تتعين المحاضرة في ثلاث وقفات تتناول: الترجمة بين لزومها وعدمها في نطاق مصطلحات الفنون، ومقومات الترجمة، أي احتياجات قيامها في صورة سليمة وموافقة، والتحقق من حاصل الترجمة العربية في نطاق مصطلحات الفنون.

 

هل الحاجة إلى الترجمة لازمة في مصطلحات الفنون؟

ما كان لهذا السؤال أن يكون لو كنا ننتج فنونًا تحمل معها، في تكوينها، في إنشاء خطابها، في تبلور مدارسها وتياراتها، ما يناسبها من مصطلحات. ولو توقف الدارس – سريعًا – أمام الالفاظ الاصطلاحية العربية، لوجد منها القليل.

تكفي العودة إلى كتاب "معجم الحضارة" (محمود تيمور، المطبعة النموذجية، الطبعة الأولى، 1961، ص ص 137-154) لمجمع اللغة العربية في القاهرة للتأكد من حقيقة المتن الاصطلاحي. ففي هذا الجهد قام تيمور بوضع مصطلحات، مع شروح لها، ابتداء مما يمكن تسميته بالألفاظ الوافدة إلى العربية من خارجها، والتي باتت لازمة فيها. يخصص في معجمه الصغير أـلفاظًا معدودة تخص الفنون التشكيلية، مثل : "المنمنمة"، و"الرسم الساخر"، و"المِرْقَم" ("المِلْوانة"، في لغة البعض، اليوم)، و"الوِضْعة" ("جلسة التصوير"، في لغة البعض، اليوم)؛ و"المَرْسم"، و"صورة تخطيطية"، و"الرسم البارز"، و"الرسم المجسَّم". يتحقق الدارس من أن بعض هذه المقترحات، التي أقرَّها مجمع اللغة العربية في القاهرة، دخلت إلى الاستعمال، إلا أنها معدودة للغاية، فيما درجت في العربية، في كتابات دارسين في الفن، وفنانين، ومترجمي كتبِ الفن، ألفاظ عديدة، يستحيل حصرها، هنا.

أتوقف عند مثال وحيد، وهو لفظ : "الرسم" و"التصوير"، بين التونسية وسائر العربية.

يدرج في الكتابة التونسية، عند نقادها ودارسيها البارزين، اللفظ الاصطلاحي : "رسم" في ترادف مع اللفظ الفرنسي : (peinture). ولم أجد في أي كتابة عربية أخرى مثل هذا الاستعمال. بينما يدرج في الكتابة المغربية لفظ : "الصباغة"، للغرض نفسه.

يدرج في الكتابة التونسية لفظ : "الرسم الخطي"، في ترادف مع اللفظ الفرنسي: (dessin)؛ فيما تقترح بقية العربيات المستعملة لفظ : "الرسم" للمقابل الأوروبي.

هناك مشكلة في ضبط المصطلح؛ وهناك مشكلة في بلبلة الألفاظ الاصطلاحية بالتالي. ما نفعل؟ أنقوم بترجمة جديدة ؟ أنقوم بـ"توحيد المصطلح" (وهو تعبير رائج منذ عقود في العربية، وفي البرامج والسياسات، من دون أن يجد سبيله إلى التنفيذ)؟ 

لو طلب الدارسُ تتبعَ اللفظ اللاتيني-الإيطالي-الأوروبي، الذي تمَّتْ العودة إليه في العربية، لوجد تباينًا لغويًا أكيدًا بين اللفظين (dessin, peinture )، إذ يشيران إلى "التمثيل" (représentation)، إلى فن المحاكاة، إلى إنتاج صورة مشابهة، لكنهما يختلفان في أن لفظًا يشدد على الجانب "الخطي" (dessein)، فيما يشدد الثاني (peinture) على جانب اللون. اللفظان يتشاركان في إنتاج صورة فنية، فيما يختلفان – لو طلبتُ الإيجاز والاختصار – في الأداة التي يتم التعويل عليها لبناء الصورة المعنية.

