أفتقدُ، في قراءاتي، المتعة الصافية من أي نفع، ما دامت بحوثي هي التي تستدعي قراءاتي في الغالب. غير أن ما حصل معي مختلفٌ، اذ وجدتُ في مكتبتي - بالصدفة - كتاباً اشتريتُه قبل سنوات بعيدة من دون أن أُقلب أوراقه أبداً : إنه كتاب : الجمهورية لأفلاطون في ترجمة فرنسية متأخرة. وما إن أقبلتُ على القراءة فيه حتى تأكد لي بأنني لن أنقطع عنه، إذ إن ما تكشفَ لي فيه أثارَ متعتي كما معارفي، وحرَّضني على التساؤل والبحث في الشعر كما في الفلسفة.
المدهش في هذه المحاورة الفلسفية أنها صالحة للقراءة اليوم من دون عائق كبير، إذ إننا - لو وضعنا الإحالات إلى هوميروس وعوليس وزوش وغيرهم – لا نجد صعوبة في تتبعها : تجري كما لو أننا في محاورة حية تحت أسماعنا، وأكاد أقول : تحت أنظارنا، لما فيها من تمسرحٍ بادٍ وغير متقطع.
ما استوقفني فيه خاصة هو هذه الخصومة التي تبدتْ بين هذا النظام والشعر والشعراء في "تربية" حُراس-حكماء للمدينة "العادلة"، وخلاصة هذه الخصومة : الشعراء "يُفسدون" هذه التربية. هذا ما عنى خصومة أولى (وفق التاريخ الفلسفي المعروف) مع خيارات القصيدة وتعبيراتها في المجتمع. خصومة أولى، لكنها تشير إلى خصومات تالية، سواء في المدونة الإسلامية بالعربية، أو في المدونة الأوروبية المتأخرة. إلا أن الأكيد هو أن أبا نواس وبودلير و"ملعونِي" الشعر، أينما كانوا، أعادوا الشعر إلى المدينة، وجعلوه في برامج التعليم المدرسي وفي النظر الفلسفي، وأشاعوه في الذائقة العامة في المجتمعات الحالية، بخلاف ما قاله الفيلسوف-الحكيم.
هذه القراءة كانت محرِّضة لي على غير صعيد؛ بل دفعتني إلى التفكير والبحث ابتداء من هذا الكتاب، أي في مصير الشعر في القصائد، وفي المجتمعات.
جَمعتْ كشوفات آثارية ما له علاقة بالشعر والغيب والنشيد، الذي لا يمكن حسبانه "أول" الشعر في العالم (مثلما سارع البعض إلى التأكيد)، إلا أنه "الأول" في ما وصل إلى المدونة، بفضل التدوين البشري الذي حفظ – في ما حافظ عليه – هذه التعبيرات الكتابية، الشعرية، التي تمدُّ الدارس بمعطيات، وربما بمعلومات، تساعد في استجلاءٍ ممكن لعلاقات بين : الشعر، والغيب، والغناء.
هذا ما جرى الكشف عنه في الكشوفات الآثارية التي طاولتْ المدونة الرافدينية، خصوصاً وأنها من أولى المدونات التي بلَّغتْ عن هذا التاريخ، ما دامت قد اعتمدتْ على بناء الحرف لإيصالِ وتبليغِ ما تريد نشره وتثبيته. هذا يعود إلى القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، إلى الحقبة الأكادية (التي يعتبرها بعضُ الدرس التاريخي: أولى الأمبراطوريات في التاريخ المعروف)؛ وإلى حقبة مؤسس هذه الأمبراطورية : سرجون الأكادي، ابتداء من مدينة : أور.
تفيد المعلومات المتوافرة أن سرجون سعى إلى دمج الثقافة السابقة (السومرية) بما كان يتعين ويتنامى في بلاده، أي : الثقافة الأكادية. وهو ما تجلى في تعيين ابنته : إنيدوانا في منصب الكاهنة العليا للإله : نانا، إله القمر. والمدهش في هذه السردية هو أن هذه الكاهنة حفظتْ إذ دونتْ ما كانت تتوكل به كتابياً وشعرياً، ما جعلها (عند البعض): الكاتبة الأولى، بوصفها الشاعرة الأولى في التاريخ المدون؛ وممّا بقيَ من أعمالها: تراتيل المعبد، وتعظيم إنانا؛ ومنها هذا المقطع في العمل الأخير :
"لقد حَلَّتْ بي المصيبة، ولم يعدْ لي مَسكنٌ
أنا الكاهنة العليا، أنا إنيدوانا.
