الشاعر والناقد شربل داغر كأنه عاش الحياة بــ”المقلوب” : “الشعر والحب قطار لهما سكّتان للقطار الواحد... ويمكنكَ الجلوس في الإتجاهَين”.
الشاعر والكاتب الناقد اللبناني شربل داغر، أستاذ جامعي واسم لامع في فضاء الثقافة والكتابة، وله صولات وجولات مع الكتابة الأدبية المتنوعة، وأهمها الكتابة الشعرية والنقدية. وأصدر خلال مسيرتة أكثر من ستين كتاباً، تناول فيها أغلب القضايا والمواضيع الفنية والأدبية وقضايا الفكر والفن. وتبقى قصيدته الصورة المشرقة في إضاءة صورته أو هويته الإنسانية. وللتعرف والتعريف بالشاعر كان لنا معه هذا الحوار ، فماذا يقول؟ :
– نبدأ بسؤال تعريفي. كيف تعرف نفسك ؟ من هو شربل الإنسان والكاتب؟
= ما أسهل السؤال ! ما أصعب الجواب ! أقول طمعًا بجواب سريع عن السؤال إنني إنسان يعمل في الكتابة. وإن ما يشغله في الكتابة يختلف بين كتابة تُعنى بما يشغله في وجوده، وبين كتابة تُعنى بمسائل ناتجة عن اختصاصه الدراسي، بين درس الأدب وفلسفة الفن.
لو شئت التعريف المزيد لأشرت إلى أنني أستاذ جامعي، وأكتب الشعر والرواية، كما أنشر كتبًا وبحوثًا في الأدب العربي الحديث، والفن الإسلامي والفن العربي الحديث.
لو شئت إجابة كافية، وترضيني، لقلت بأن حياتي اندغمت بالكتابة اندغامًا شديدًا، ويصعب عليَّ تصور نفسي خارجها، وإن كنت لا أعيش من ناتجها المادي. أنا للكتابة، لكنها ليست لي، ما دام أنها لا توفر لي عيشي المادي، مثل الغالبية الساحقة من أدباء العربية. لهذا أنا كاتب وهمي بمعنى ما، كاتب افتراضي، لثقافة وهمية وافتراضية بالتالي.
– تكتب الشعر وناقد وأستاذ جامعي. كيف ركنت إلى الكتابة؟
= لعلي ورثت صورة عن الكتابة لم تعد لامعة في زمننا هذا. ورثت صورة الأديب اللبناني في صحافة الستينيات من القرن الماضي، التي كانت تزدان بها المجلات الدورية والأسبوعية أو “ملحق” جريدة “النهار”، بصورهم ونصوصهم وسجالاتهم، فضلًا عن صورة جبران خليل جبران “الرسمية”، وصورة سعيد عقل “العبقري”.
لهذا. الكتابة ورطة بمعنى ما، بحيث لم أعد أقوى على الفكاك منها، وبات التقدمُ فيها أسهلَ من التراجع عنها.
– الشعر كيف بدأت معه ولماذا الشعر في حياتك؟
= بدأتُ به. وأنا في سنوات المراهقة، ثم احترفتُه في مطالع السبعينيات أثناء دراستي الجامعية. لكنني انقطعتُ عنه لسنوات. غداة الحرب، بعد أن تيقنتُ من أن الدم الجاري فيها “دمٌ فاسد”، حسب لفظ الشاعر رامبو. كانت للشعر صورة فاتنة، مثيرة، لكنها باخت على عجل، وحمَّلتُها فجيعتي إذ تحققتُ من أن الحرب فضيحة لبنانية معلنة، وأن بريق الستينيات جانبٌ محدود في هذه الصورة. كنت، مثل كثيرين من جيلي، مثاليًا وناشطًا من أجل التغيير، وإذا بي أقع على السلاح والغلبة، وبأدوات ومواقع طائفية : ثقافة الطاعة في عاديها اليومي، وصناعة الموت في تجليها العنفي.
بقيتْ للشعر – لحسن حظي – فسحة كبيرة في حياتي. بمثابة الشرفة التي أطل منها على غيري؛ والملهى الذي تشغلني فيه هواياتي الشغوفة؛ والحبيبة التي أشتهيها ولا تخاصمني؛ ونَفَسي الذي يشعرني بحياة تعبرني وأتشاركها مع غيري.
