(وقائع الحوار، عبر "الزوم"، الذي نظمتْه غرفة 19، بإدارة الأديبة إخلاص فرنسيس، وأدارتْه الدكتورة دورين نصر حول : الكتابة والحياة)
دورين نصر:
مساء الخير للجميع. قبل أن أرحّب بضيفنا، أودّ أن أشكر الأستاذة والأديبة إخلاص فرنسيس، رئيسة غرفة 19، على إتاحة هذه الأمسية، وعلى رهانها الدّائم بأنّ الثّقافة ليست ما نعرضه بل ما يتشكّل فينا ونحن نفكّر معًا.
يُقالُ إنّ الثّقافة هي ما يبقى بعد أن ننسى ما تعلّمناه، وأظنّ أنّها أيضًا ما يتكوّن حين نمنحُ السّؤال وقتَه، واللّغة حقّها، والمعنى مداه.
في زمنٍ يضجّ فيه الفضاء الرّقميّ بالكلام، ليس سهلًا أن نجد مساحةً تُخفّف من سرعة إيقاع الزّمن، ما يسمحُ للكلام أن ينضج، وللأفكار أن تتبلور.
نلتقي اللّيلة مع البروفيسور شربل داغر، الذي اشتغل على الشّعر كما لو أنّه يُعيد اختبار أدواته. واشتغل على اللّغة، كما لو أنّها ما تزال في طور الاكتشاف. وقد ازاددت لهذه الأمسية دلالة خاصّة بعد حصوله على جائزة "نوابغ العرب"، ليس لأنّها تتويج لمسار، بل لأنّها لحظةٌ يلتفت فيها الضوء إلى عملٍ كان يرتقي بهدوء.
أمّا بالنسبة إليّ، فلهذا اللّقاء معنى مميّز، كون الدكتور شربل داغر هو أستاذي والمشرف على رسالتي في الماجستير؛ وكان يناديني دوماً : "طالبتي النّجيبة، بدك تصيري دكتورة، مثل مني شايفك وشايفتيني". كان لهذه الكلمات الأثر البالغ في تكوين شخصيّتي الأكاديميّة، وفي ارتقائي بمدارج العلم والمعرفة. وها نحن، اليوم، نلتقي خارج إطار الجامعة، في فضاء مفتوح على الأسئلة العامة، حيث لا تنتهي الفكرة عند المنهج، ولا يبدأ السّؤال من الصفر. أهلًا بالدكتور شربل داغر، وشكراً لحضورك معنا هذه اللّيلة. أترك الكلمة لك لتمسّي علينا.
شربل داغر:
مساء الخير، شكرًا للأستاذة إخلاص فرنسيس، شكرًا للدّكتورة دورين نصر العزيزة، الطّالبة التي تقدّمت في البحث والعلم والمعرفة. شكرًا لحضوركم جميعًا، وأنا أعرف البعض منكم، ولا أعرف البعض الآخر.
يسرّني أن ألتقي بكم، وكنت قد طلبت من الدّكتورة دورين بألّا تسمعني أو تبلّغني بأيّ من الأسئلة المطروحة من قبلها، لسبب بسيط، وهو أنّني أريد أن أبقي على هذا اللّقاء في جانب عفويّ ومباشر.
إلّا أنكم تعلمون أنّ الأستاذ، وأنّ الكاتب إلى آخره، حتّى حين يكون عفويًّا وتلقائيًّا، يكون بطريقة ما معدًّا لنفسه، إلّا أن هذا يحفظ شيئًا من الانفعال، من التّعبير التّلقائيّ، وهو ما يناسب، على ما أرى، في مثل هذه اللّقاءات. وأنا جاهز لأيّ سؤال.
الدّكتورة دورين:
أهلًا وسهلًا بك، وشكرًا لك مجددًّا، وشكرًا لكل الحضور. ستسير النّدوة كالتّالي: الجزء الأوّل منها سيكون عبارة عن أسئلة جهّزتها للدكتور داغر ليجيب عنها؛ أمّا الجزء الثّاني فسأترك المجال مفتوحًا للحوار مع الجمهور، وأنا أعرف جيّدًا أنّ للمتلقّي مكانة خاصّة عند الدّكتور شربل.
المحور الأوّل:
-من صفحتك، دكتور داغر، أخذت العبارة التي اقتبستَها من فيرناندو بيسوا: "أن أكتب خيرٌ لي من أن أجازف في العيش". ومن هنا اقترحنا عنوان لقائنا: بين الكتابة والحياة.
