في هذا الحوار، يتحدث الشاعر والكاتب والروائي اللبناني شربل داغر عن الشّعر والجسد وعن الأنطولوجية الشّعرية الصادرة عن دار شاكير ميديا في مدينة آخن الألمانية، التي ضمت منتخبات من قصائده ونصوصه وجاءت تحت عنوان: «جسدي الآخر»، وقد قام بإنجازها وترجمتها سرجون كرم وسيباستيان هاينه. واشتملت على قصائد مختارة من عدد من مجموعات داغر الشّعرية: «فتات البياض»، «حاطب ليل»، «وإعراباً لشكل»، «لا تبحث عن معنى لعله يلقاك»، «القصيدة لمن يشتهيها»، «على طرف لساني»، و«دُمى فاجرة». وهي الأنطولوجية الثانية بلغة أجنبية للشاعر، بعد «عتمات متربصة» (2005) بالفرنسية، التي أعدها وترجمها نعوم أبي راشد، فضلاً عن صدور مختارات شعرية عديدة له بالعربية في مصر والجزائر وتونس وغيرها.

شربل داغر يتحدث في هذا الحوار أيضا عن عملية الشّعر، وتجربة القصيدة، التي يراها مغامرة مدهشة، إنسانياً قبل أن تكون فنياً. إذ يقول إنّها هي التي تدهشه كإنسان، إلى كونه شاعراً. وفي السياق ذاته يتحدث عن الأسئلة الدائرة حول الشّعر والقصيدة، وهنا يقول: «هي أكثر ما يحرضني في كتابة القصيدة، وهو ما يفسر ولعي الشديد بها. فما يجمعني بالقصيدة، ويشدني إليها، لا يتعين أبداً في كونها مرآة لي، أو لشخصي، أو لتعبيراتي، وإنّما يتعين في كونها تسمح لي باستخراج ما يخفى عني مني».

■ أنطولوجية شعرية مختلفة بعنوان «جسدي الآخر»، إلى أي حد تعنيك مثل هذه الأنطولوجيات والترجمات إلى لغات العالم الأخرى؟

□ هذه الأنطولوجيات تعنيني بطبيعة الحال، ليس من باب التعريف بشعري وحسب، وإنّما بتجديد حياة الشّعر، ولاسيما العربيّ، في عالم اليوم. فالشّعر يعيش حالة موحشة أينما كان في العالم، وإذا كان للشعراء والشاعرات العرب من حضور فهو يتميز بوفرة الإقبال على كتابة الشّعر وإن تصيب نشر الشّعر ودراسته مشاكل عويصة في عالم العربية.

وما عناني يتعين في عدة نقاط: منها أنّني لاحظت اهتماماً بشعري في أوساط ألمانية مختلفة، قبل صدور هذه الأنطولوجية. وصدرت أيضا في ألمانيا في السنوات الأخيرة، جرى اختيار وترجمة أكثر من قصيدة من شعري. ويحلو لي رواية حادثة جرت معي قبل سنوات، وهو أنّني تلقيت بالبريد الإلكتروني، ذات يوم، من مارتينا بولز، رسالة تفيدني فيها أنّ قصيدتي «وجوه بالتناوب» شكلت موضوعاً لنقاش قي إحدى جلسات «اللقاء الفلسفي» في برلين، وأنّه دار جدل حول معانيها الخافية. أجبتها حينها بمـــا اســـتطعـــت، من دون أن تكون لي أي علاقة مسبقة بها أو بأعضاء «اللقاء الفلسفي». وحدث لي، بعـــد ســـنوات، أثنـــاء إلقائي عددا من المحاضرات بدعوة من «جامعة برلين الحرة»، أن التقيت بأعضاء «اللقاء الفلسفي»، ودارت نقاشات ثرية بيننا تعدت القصيدة المذكورة.

ما عايشته وتعرفت إليه بصورة مزيدة في تلك المناقشات وغيرها هو أنّ مثل هذه اللقاءات التفاعلية لم تكن بالغريبة، ما دام أنّ شعري يلتقي، في جانب منه، بشواغل فلسفية ناشطة في الشّعر الألماني.