هذا الفهم اللغوي يستند، في مضمره، إلى واقع الفن بعد القرون الوسطى في أوروبا؛ وهو أن الفنان كان يُقدم على تخطيط موضوعه بالقلم الرصاص غالبًا، ثم يقوم بتلوينه ومعالجته، في حال الإقدام على إنتاج لوحة. وهو ما استمرَّ في تدريس تقنيات الفن في المحترفات والمعاهد والأكاديميات طوال قرون، حتى مطالع القرن العشرين، إذ كان يقوم الطالب بدرس "التشريح" أو "العاري" بالقلم الرصاص، بما يقوِّي ملكته في تحديد الحدود الخارجية خصوصًا للموضوع أو الهيئة. لهذا استقام درسان، وسبيلان، في الفن، بين القلم الرصاص، وبين الأصباغ اللونية. هذا ما تعيَّنَ في إنتاجًين: الرسم على الورق، والتلوين فوق جدار أو خشب؛ أو يلتقيان في إنتاج واحد، في عملية ثنائية متتابعة، هو: اللوحة الزيتية.

أما اليوم، فقد تغيرت الحال، إذ إن دخول التجريدية بلبل الحدود القديمة، عدا أن ممارسات بعض الفنانين ما عادت تعول على تخطيط ابتدائي، ثم على تلوينه (...).

أعود إلى طرح السؤال : الترجمة لازمة، بالتالي، في مصطلحات الفنون. أهي لازمة بالقدر نفسه : في الفن الإسلامي القديم، وفي الفن العربي الحديث؟

الإجابة – في صورة مبدئية – مختلفة، إذ الفن الإسلامي متولِّد في مجتمعات وثقافة ذات خطاب عربي قديم، فيما الفن العربي الحديث "وافد" ويحتاج إلى ترجمة مصطلحات بالتالي (...). يصح السؤال: ما مقومات الترجمة، بين "قطاعية" و"كلية"، في مصطلحات الفنون؟

يقول جيل دولوز : "إن فن تناول المشكلات هو الفلسفة"، فكيف يكون التناول، والفلسفة تكاد أن تكون محتجبة، بل ممنوعة، في العربية ؟ وكيف يكون التناول إذا كانت الجمالية تكاد أن تكون منعدمة في العربية، تأليفًا وترجمة وتدريسًا ؟ هل نبحث في الترجمة أم نبحث واقعًا في ما لا يوفرُها ولا يتيحُها؟

يتحقق أي دارس من قلة الكتب الفنية بالعربية، ومن قلة مزيدة للكتب المشتغلة على مصطلحات الفن، ما يعني أن الأزمة قديمة، وأنها متعددة الأسباب.

- لا تستقيم ترجمة المصطلحات الفنية من دون ترجمة فعالة للفلسفة، ولا سيما الجمالية منها، فهل توافرَ، في العربية، مثل هذا التعالق؟

- تتسارع وتتزايد ألفاظ الفن، فيما تتناقص شواغل الاهتمام بترجمتها في العربية، فهل نتخلى عن الترجمة ؟

- تكاد تختفي شُعب وأقسام الفلسفة، واختصاص : الجمالية، من الجامعات والمعاهد العربية، فكيف نتدبر الأمر؟ 

- هل نترجم بما يوافق اللفظ الاصطلاحي في منطلقه، أم بما يوافق "تلقيه" في اللغة والثقافة العربيين ؟ أيستحسن التمييز – في معالجة هذه المسألة – بين الألفاظ الاصطلاحية ذات التعيين "التقني"، وبين غيرها مما له تشابكات وتقاطعات مع الثقافة والمجتمع والقيم وغيرها؟

 

ماذا ترجمنا في مصطلحات الفنون؟ كيف ترجمناها؟

يتحقق الدارس من أن كثيرًا من مصطلحات الفن المناسِبة للفن الإسلامي القديم متأتية من متن أوروبي، فهل عوَّضت الترجمة عن نواقص في التسمية والتعيين في الخطاب العربي القديم أم أن الدارسين اختاروا أن يكونوا مترجمِين بدل أن يعودوا إلى التآليف العربية القديمة ؟