حَملتُ سلةَ القرابين، ورتلتُ ترانيمَ الفرح،
لكنني، الآن، أُجبرتُ على السكن في مكانٍ يسوده الظلام.
يا إنانا، هل ستتركيني ؟".
هذا الصوت المتكلم كان صوت الشاعرة، لا صوت ابنة سرجون، إذ تفيد الأخبار المحققة أن التاريخ المدوَّن احتفظَ بلقبها : "الكاهنة الكبرى"، من دون اسمها الخاص. هذا ما بقيتْ آثاره ماثلة في ألواح الطين، الوسيطِ المادي الأول المحفوظ عن تاريخ الكتابة، العائدِ (لجهة هذا الشعر) إلى العام 2300 ق. م.؛ كما احتفظتْ الكشوفات الآثرية برسمها مع غيرها عند تأدية أحد الطقوس العبادية. ما بقي من كتابتها كثيرٌ، ومنه نشيدُها المطوَّل للإلاهة إينانا، إلاهة الحب والحرب، إذ تتضرع إليها طالبة منها رعايتها، وإخراجها من الظلمة والنفي. ولها أيضاً مجموعة من أناشيد المعابد التي تربو على اثنين وأربعين نشيداً، مهداة إلى آلهة في سومر، في معابد مختلفة. ما يستوقف، في ما تبقى من أناشيدها، هو اجتماع عناصر مختلفة، متداخلة، فيها :
- التعبيرُ عن فردانية المتكلم، بما فيه من مشاعر وتطلعات ومرتجيات؛
- تَكَفُّلُ الكتابة، بل الشعر، بما يتعدى القيود الرسمية التي اعتاد عليها التدوينُ الرافديني منذ طوره المسماري في أواخر الألفية الرابعة ق. م.؛
- بزوغُ عهدٍ تعبيري تتشابك فيه الاعتقادات، والمرتجيات، والتخيلات وغيرها؛
- قواعدُ في كتابة الشعر (من دون أن تكون مصاغة بالضرورة)، ما جعلَه صنيعاً مختلفاً عن المتوافر في الصناعات الأخرى، ولاسيما الكتابية منها؛
- دورُ وساطةٍ بين الحاكم - ولو كان والدَها - والإله، ما يجعل الشاعرة ذات دور موصول بسلطات وخطابات قائمة ومقرة : سلطة الغيب، وسلطة الحاكم، وسلطة التدوين.
إلا أن هذه التعبيرات الأولى، الكتابية كما الشعرية، تُثير عدداً من الأسئلة بعيداً عن تاريخيتها، بل عن تكونها وانتظامها؛ وهي أسئلة تشير إلى هذا البزوغ المخالف لما هو سارٍ، والمتعين في نطاقاتِ اعتقادٍ متعددة، إذ تتجلى في : العاطفة، والتعبير، والغيب، والسياسة، والنشيد، والمعاينة في الحضور، والافتراق عمّا هو متوافر وغيرها. هذا لا يعني – استباقاً لما يعالجه الكتاب – خصاماً للشعر مع غيره، بقدر ما سيعني – في تواريخ تالية، ومختلفة – خصاماً للشعر مع كان يتعين فيه قبل غيره.
هذا الكتاب يَدرس الخطاب : خطاب الفلسفة عن الشعر، لا الشعر، وإن يَتناول جوانب منه، ومن الفنون عامة، لازمةً لمسار البحث. وهو خطابٌ بدأ مع "طرد" الشعراء في المحاورة الشهيرة : الجمهورية، ومع إسقاط الشعرِ من برنامجِ تربيةِ المختارِين في الحُكم.