■ اختار قصائد الأنطولوجيا وترجمتها سرجون كرم وسيباستيان هاينه، هل ترى أنّهما اختارا أكثر النصوص التي تمثل تجربتك الشّعرية، وأنّهما وفقا في الإلمام بمراحل وتنوع حساسيتك الشّعرية على مدار عمرك الشّعري بالإجمال؟

□ ليست هذه الأنطولوجية هي الأولى لشعري في لغة أجنبية، إلاّ أنّها الأكثر تمثيلاً لمجموع تجربتي، إذ جرى اختيار قصائد من أكثر من سبع مجموعات شعرية، فضلاً عن أنّ خيارات المترجمَين أتت موفقة لجهة تمثيل التجربة في اختلافاتها وتنويعاتها. تعود الاختيارات للمترجمّين، لا لي، ولكن على تواصل معي. كما أنّه جرى أكثر من اجتماع في لبنان بيني وبين كلّ من المترجمين، فضلاً عن مراسلات إلكترونية عديدة. ومما زاد من ثقتي بهما هو أنّهما أستاذان جامعيان مرموقان في جامعة بون، عدا عن أنّها ليست التجربة الأولى لهما في ترجمة الشّعر العربي الحديث. ومما زاد من ثقتي أيضاً أنّ كرم شاعر بالعربية بدوره، ودارس للشّعر العربي الحديث.

■ الأنطولوجيا اشتملت على قصائد مختارة من عدد من مجموعاتك الشّعرية العشرة: «فتات البياض»، و«حاطب ليل»، و«إعراباً لشكل»، و«لا تبحث عن معنى لعله يلقاك»، و«القصيدة لمن يشتهيها»، و«على طرف لساني»، و«دمى فاجرة». هل تدخلت في بعض الاختيارات؟ وماذا تقول عن هذه التجربة، خاصة أنّه نادرا ما نجد أنطولوجيات خاصة بتجربة شاعر تصدر في بلد أوروبي، وكيف تقرأ هذا الاهتمام بنصك؟
□ الخيارات تعود إلى المترجمين، ولم أقترح أو لم أمنع ترجمة هذه القصيدة أو تلك. هما معنيان أكثر مني بخيارات قارئ الشّعر بالألمانية. أتت خياراتهما موفقة، وفق تقديري، بعد أن وجدت أنّهما توقفا عند قصائد تعود إلى أكثر من مجموعة شعرية، ما يشير إلى طلبهما التوسع والتنويع في العرض الشّعري. أمّا عن الاهتمام بنصي، فهو يتعين ـ على ما أظن ـ في خيارات دارسين للشّعر بوضعهم مترجمين أيضاً. فشعري ليس بالجماهيري، ولا يتوجه إلى فئات عريضة من القراء، لا في العربية ولا خارجها. وهذا يعني أنّ توجه هاينه وكرم إلى تجربتي يتأتى، على ما كتبا في تقديم الأنطولوجية، من كوني أمثل تجديداً في تجربة توليد الشّعر من النثر في الشّعر العربي. وهو ما يعرفانه درساً وبحثاً قبل أن يكونا مترجمين لشعري أو لشعر غيري.

■ الأنطولوجيا هي الثانية بلغة أجنبية التي تحتفي بك وبشعرك، بعد «عتمات متربصة» 2005 التي صدرت بالفرنسية، وكان قد أعدها وترجمها نعوم أبي راشد. هل يمكن القول إنّك محظوظ من هذه الناحية؟
□ من الطبيعي أنّني محظوظ، إذ استنفرت قصيدتي مجهودات مترجمين مرموقين، وأخص بالذكر نعوم أبي راشد، الّذي يشغل رئاسة دائرة الترجمة في جامعة ستراسبور الفرنسية.

عرب كثيرين ممن يُقْدِمون على إصدار أعمال شعرية “كاملة”، فيما هم لم يتوقفوا بعد عن كتابة الشّعر، كما يبذلون الغالي والرخيص لإصدارها في كتاب ومجلدات ذات غلاف كرتوني.