السّؤال الأول: دكتور داغر، حين نشرتَ عبارة بيسوا هذه، هل كنت تقرأها باعتبارها تصف حالتك أنت؟ بمعنى آخر، هل كانت الكتابة عندك، في لحظة ما، بديلًا من الحياة، أو الطّريقة التي اخترت بها أن تعيشها؟
=يسرّني جدًّا أن نبدأ حوارنا انطلاقًا من هذا السّؤال، وانطلاقًا من الشّاعر بيسوا، الشّاعر البرتغاليّ المعروف الذي صدف قبل سنوات قليلة أن بحثتُ عن مقهى له في لشبونة، وكنتُ في زيارة سياحيّة في البُرتغال، ووجدتُ ذلك المقهى، ووجدت له تمثالاً في مقدّمة المقهى، وأخذت صورة لي معه، أيّ مع التّمثال... وأنا قد عرفت كتابة بيسوا قبل سنوات من ذلك، أثناء إقامتي في باريس. وما استوقفني في أدبه، هو ذلك التّخفي عبر الكتابة. فمن المعروف عنه أنّه كتب عدّة سير ذاتيّة لأشخاص وهميّين، ولا نعرف، ولا يعرف التّاريخ الأدبي حتى اليوم العلاقات الممكنة بين سيرته الخاصّة، سيرته الذّاتيّة، وهذه السير التي صاغها بنفسه.
بيسوا الشّاعر الكاتب أراد، من دون شك، من وراء ذلك، أن يخاطر في لعبة الأدب، في لعبة الخيال، وألا يخاطر في حياته نفسها، حيث إنّ قلّة من النّاس، من الأدباء، عرفوا هذا الشّاعر، هذا الكاتب أثناء حياته. كان أشبه بالطّيف في مدينة لشبونة، وعملَ من خلال الأدب على توزيع نفسه، إن جاز القول، في رسوم كثيرة، في سير متعددة.
بهذا المعنى أنا أشبهه ولا أشبهه في هذه العلاقة بالذّات، حيث إنّ حياتي، إن جاز القول، ليست بهذا الخفاء. أعرف، ولي أن أخبركم أنّني في فترة ما من عمري، أثناء إقامتي في باريس، كنت أودّ نشر كتبي اللّاحقة بغير اسمي العائليّ، إلّا أنّ أحدهم نبّهني وقال لي: "بات الأمر صعبًا"، إذ إنّ لك أكثر من كتاب وباسمك، فستدخل في مناوشات ومشاكل وإلى آخره، ووجدتُ أنّ الأمر صعب.
لذلك احتفظت باسمي. وهذا شكل من أشكال الظّهور، وليس من أشكال التّخفي. وحين كنت أعمل بالصّحافة، وحين بدأت بالتّدريس الجامعيّ، كان لي اسم معلن ومعروف بهذه الدّرجة أو تلك، وبالتّالي التّخفي لم يكن ممكنًا إلا أنّ التّجديد في الحياة كان ممكنًا لي.
وهنا، سأطيل بعض الشّيء في الإجابة إن سمحتِ. أنا، من جهة، ارتبطت حياتي بكتابتي، خاصّة كتابتي الشّعرية تحديدًا، وليس كتابتي الرّوائية إذ إنني، منذ مجموعتي الشّعرية الأولى، أردتُ مثل تلك العلاقة بين شعري وحياتي، فيما اتّخذتُ، في أوجه الكتابة الأخرى، سبلًا وطرقًا في الكتابة في البحث، في التّخيّل أيضًا، بعيدة عمّا كانت عليه كتابتي، إلّا أنّها كانت ترتبط بالتّطلّعات، سَواء في النّقد، أو في الدّرس، أو في التّخيّل الأدبيّ، لاسيّما في الرّواية: رواياتي لا علاقة لها بحياتي، هذا يعني أن الشخصية الأساسية في رواية واحدة من رواياتي أستاذ جامعي، إلّا أنّه كان فيها أستاذًا "بوست دوك"، كما يقال، أي أستاذًا في جامعة بعد نيله شهادة الدكتوراه. وبالتّالي لا عمره، ولا اختصاصه، اتصلا بي أبداً.