– ماذا أفاد النقد قصيدتك أولا؟
= لعل النقد أفاد قصيدتي، وأضرَّها أيضًا. أفادَها حكمًا، إذ أكتب قصيدة غير التي أعمل على درسها. وأنتهج سبيلًا في الشعر مخالفًا، في كثير من أوجهه، لما يُكتب من شعر. بل يمكن القول أحيانًا إن في قصيدتي نقدًا مبطنًا لغيرها.
لكن النقد قد يكون أضرّها من حيث لم أقصد، ما أتركُ فحصَه لغيري.
– لماذا اخترتَ النقد سبيلا في الكتابة ؟
= اخترتُه لكي أتمم به وأدافع عن واجباتي المهنية. هذا أقل ما يتطلبه عملُ الأستاذ الجامعي. في عمله فرصةٌ مدهشة تُتاح له، وهي أن يتفرغ لشؤون بحثية، لها أن تكون على مقادير من الجدة في موضوعاتها وسبل معالجتها. ومن يعدْ إلى بحوثي وكتبي المختلفة، يتحقق من أنها متنوعة ومتعددة، لكنه يتحقق كذلك من أن ما يشغلها يتمثل في قضايا وإشكاليات ظهرت في القرن التاسع عشر، في علاقتنا اللازمة والمأزومة مع أوروبا : هذا يصحّ في كشفي ودرسي لبواكير الروايات العربية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كما يصحّ في ابتداءِ درسِ الشعر العربي الحديث من الحقبة التاريخية عينها، وهو ما ينتظم أيضًا في درس اللوحة العربية الحديثة…
– كأنك عاشق اللغة ؟
= أداة “كأن” لا تناسبني. في الإمكان إسقاطها من دون تردد، والقول بأنني عاشقٌ للغة. ففي درسي للفن، عولتُ كثيرًا على اللغة العربية بوصفها حافظة لما تسمي به الجماعة اللسانية مصنوعاتها ومذاهب الحسن فيها… لا يستقيم درس الفن الإسلامي عندي من دون درس العربية، ومن دون درس الأدب الناتج عن هذه اللغة. فالعربية مصدر تاريخي ثمين لدرس الفن الإسلامي والجمالية القديمة، خصوصًا وأن المصادر الكتابية معدودة وناقصة، فلا تكفي مستلزمات عمليات الدرس. هكذا كان العمل على اللغة، ومنها الأدب، شريكًا للدرس الآثاري في الفن، ومكملًا له.
إلا أن شغفي بالعربية شغفُ شاعر قبل أي أمر آخر. فالشاعر يعمل باللغة ولها، في الوقت عينه. اللغة ليست خردة في مفرداتها، ولا طينًا وحسب لبناء هيكل القصيدة. هي أكثر من ذلك بكثير. اللغة كيان عن الوجود والإنسان؛ كيان أقوى وأدلُّ وأبقى من الوجود نفسه، ومن الإنسان نفسه. القصيدة، إذ تطلب الكتابة في وجه أو شعور أو مسألة، تكون فاشلة إذ تكون أمينة له، ومتقيدة به. تبقى اللغة إمكانًا وتعبيرًا أقوى بكثير مما نلقاه في الحياة نفسها… فتنة الحبيبة، أو وصية الشهيد، أو هبة الشجرة، أكثر روعة في لغة القصيدة، بل هي مزيدة على الجاري في أيامنا. توفر اللغة للقصيدة تجليات ليست متاحة في الحياة نفسها. اللغة تهبُك أشهى النساء، وأعلى اللذة، حيث تكون الحياة أقل زهوًا وروعة…
اللغة بديلٌ، تعويضٌ، إذًا، لكن الحياة هي التي تحرضها وتستفزها وتقودها إلى ملاهيها وخلواتها.
– هل الشعر أو الكتابة اقتادتك للحب أو العكس؟
= الشعر والحب أشبه بقطار : لهما سكّتان للقطار الواحد، وفي إمكانكَ الجلوس في الاتجاهَين.
ما أعرفه وأكيد منه هو أن الشاعر “حبيب اللغة”، كما كتبتُ عنه في إحدى مجموعاتي الشعرية، وتبقى القصيدة عندي “لمن يشتهيها”، وفق عنوان إحدى مجموعاتي الشعرية. الشاعر لكي يكتب في الحب وغيره، له أن يكون حبيبًا للغة. لهذا تكون حالة الحب، في الحياة كما في القصيدة، نبعًا واحدًا لدفق الشعر، ولموج اللذة في الجسد.