■ صدرت لك أيضا مختارات شعرية عديدة بالعربية في مصر والجزائر وتونس وغيرها. برأيك هذه الأنطولوجيات العربية خدمت أو أضافت حقا للشّعرية العربية والشعراء العرب، أم هي في مجملها لا تخرج عن سياق المجاملات والمحاباة بحكم العلاقات الشخصية الضيقة؟

□ لبيت، في ما يخصني، عروضاً من دور نشر عربية مختلفة، طلبت إصدار مختارات شعرية لشعري في هذا البلد العربي أو ذاك. ولقد كان دافعهم هو التعريف بشعري، والتعويض عن ضعف انتشار الكتاب الشّعري في البلدان العربية المختلفة. ويعنيني، في هذا المجال أيضاً، إيضاح الأمر التالي وهو أنّني لم أقدم على دفع هذه المختارات إلى الطبع، بل تمت كلها بطلبات وعقود من دور النشر العربية المختلفة. إلى ذلك أرتاح إلى فكرة إصدار المختارات، بعكس شعراء عرب كثيرين ممن يُقْدِمون على إصدار أعمال شعرية «كاملة»، فيما هم لم يتوقفوا بعد عن كتابة الشّعر، كما يبذلون الغالي والرخيص لإصدارها في كتاب ومجلدات ذات غلاف كرتوني. انتقدتُ في أحد كتبي الدراسية هذا النوع من نشر الشّعر، لأن إصدار الأعمال «الكاملة» يخضع لحسابات الشاعر وحده، بدليل أنّ أدونيس لا يتأخر عن إعادة النظر في شعره، فيعيد صياغاته، ولا «ينقحه» مثلما يقول. وهو ما يفسد تاريخية الشّعر وأمانة نصوصه من دون شك. إلى هذا، تصدر هذه الأعمال «الكاملة» بتدبير من الشاعر نفسه، في نوع من التبجيل والتكريس اللذين يقوم بهما الشاعر لنفسه، وفي حياته، بدل أن يكون إصدار الأعمال «الكاملة» متروكاً للدارسين، بعد موت الشاعر طبعاً، بحيث يعمل الدارسون على تحقيق هذه الكتب تحقيقاً نقدياً مناسباً قبل نشرها. وهذا ما يصيب نشر الأعمال «الكاملة» للشعراء في كثير من دول العالم.

■ تقول: «تعاملت دوماً مع قصيدتي، بمجرّد ما أن أنتهي منها، بوصفي غريباً عنها». لماذا هذه الغربة بينك وبين النص بعد الانتهاء منه؟ أليس النص هو بالأساس: روحك/ملامحك/ صوتك/ نبرتك/ وتاريخك الشخصي الصغير أو الكبير أحيانا؟

□ عملية الشّعر، وتجربة القصيدة، مغامرة مدهشة، إنسانياً قبل أن تكون فنياً. وهي تدهشني كإنسان، إلى كوني شاعراً. وقد تكون الأسئلة الدائرة حول الشّعر والقصيدة هي أكثر ما يحرضني في كتابة القصيدة، وهو ما يفسر ولعي الشديد بها. فما يجمعني بالقصيدة، ويشدني إليها، لا يتعين أبداً في كونها مرآة لي، أو لشخصي، أو لتعبيراتي، وإنّما يتعين في كونها تسمح لي باستخراج ما يخفى عني مني. فالإقبال على كتابة قصيدة ـ عندي على الأقل- يحمل الاشتهاء والرغبة أكثر مما يحتمل القصد والتصميم. وهذا يصح حتى في قصائد أتوجه إليها ابتداء من نقطة أو صورة أو انطباع وغيرها. ذلك أنّ مجرّد الخوض في غمار القصيدة يفتح إمكانات اللّغة التي في ملكة الشاعر، مثلما يفتح مهاوي النفس وانبثاقاتها واندفاعاتها وتمثلاتها التي تخفى على الشاعر نفسه، إذ يستبطنها وتعمل، بل تنشط فيه، مثل عمال سريين، يعملون في الخفاء، في الكواليس، ولا ننتبه إليهم إلاّ بعد خروج العمل الشّعري إلى النّــــور. لهذا أستقبل القصيدة إذ أنتهي منها، وأنصـــرف إلى تبينها بشيء من الاكتشاف، حتى إنني إذ أعود إلى بعضها بعد سنوات أنسى تماماً ما كان الدافع إليها، ولا أتبين أبداً كيفية التمامها على نفسها، على تكوينها الخصوصي.

ما زلت أكتشف أنّ جسدي، في خفائه وعتمته، هو الّذي يكتبني إذ يتقدمني.