لأبدأ بسؤال : هل افتعل أفلاطون خلافاً مع الشعراء في الشعر أم تحققَ من وجود هذا الخلاف، أو مما يؤول إليه في انتظام المدينة ؟ هل تابع الفلاسفةُ أو الشعراء أو غيرهم ما صار "مسألة" بحكم التقليد المدرساني أم أنهم وجدوا فيها ما يستحق التفكير، وما يمكن أن يسهموا في لزوم طرحه وفي استبيانه ؟ أهي قربى أم مجاورة بين الشعر والفلسفة ؟ أقامت الخصومة بينهما لأنهما ينبنيان باللغة، ولو في وجهات تأليفية مختلفة ؟ أهي "مسألة" تقع في الفلسفة، وخصوصاً في علم المنطق ؟ أهي ممّا يخصُّ الفلاسفة أم أن ما يدرسونه يبلغ المعرفة والمجتمع ؟ هل الحديث عن قربٍ أو جوارٍ بين الفلسفة والشعر، يشمل الشعر كله، والشعراء كلهم ؟
إلا أن الشعر لم يختفِ (كما دعا أفلاطون إلى ذلك)، واقعاً، بل تأكدَ حضورُه التاريخي، والاحتياجات المتعددة والمتنوعة إليه، فضلاً عن معانيه المختلفة بين الأدبي والاجتماعي والسياسي. وماذا عن التفلسف نفسه ؟ هل استمرَّ ما كان عليه خطاب أفلاطون في التفلسف الإسلامي بالعربية ؟ هل بقي أميناً له أم حوَّرَه أم تفلسفَ ابتداء منه ؟ وماذا عن احتياجات التفكر والحُكم في الدولة الإسلامية ؟ هذا ما يمكن دراستُه، والوقوف عليه في علوم النظر في الثقافة القديمة بالعربية : ما تَكون ؟ ما تعني ؟ ما كانت عليه منظوراتها إلى الشعر؟ ويعني هذا تفقدَ وفحصَ ما تبلور في استمرار النظر الفلسفي المتعالق مع الفلسفة الإغريقية، وفي نشأةِ علومٍ خاصة، سواء دينية (من شرح وتفسير وأحكام وغيرها)، وأخرى أدبية، لاسيما بلاغية.
يمكن القول، إذن، إنها مسألة تتعين "في" الخطاب، في بعض من خطابَي الشعر والفلسفة، على أنها محلُُّ تجاذبٍ وتلاق أحياناً، فيما يتعين مآلُ الشعر والفلسفة في مجال آخر. أطلق الفيلسوف الفرنسي آلان باديو (Alain Badiou) الحديث عن : "زمن الشعراء" في العام 1989، ونظرَ إليها بوصفها مقولة فلسفية، تتصل بشعراء بعينهم (بين أرتور رامبو وبول سيلان)، بين العام 1870 والعام 1960، على أن الشاعر هولدرلين هو من أذنَ بمجيء هذا الزمن قبل ميعاده. يشير باديو، في كلامه هذا، إلى "عقدة ارتباط" بين الشعر والفلسفة، ما يجعل منها مرئية في النظر الفلسفي؛ كما رأى أن هذا "الزمن" عنى تكفلَ شعراء بعينهم بعملياتٍ أحجمتْ الفلسفة عن الاضطلاع بها. ذلك أن الفلسفة، في حسابه، باتت "مَخِيطة" (حسب تعبيره) على العلم، أو على السياسة، ما جعلَ شعراء، بل قصائد بعينها، تَشغل المكان الذي يعتني عادة بالتفكير الفلسفي.
هذا ما عزاه البعض إلى كون القصيدة تُنتج معنى؛ وهو ما يعني – لزوماً – أنها تُنتج فكراً. غير أن القصيدة، إذ تُنتج معنى، لا تُفكِّرُ، فيما لا تقوم الفلسفة إلا على التفكير : هذه تتجه صوب كشفٍ مفهومي، فيما القصيدة ليست نافعة في مقصدها، بل "تَلعب" في كونها تحتمل ما تشاء، وتتخيل ما تشاء. هذا ما قد يعني أن القصيدة تكتسب وجوداً ومعنى من حيث لا تَقصده، بل من حيث ينقص في الفلسفة نفسها. هذا قد يعني وجود القصيدة بسبب "خلو" الفلسفة من بعض مهماتها؛ أو قد يعني للقصيدة "وجوداً سلبياً" بالمعنى المعرفي. فالقصيدة لا تجيب عمّا لا قدرة لها على الإجابة عنه، وما في مقدورها هو الإيحاء بمثل هذا الوجود الناقص.