– ما هو الحب برأيك ؟ كيف تعرفه وكيف تكتبه وتعيشه؟
= الحب حاجة قد تبلغ حدود الهوس. حاجة إنسانية طبيعية، تلقائية، مِما يرافق الإنسان في سنوات عمره كلها. هو ما تستيقظ عليه في الصباح وتطلبه مثل إشراقة للوجود، وهو ما تريد أن يبعد أفوله، كلما تقدم بك العمر. وهو عنوان السعادة الأكيد…
– كيف ترسم المرأة في إطار حياتك وما هو مدى حضورها في جمال الحياة ؟
= للمرأة حضورها، حتى في غيابها، فكيف إذ تكون ما يصبو إليه الجسد في اندفاعاته الغريزية والواعية. هي من يدعوني إلى الخروج من وحدتي، ومن يعيدني إليها أيضًا. هذا بحكم أننا نتجاور ونتباعد في الجلسة عينها. ليست المرأة حلمًا، ولا أيقونة للتغني، وإنما هي شريكة مساوية في الحضور، في المتعة، في التطلع المشترك.
لي، مع المرأة، حيوات وحيوات، ما أعيشه معها، وبيننا، على أن بعضه يسري في القصيدة، علنًا أو في الخفاء. أعتقد أن كثيرًا من الشعر في المرأة اجتماعي، وتقليدي، ورتيب، لا يبلغ، إلا في نادره، الإنسانية التي في الحب، والشهوانية التي في الرغبة.
– ما الذي يقلقك اليوم وغدا؟
= ما يقلقني هو شعوري بأنني عشتُ الحياة بالمقلوب، كأن تتفرج على فيلم ابتداء من نهايته، ثم تبدأ بالتفرج عليه من أوله. تبدو لي سنوات ما قبل الحرب أشبه بـ”نهاية سعيدة” لهذا الفيلم، فيما نعايش، اليوم، بدايات القصة المؤلمة والمحبطة للآمال.
ما يقلقني هو أن ما قام عليه وجودنا السياسي والاجتماعي المتأخر يتحطم أمام أعيننا، من دون أن يعد بأي خلاص، أو بانبلاج أي تغيير. ذلك أن الإنسان، الحر والقائم بنفسه، لم يتكون بعدُ في مجتمعاتنا، لكي يصحَّ فيه، ومعه، الحديث عن مواطن ودولة ومجتمع ودستور. لا نزال نعيش أعلى من القبيلة بقليل، ودون الدولة بكثير، فيما نُحمِّل الغير دومًا أسباب تأخرنا : إما نحن مخدوعون، أو نحن نُجهِّل أفعالنا، منقادين وراء عصبيات مدمرة لذواتنا قبل غيرنا.
– ماذا كتبت وماذا تريد أن تكتب وإلى أين تريد الوصول بالكتابة؟
= كتبت الكثير : أكثر من ستين كتابًا، ومثات البحوث والمحاضرات، وآلاف المقالات الصحفية، ومع ذلك لا تزال رغبتي شديدة، ومشروعاتي كثيرة، حتى إنني أباشر ببعضها من دون علمي، كما لو أنها هي التي تباشرني. هذا يعود إلى أنني أكتب في كتاب، وأنشغل بغيره في ناحية مبهمة من نفسي أو تفكيري. هذا معروف في حياتنا اليومية، في اشتغالنا بأكثر من أمر، وفي الوقت عينه.
في سنوات ماضية، كانت لي في مجال البحوث مشروعات وخطط، ما تمثل في كتب متسلسلة، أو تتطلب منظورًا تاريخيًّا لها، متدرجًا ومترابطًا. هذا ما أنجزته، وقد لا أعود إليه. هذا ما يتيح لي، في باقي العمر، انشغالًا حرًا ومفتوحًا على الكتابة والكتب. أما لجهة الشعر فلا خطط ولا مشروعات أبدًا، إذ أنهيت قبل شهور قليلة مجموعة جديدة، ودفعتها إلى الطبع، وإذا بي أباشر كتابة مجموعة جديدة مختلفة تمامًا عن السابقة، وعن سابق شعري، ما لم يكن في البال والحسبان.
19 ديسمبر 2020