في كونه، قبل ظهور اللوحة، كان يُعنى بجمال الوجود، بين بناء، وكتاب، وسيف وخلافها، ما يعني صنعًا محسنًا ومجملًا لمتاع الدنيا؛

- يتمايز هذا الفن في كونه أظهر نوعًا سابقًا للبصرية، يجمع بين اللفظ والشكل، فلا يكتفي بما تراه العين، بل بما تقرأه أيضًا. 

لهذا طلبتُ، في زاويتي هذه، أن أفتتحها ابتداء من هذا القصر النفيس.

)مجلة "الإمارات الثقافية"، عدد آب-أغسطس الشهري، 2018).