لهذا قد تكون المجاورة، لا المحاورة، هي سياقُ ما يتولد بفعل الاقتراب، وبفعل الشغور، في آن. فما كان أفلاطون يُبعده، أي الواحد عن الآخر، لا يعدو كونه جواراً، وقد يقوم على حوار ضمني أو معلن بينهما. هذا يفيد أن وجودهما لم يكن أكيداً، أو كافياً في ذاته، وإلا لما كان يحتاج إلى إبعاد الآخر، أي جاره. فهو له وجود، ومقومات، ومعالم، وعلامات، إلا أنه يتعين، بل يتعينان في اللغة، في لغة، من دون أن يكون سبيل البناء اللغوي لكل منهما واحداً، أو متشابهاً، أو متعالقاًً مع غيره. في هذا، خطاب القصيدة سبقَ خطاب الفلسفة؛ هذا معروف تاريخياً؛ وهذا ما يمكن تبيانه عند فحص سبيل التأليف، أو المضي صوب المعنى.
يمضي المعنى، في القصيدة، صوب جلاءٍ غامضٍ من دون برهان، على أنه قابلٌ للتصديق، أو لانجذاب فكري-انفعالي صوبه. أما الفلسفة فتمضي صوب معناها عبر اشتقاقِ ما لم يكن متاحاً في التفكير، أو معرَّضاً لإعادة التفكير فيه، أي في التعقل، ما يتطلب المعاينة، والتبصر، والتعليل، طلباً لابتداع : المفهوم. ما له أن يسعى في ترابط في الفلسفة، يتنقل من دون ضابط أو مسار وجوبي في القصيدة. هذه تتقدم، لكي تغور وتَستخرج ما له أن يكون بنيان مثولها في الوجود؛ أما تلك فتقفز في كل اتجاه ("في جميع الوجهات"، حسب رامبو) بفعل الخيال، وارتعاشة العبور الحر : تتقدمُ إلى ما لا يكون إلا في "ضربة الزهر" (أي : الحظ، في قصيدة ستيفان ملرمِه الشهيرة)، أي في احتمالِ ما لم يكن موجوداً، في حلميةٍ ما لا نلمسه، أو نتقدم فيه بخطوة، في ذلك التعالي المتنامي، في زخم الإقبال على مجهولٍ لا يعدو أن يكون، في منتهاه، حاصلاً في ذلك الفضاء الفارغ. في الحالين، هناك مضيٌّ صوب الإمكان، صوب الافتراض، على أن واحداً منهما يَبني بأناة العقل والبرهان والترجيح والمفهوم، فيما يبني الآخر تشكله الكياني بقفزة الخيال، وارتعاشة الانفعال. إلا أن السؤال يبقى : ألا يكون هؤلاء الشعراء، هذه القصائد، تعبيرات "مُحَيَّنَة" تاريخياً وتعبيرياً ؟ أليست هذه حواصل عمّا يَتجاور بين الشعر والفلسفة عند شعراء لا ينفكون عن التفكر الوجودي والحي (لا "البارد") في ما هو ماثل ؟ أليست نوعاً تأليفياً يقع بين النقد والتفلسف والتعبير الحر؟
انطلقَ كتابي من حال القراءة المذكورة أعلاه، وممّا استدعاه التفكير، أو استثاره عند قراءة : الجمهورية لأفلاطون. إلا أنني لم أضعْ – كما العادة في بحوثي – مخططاً مسبقاً، ولو أولياً، للموضوع، أو للقضية التي أطلبُ معالجتها، ولم أحددْ لها مدونة بعينها، أو حدوداً زمنية، بل طلبتُ التقدم في ما لا أعرفُه. ذلك أنني رغبتُ في أن أمضي، في أن أكون، في هذا الكتاب، طالبَ علمٍ يتعلم، وباحثاً "يَكتشف" ويتقدم من دون مسبقات، على أن أجعل من هذا كله مسارَ البحث في انتقالاتٍ-وقفاتٍ مختلفة من التبلور، ومن إعادة التصويب والتسديد، على مدى أكثر من سنة.