■ أيضا قلت: «منذ عام 1982 شغلتني علاقة القصيدة بالجسد، لا بوصفه موضوعاً ممكناً للشّعر، بل بوصف القصيدة تشكلاً آخر للجسد». كيف هي الآن هذه العلاقة بعد تراكم الخبرات الحياتية والشّعرية لديك؟
□ ما زلت أكتشف أنّ جسدي، في خفائه وعتمته، هو الّذي يكتبني إذ يتقدمني. القصيدة تعرف جسدي أكثر مما أعرفه، على الرغم من التجارب والخبرات، كما تقولين. الجسد كونٌ غامض وسري، لو شاء الشاعر أن يكون مصغياً له، أو لو سمح له بالظهور، بالتشكل مثل حقيقة باطنية. هذا ما يروقني في الشّعر، ولا تروقني فيه الوظائف الاجتماعية التي طلبتها حياة المجتمعات القديمة من القصيدة ومن الشّعر، وهي أن يكون الشاعر في خدمة غيره، من الخليفة إلى القبيلة، ومن الجماعة إلى قضايا الجماعة في عالم اليوم.

■ بمناسبة الجسد دائما، لماذا أتلفت كتابك الّذي ألفته حول علاقة القصيدة بالجسد، ولم تنشره؟
□ أتلفتُه إذ لم أرضَ به تأليفياً ونفسياً. فخبراتي البحثية لم تكن تقوى على الخوض في هذا المبحث الشائك، وإن كانت قد توصلت إليه، وإلى لزوم بحثه. أمّا نفسياً فقد وجدتني لم أجب، ولم أستقصِ تلك المناطق الخافية التي تحرضني وتسوقني إلى القصيدة، بدون أن أدرك أسبابها أو دوافعها أو مراميها. أتلفتُ الكتاب، لكن الرغبة في القصيدة لا تزال نشيطة وتحرضني على الغوص في ذلك العالم الجسدي الخفي والظاهر. أتلفتُ الكتاب بدون شفقة، على الرغم من أنّ الشاعر الراحل محمود درويش طلب نشر بعض أقسامه في مجلة «الكرمل»، أتلفتُه في ما لا أتوانى عن العودة إليه، بدليل أنني أطلقت على الأنطولوجية العنوان التالي: «جسدي الآخر»، ما يعدُّ رجعاً بعيداً لتلك الأصوات البعيدة، وإحياء متأخراً لما سقط في الغياب.

■ تحدثت في وقت سابق عن الأناوية المتضخمة التي يظهرها الشاعر العربي الحديث في قصيدته. أليس كلّ شاعر تقريبا متضخماً بأناه في نصه وفي حياته أحيانا؟

□ أكثر ما يضايقني في القصيدة هو ما ذكرته، وهو ما أسعى إلى التخلص منه شعرياً في أكثر من طريقة. ففي غير قصيدة في شعري أنحاز إلى شعر يقوم على «التبعيد»، كما نقول في المسرح حسب برتولت بريشت. يقوم على قصائد لا يكون فيها المتكلم واحداً، ولا يتحكم بالتالي بمجموع ما تقوله القصيدة. ففي غير قصيدة من شعري أعمل على توليد ما يمكن تسميته بالقصيدة التكالمية، ما يشبه المسرحة. ففي هذه القصائد يقوم النص على حوارات، ويتبادل جملها متكلمون مختلفون، بدون أن تكون لأي واحد منهم هوية بعينها، بل هم أصواتٌ وحسب، إذا جاز القول.

■ ماذا عن الرّواية، هل من عودة قريبة لعوالمها؟

□ لم أنقطع عن الرواية، إذ صدرت لي بعد الأنطولوجية، رواية جديدة بعنوان «ابنة بونابرت المصرية»، وهي تنقل القارىء إلى فترة غامضة من تاريخ فرنسا والعرب في عهد نابوليون، إذ تتكلم عن مجموعة من العرب والأفارقة الذين رحلوا إلى فرنسا مع القائد الفرنسي بعد هزيمته في مصر، فكان أن تعرضوا لمجزرة بشعة في مرسيليا عند سقوط الأمبراطور… إنّهم أشبه بـ«حركيي» (حسب اللّغة الجزائرية) ذلك الزمن.

(جريدة "القدس العربي"، لندن، 21 كانون الأول-ديسمبر 2018).