أهي المشكلة ذاتها التي واجهت واضعي مصطلحات الفن العربي الحديث أم أن الدارس العربي يحتاج إلى الترجمة في هذه الحالة، ما دام أن هذا الفن "وافد" إلى المجتمعات العربية ؟ ألا يكون السؤال، في هذه الحال، ترجميًا خالصًا، ويكون : هل استقام العمل الترجمي ولبى الاحتياجات بصورة سليمة وموافِقة ؟

تحفلُ الكتب القديمة في الصناعات والبلاغة والحسبة والفقه بشبكات واسعة من الألفاظ الاصطلاحية، فهل أفادت في ترجمة مصطلحات الفنون، سواء القديمة أو المتأخرة ؟ ألا يتوجب التمييز بين ما هو"تقني" وما هو "ثقافي" في أي لفظ اصطلاحي، ما يعني أن ترجمة المجموعة الأولى ("التقنية") لها أن تتقيد بالثقافة والمعاني المستقاة من ثقافة هذا اللفظ الاصطلاحي، بينما لترجمة المجموعة الثانية ("الثقافية") أن تأخذ في عين الاعتبار الثقافة (اللغة) التي تستقبلها ؟

لهذا الغرض، أتوقفُ عند عدة ألفاظ اصطلاحية للمعاينة والاستبيان من ناحية ترجماتها :

 

بين "مذاهب الحُّسن" و"الجمالية" (beau, beauté, esthétique)

لا يختلف اثنان من الدارسين العرب في أن لفظ "الجمالية" هو المستعمل والمقبول لتعيين فلسفة الفن الحديثة، مع ألكسندر غوتليب بومغارتن وإيمانويل كانت. ولكن هل يصلح هذا اللفظ الاصطلاحي في تعيين فلسفة الفن القديمة أيضًا، ومنها فلسفة الفن الإسلامي ؟

يتحقق الدارس من وجود اعتياد ثقافي عربي يقوم على ردم الهوة بين القديم والحديث، بين الثقافة العربية القديمة والثقافة الغربية الحديثة، فيما يحتفظ السلوك الغربي على المسافة مميزًا بين حقباته وأصنافه ومفاهيمه المختلفة.

يجد الدارس، بداية، أن الخطاب الغربي – عمومًا – لا يُسقط مفهوم الجمالية على خطاب الفنون القديمة، بل نجده يتحدث عن مفهوم "الجميل" و"الجمال" (beau, beauté)، أو يميز بين فنون "عُظمى" وأخرى "دنيا". ويجد الدارس، بالمقابل، كثيرًا من الاستعمالات العربية (فلسفة فن إلإسلامي، فلسفة جمال إسلامي...) بما ينقل اللفظ عينه إلى النطاق القديم. لعلي – بين قلة – اقترحتُ لفظًا اصطلاحيًا قديمًا، متأتيًا من الخطاب القديم، وهو : "مذاهب الحُسْن" (طبقًا لعنوان أحد كتبي).

أنتهي إلى تبني لفظ "مذاهب الحسن" بدل "الجمالية"، إذ إنه يوافق مقتضيَين في الثقافة العربية : "الحُسْن" هو الأكثر ورودًا وتعبيرًا عما هو محلُ "استحسان" (أو استقباح) في العربية القديمة، أما لفظ "الجمالية" فيناسب أكثر فلسفة الفن في الأزمنة الحديثة، عدا أن لها سندًا فلسفيًا أظهر وأمتن (...)..

