عبير زيتون (دبي)
«أحبّ أن أعتني بتمثيل العالم بصرياً» بهذه العبارة يلخص الشاعر والأكاديمي اللبناني شربل داغر تراكم تجربته النقدية، والمعرفية، المتميزة بخاصية التعددية، وهي ترسم في أفق اهتماماتها، جغرافيات مفتوحة لا تقف عند حدود الدراسات الشعرية العربية الحديثة، بل تمتد في جمالياتها إلى ضفاف النقد التشكيلي، والرسم، وكتابة الشعر، والرواية، إلى جانب الترجمة، صنفته كأحد أهم النقاد البصريين العرب.
ويقول شربل عن تلون نتاجاته: «تعددت ميادين كتابتي، وتنوعت إلى درجة تفاجئني أنا نفسي، فكيف الناقد أو القارئ ! هذا ما بتُّ أسميه "الورطة"... غير أنها ورطة جميلة، تجعلني أتبين وجوه الكتابة مقدار ما أتبين وجهي».
وعن كتابه «الشعر العربي الحديث: قصيدة النثر» (دار منتدى المعارف) الفائز بجائزة زايد للكتاب في فرع الفنون والدراسات النقدية يقول داغر لـ «الاتحاد»: يأتي الكتاب الجديد، متابعة لمشروعي البحثي، الذي يأتي بعد ثلاثة كتب نقدية، تبحث بالتحليل، والنقد في جسد قصيدة النثر العربية، سعيا مني إلى "تحقيب" جديد للشعر العربي الحديث، وإلى استكشاف تاريخيته الشعرية، ابتداء من التغيرات البنائية التي شهدتها القصيدة العربية، منذ ما يقرب من القرن، ونصف القرن، ولزوم إخضاع هذه القصيدة بالذات، وقبل غيرها، لدرس متكامل في جميع مستوياتها، حتى لا تبقى عرضة لسجالات متأتية، في قسم كبير منها، من خارجها، ورغبة في تقوية البحث في نطاق الشعر وفي النظرية الشعرية، وهو ما يتراجع للأسف للغاية في الدرس النقدي الحالي، وهي حال تتجاهل، عمدًا، أو عفوًا، بأن الشعر هو عالي الإنتاج اللغوي، وأن درسَه يوفر عالي الدرس النقدي كذلك.
يعمد صاحب قصيدة "يا حياة أتوق إليك" منذ مدخل الكتاب (400 صفحة) إلى بناء المنهج العام لدراسة القصيدة، انطلاقا من المعايير العامة التي وضعها النقاد الغربيون بمكتسباتها البنيوية، لشكل قصيدة النثر، دون أن يغفل السياقات والخطابات التاريخية والثقافية والجمالية، التي رسمت تعالقات النص بخارجه التاريخي، والنصي، والجمالي، بهدف فهم أسباب هذا الظهور في المشهد الشعري العربي، وكيفيات نزوله وتجلياته في الشعرية العربية. ولتحقيق ذلك، يقول داغر، اعتمدت عملية منهجية مركبة: عبر العودة إلى هذه القصيدة في تجاربها الغربية الأولى والمختلفة (بين فرنسية وأميركية وإنجليزية وغيرها)، من جهة، كما نظرت إليها وفق معايير الشعرية والنقد العربيين القديمين، من جهة ثانية.
ورداً على سؤال: هل يمكن أن يخرج من النثر قصيدة، وبعيداً عن أسباب الجدل الخلافي حول شرعية وجودها، يقول داغر: أستطيع القول إن ظهور هذه القصيدة لم يكن بالغريب، إذا عرفنا أن قصائد، وقصائد، وشعراء، وشعراء كتبوا (القصيدة المنثورة)، قبل ذلك، وهو ما درستُه في كتابي السابق. ويضيف: إن ظهور القصيدة لم يكن بالمفاجئ – على خلاف ما يظنه البعض اليوم – ما دام أن شعراء عموديين، مثل معروف الرصافي، أو ناثرين تقليديين، مثل مصطفى لطفي المنفلوطي، تعاملوا وشجعوا على التفاعل الحر، والإيجابي بين الشعر والنثر. ما هو أكيد أيضًا هو أن هذه القصيدة وضعت أولويات مختلفة لبناء القصيدة العربية، مثل: تحرير النحو، وتنمية الخيال، وإغناء المعنى، قبل النسب العروضي.
وانتقد الباحث والناقد والشاعر اللبناني شربل داغر توجه بعض الشعراء والنقاد العرب لوضع حد فاصل بين هذه القصيدة وبين غيرها من أصناف الشعر العربي الحديث. ويقول في هذا الصدد: وجدتُ، عبر البحث والدرس، أن لها تاريخًا واحدًا مشتركًا، وجالبًا للتفاعل، والحيوية بين أنواعه، بخلاف ما يقولون. وهو ما تجلى بقوة تعبيرية عالية في شعر محمود درويش الأخير".

(جريدة "الاتحاد"، الامارات، 19 آذلر-مارس 2019).