لم يكن هذا بالهين، ولا بالميسر، بل اقتضى شهوراً وشهوراً من التجوال والتنقل في غير اتجاه، ومن القراءة و"التقميش" في غير ثقافة، وفي غير لغة. ذلك أن قضية الكتاب لم تكن – على الرغم من تناولها، لاسيما في كتابات غربية – موضعَ معالجةٍ متنامية، ومتوسعة، لا تكتفي بالحدود الفلسفية "الضيقة" أو الاختصاصية، والخاصة بالقضية، بل تتعداها، سواء في الزمن، أو في التاريخ، أو في الثقافات واللغات. ذلك أن النظر في القضية المثارة جعلني أطلبُ – على ما توصلتُ بعد طولِ تجوالٍ وتفقدٍ – التوجهَ للتحقق ممّا آلتْ إليه القضية في تعيينها الفلسفي بعد أفلاطون، مع أرسطو تحديداً، وبدايةً، وممّا آلت إليه، تالياً، في السياق العربي بعد قيام دولة الخلافة، والبدء بالترجمة والتفاعل مع الفلسفة الاغريقية. إلا أن طلبي البحثي هذا أفضى (في ما أفضى إليه) إلى النظر في الخطاب المطلوب، وفي خارجه، أي في سياقات مختلفة ومتعددة، ومنها في حقبات وعهود سياسية ولغات وشعر وفنون، في عدة ثقافات، منها : الصينية، والهندية، واليابانية، لإجراء وقفات-ٍمعايناتٍ تُوسِّعُ المنظور، كما تتحقق من أحوال هذه التجليات والتعبيرات، بالتالي، سواء في التقارب أو في التخالف أو في التباعد بين أنصبة الفنون (ومنها الشعر)، ومرتباتها، ومنظوماتها. هذا ما جعلني، في حاصل الأمر، وفي واقع العمليات البحثية والكتابية، أعملُ غير مرة على استعادة البحث، وعلى التفكر وإعادة التفكير فيه، وعلى التدقيق وإعادة النظر في ما أكونُ قد توصلتُ إليه.
غير أن تعثرات البحث وتردداته، لاسيما في القسم الأول من الكتاب، لم تكن الأصعب، إذ واجهتْني، في القسم الثاني من الكتاب، مشاكل أدهى وأعقد. فالتقدمُ لطرح القضية عينها في "الحقبة الحديثة" (وفق التعيين الأوروبي)، أوجبَ التحسبَ، في استبيانِ المسار البحثي وفي تعقيداته، من التوجه في غير اتجاه، وربما من التبحر في ما يتعدى التسديد الضروري للوجهة المقصودة. فما توصلَ إليه البحثُ، في القسم الأول من الكتاب، أظهرَ سردية عريضة على قدرٍ من التباعد والتشارك في تناول العلاقات، والمكانات، بين الشعر (والفنون عموماً) والفلسفة، بل سقط، في هذه السردية، أو لم يتمّْ فيها اعتمادُ "طرد" الشعراء، ولا "تنحية" الشعر من دورات المجتمع (كما في المحاورة الأفلاطونية)، بل جرى استعادةُ مكانةٍ أكيدةٍ للشعر والفنون والتفكر (بما فيه بعض التفلسف)، وإن بقيتْ محدَّدة بمدى الطلب السياسي - الأمبراطوري واقعاُ - عليها، وبمدى تمثلِ النُّخب المختلفة لاحتياجاتِ وتقديماتِ هذا الطلب العلوي، المستنِد إلى غيبٍ ما ورائي، أو ديني حصراً.
سبق أن كتبتُ، في "مقدمة" أحد كتبي البحثية، أن "التوطئة" (أو "المقدمة") هي أول ما يَمثُل للقارئ في الكتاب، غير أنها هي آخر ما يَكتبُه الباحث في كتابه؛ وهو ما حصل معي في توطئة هذا الكتاب. إذ إن الشروع فيه لم يكن بَيِّنَ الخطة تماماً، ولا التقدم فيه ميسرٌ (كما قلتُ أعلاه). هذا ما تأكدتُ منه بعد خلوصي إلى لزومِ انتظامِ قسمَين للكتاب، فينتقل البحثُ، في الثاني منهما، إلى معالجة ما أصاب القضية المُثارة في الحقبة الحديثة، لاسيما الأوروبية. غير أن التوصل إلى تحديد الانتقالة-الوقفة، الثانية هذه، وضعَ إطاراً وحسب للبحث، إلا أن ما يشتمل عليه متعددٌ ومتشعبٌ للغاية، بل أكثر من ذلك : ما كان للقضية المُثارة من ارتكازاتٍ في الشعر والفنون والفلسفة، سيتبدل، بل سينقلب على حاله بمجرد النظر إلى ما آلتْ إليه هذه الأركان الثلاثة المذكورة. هذا ما توصلتُ إلى استبيانه في الحقبة المحدَّدَة، بعد أن وجدتُ أنها لا تشتمل على انتقالة واحدة، بل على اثنتَين، ما يجب التوقف عندهما، وهما :