 

بين المنمنمة والمزوقة (miniature)

لو عدت إلى اللغة الفارسية لوجدت لفظ "مينياتور" للحديث عن (miniature)، ما يعني أنهم احتفظوا باللفظ ذي الأصل اللاتيني-الإيطالي-الأوروبي لتعيين الصورة في المخطوط الإسلامي المصور. بالمقابل، لو قرأت الدراسة التي وضعها بشر فارس، وقدَّمَها إلى مجمع اللغة العربية في القاهرة، في العام 1948، لتحققتُ من أنه يطلق عليها تسمية : "المنمنمة" ("منمنمة دينية تمثل الرسول من أسلوب التصوير العربي البغدادي"، منشورات المجمع المصري، الجزء 51، القاهرة، 1948). ولكن ما صحة هذه الترجمة؟

يشير لفظ "نمنم" في العربية (حسب "لسان العرب") إلى الخط الدقيق، أي الصغير والناعم؛ وقد اجتهد فارس في الترجمة فترجم ابتداء من المعنى "التصغيري" الوارد في أساس اللفظ اللاتيني. أهذا ما يناسب في هذه الترجمة؟

لان إذ إن فارس ترجم اللفظ الفرنسي ليس إلا، فاستعادَ ما قام به واضع اللفظ اللاتيني، إذ احتفظ بمعنى لا يناسب – في نظري – حقيقة الصورة في المخطوط الإسلامي. يستطيع واضعُ اللفظ اللاتيني أن يصف الصور في المخطوطات المسيحية القديمة، وفي طبعاتها الأولى، بأنها صور "تصغيرية"، فيما لا يستقيم الأمر تمامًا في المخطوطات الإسلامية، إذ إن صورة في "مقامات الحريري" للواسطي تحتل صفحة بكاملها، وليست "مصغرة" أبدًا؛ وهو ما يمكن قوله في أكثر صور هذا المخطوط، كما في غيره من المخطوطات الإسلامية.

تسمية (miniature)، و"منمنمة"، لا تناسب المقصود في التصوير الإسلامي. فلماذا نلجأ إلى الترجمة فيما صدر هذا التصوير في سياق المجتمعات الإسلامية ؟ بماذا تمت تسمية هذا التصوير؟

يتحدث الواسطي، في ختام مخطوطه، عن كونه "صور" و"خط" كتابه هذا. هذا ما يشهده الدارس في مخطوطات مصورة إسلامية قديمة. لكنني أجد، في المقابل، أن ابن المقفع تحدث، في كتابه "كليلة ودمنة" - وهو كتاب مصور – عن "تزويق" الكتاب؛ وهو ما يرد في استعمالات كتابية أخرى في أكثر من كتاب : الفارابي وابن سينا وابن رشد تحدثوا عن "صناعة التزويق"... فضلًا عن أن المقريزي يتحدث عن "أخبار المزوقين" في كتابه المعروف. ومن يعد إلى معاني ودلالات "زوق" يتأكد من أن اللفظ يعين صنعًا مناسبًا لزينة الكتاب، بين إعداده وصوره وزينته وتجليده وغيرها.

هذا ما جعلني أتحدث عن "تزويق" الكتاب الإسلامي، وعن "المزوقة" بوصفها الصورة فيه، وأُسقط الكلام عن "المنمنمة" (...).

يبقى أن أشير إلى أمر أخير، وهو أن الخطاب الدارس القديم استقصى أوسع الدلالات والقضايا في أصغر تفصيل في القصيدة، أو في "نثر الدواوين"، فضلًا عن القرآن والحديث و"المغازي" والسِّيَر وغيرها، فيما لم يولِ "الصناعات" المادية عنايته. وإذا كان بعض الكتاب، مثل الجاحظ والتوحيدي وأعداد من الفلاسفة، قد توقفوا عند بعض الألفاظ الاصطلاحية الخاصة بهذه الصناعات، فإن ذلك قد تمَّ إما على سبيل المقارنة (كما عند الجاحظ والجرجاني)، أو من قييل استعادة النص الفلسفي الإغريقي.

لهذا يمكن القول إن ضبطَ المصلح الفني ووضعًه، سواء القديم وخاصة الحديث، يبقى مسألة مطروحة وراهنية للغاية، إن أردنا أن نتعلم معارف ونصوغها بما يناسب أعمالنا ومداركنا.

 

(محاضرة في الندوة الدولية حول "ترجمة مصطلحات الفنون"، تونس، معهد تونس للترجمة، 26-28 أيلول-سبتمبر 2018).