- انتقالةٌ في اتجاه "التعالي" الفائق في الفلسفة، التي عنتْ عدم الاكتفاء بـ"عِلمٍ" للشعر أو للفنون (كما في الحقبة السابقة)، فتحددتْ في تشكلِ كيانٍ جديد في الفلسفة : "الجمالية"، أو "فلسفة الفن". هذا ما عنى أن هذه الانتقالة بلغت شأواً بعيداً في التفلسف، إذ استعاضتْ عن درس الغيب والوجود بدرس الكينونة والزمان والموجود الإنساني، كما جعلتْ، في بعض المذاهب الفلسفية، من القصيدة "إفشاءً" لما هي عليه الكينونة؛
- انتقالةٌ، تالية، في اتجاه "التهاوي" المتدافعِ للفلسفة نفسها، إذ خرجتْ، ابتداء من نيتشه، من السعي إلى استكناه "الحقيقة" إلى التفكر في ما هي عليه تشكلات "الواقع"، بين "القطيع" و"الفرد"، وفي كون الفلسفة مجموعة من "الآراء" المختلفة ليس إلا، وهو ما جعل البعض (مثل هايدغر) يتحدث عن "نهاية الفلسفة" والاكتفاء، بالتالي، بـ"التفكير" وحسب.
أما ما أصابَ الشعر، من جهته، فَتعين، في هذه الحقبة (كما توصلتُ إلى استبيانه)، في انتقالتَين، هما :
- انتقالةُ انصرافِِ الشعر، ابتداءً من الرومنسية، إلى شعرية مغايرة، غير معهودة، تمثلتْ خصوصاً في ظهور "القصيدة بالنثر" (ومثيلاتٍ لها في غير ثقافة أوروبية أو غربية)، والتي عنتْ تشكلاً بنائياً للقصيدة غير مسبوق في آداب العالم المعروفة، وهو "الجمع بين الشعر والنثر" في البناء الشعري؛ كما عنتْ، إلى هذا، تعبيرات تخيليية وقيمية وجمالية مغايرة لما سبقَ؛
- انتقالةُ "التهاوي" الممتد للشعر، إذ بات مدونةً تكاد أن تكون غائبة في التفلسف أو التفكر لصالح غيره في ما تبقى للجمالية (أو لفلسفة الفن) من اشتغالات؛ وهي الانتقالة عينها التي أصابت القصيدة، إذ باتت "خفيفة" الحضور في التداول لصالح أنواع أدبية أخرى (لاسيما الرواية)، أو لأنواع فنية جماهيرية و"مُسلية"، مثل السينما والأغنية والعروض.
أما ما أصاب الفنون، من جهتها، فمختلف، إذ يتعين مسارُها، في هذه الحقبة، في التنامي، والتعالي الشديد، ما يتعين (كذلك) في انتقالتَين :
- انتقالةُ "الصحبة" بين القصيدة واللوحة (تمثيلاً واختصاراً للفنون المادية)، لاسيما في امتدادات التجليات والتعبيرات الرومنسية، من حال إلى حال، من دون أن تُخفي "الصحبةُ" – مع ذلك – التصاعدَ المتنامي لمكانة اللوحة في جوار القصيدة في سلم التراتبيات الجمالية والفنية؛
- انتقالةُ "افتراقِ" اللوحة عن القصيدة في التداول، إذ باتت اللوحة تستقل عن الفنون وتعلوها، وتصبح ذات قوة "استثمارية" متعاظمة، ثم متفاقمة، ما جعلَها تكاد تحتكر وحدها اشتغالات وتفكرات الجمالية من دون... القصيدة.
هذا ما انتهى كتابياً في قسمَين، في ثمانية فصول، مع خاتمة وهذه التوطئة. ولقد تَتبعتُ، في فصول الكتاب، مساراً تعيَّنَ في انتقالات-وقفات، في معاينات وتحقيقات بعينها : عنيتُ، في هذا المسعى، التنبهَ إلى تغيرات في المسار والبنى والتجليات والتعبيرات، ما أشار إلى مَعالم في مسار البحث، وما استوجب التوقف عندها تاريخياً ومفهومياً.
وطى حوب، في 17-6-2026
(دار منتدى المعارف، بيروت، 324 من القطع الكبير، 2027).