بينما اتخذتُ، في الشّعر، من الحياة نفسها موضوعًا لشعري، وهذا لا يعني مجريات الحياة، وإنّما يعني العيش الاحتماليّ في الحياة نفسها. هذا ما عشتُه بقوّة عندما عدتُ إلى لبنان، إذ لم أجد فيه تلك الحريّة السّابقة التي عرفتها فيه... الحريّة بكلّ المعاني، بما فيها الحريّة الاجتماعيّة التي كنت قد عرفتها بصورة راقية ومتقدّمة أثناء عيشي في فرنسا. لذلك العلاقة بالحياة تعكس، في شعري، مصاعب الحياة أحيانا، مواجع الحياة، خاصّة وأنّني من جيل عاش الحروب في لبنان: منذ العام 1958، لم ننقطع، جيلي على الأقل، عن الحرب. أنا تحديداً لم أنقطع عن عيش الحروب، وبالتّالي عن عدم الحياة والتّهديد، والموت للحياة نفسها. لذلك وجدت في القصيدة فرصة للعيش المختلف، وبالوقت ذاته للعيش أو للتّعبير عمّا كنت أعيشه ولا زلت، أعيشه، في بعضه، حتّى أيامنا هذه.
-سأنتقل إلى المحور الثّاني، وهو "القصيدة بالنثر" le poeme en prose ، وهذه الترجمة تعود إلى الدّكتور شربل داغر. لأنّنا نعرف بأنّ المعنى المتداول اليوم هو قصيدة النثر، وهو الآن سيوضّح لنا هذه التّرجمة بعد أن أطرح السّؤال:
في حديثك عن كتابك: "الشعر العربي الحديث - قصيدة النثر"، قلت إنّ البعض لا يعتبر هذه القصيدة في نطاق الشعر فيما هي كذلك في عالم الشّعر والشّعريّة اليوم. بعد كلّ هذه السّنوات من الدّفاع النّظري والجمالي عن القصيدة بالنّثر، هل تشعر اليوم أنّ المعركة قد حسمت أم أنّ السّؤال ما هو الشّعر ما يزال مفتوحًا بطبيعته؟
=أجيبُ بعدّة نقاط، ومن عدّة أوجه، على هذا السّؤال المركّب بطبيعته.
الأمر الأول هو أنّ القصيدة بالنّثر - وقد اعتمد عدد من الشّعراء والدّارسين هذه التّسمية، على الرغم من استمرار الكلام عند شعراء ونقّاد عن قصيدة النثر... صراحةً لا يعنيني كثيرًا مثل هذا الجدل فأنا اقترحت ما وجدته مناسبًا وأمينًا للّفظ الفرنسي، أو للتّركيب الفرنسيّ المسمّي لهذه القصيدة. أمّا الجدل العربيّ عن كيان هذه القصيدة، عن شعريتها، فهذا ما يعنيني، ولقد أصدرت كتابًا آخر، غير الكتاب الأول (الذي نلت فيه جائزة الشيخ زايد) درست فيه شرعية هذه القصيدة.
أريد أن أوضح، بداية، الأمر التّالي: بودلير هو من أطلق هذه التّسمية، وقام بذلك في رسالة بسيطة قال فيها إنّه يريد أن يجمع الشّعر مع النّثر في قصيدة. إلا أنّ من يتابع مصير هذه القصيدة، في بداياتها الفرنسيّة تحديدًا، سيجد أنّها اختلفت عمّا كتبه بودلير، من جهة، وعن التّعريف الاوليّ التّأسيسي لها، من جهة ثانية. من يعد إلى شعر رامبو سيجد شعرًا آخر لا علاقة له بما دعا إليه حصرًا وتحديدًا بودلير. ومن يعد إلى شعر لوتريامون، بعد شعر بودلير ورامبو، سيجد شعرًا آخر أيضًا. ومن يعد إلى هذه القصيدة في الشّعر العربي في مرحلة البدايات وفيما تلاها، سيجد أيضًا شعرًا مختلفًا، وقصيدةً مختلفة عمّا كتبه بودلير، وعمّا كتبه رامبو، وعمّا كتبه لوتريامون أيضًا.نأأ
ما أريد أن أشدّد عليه، وأقوله للمرّة الأولى، فأوضّحه وأعرضه عليكم، اليوم، هو أنني أعتقد أنّ ما قام به بودلير يختلف مع شعر إيليوسيس برتران، الذي يعتبره البعض رائد هذه القصيدة قبل بودلير: عرفت شعر برتران، ودرسته وخصّصت له فصلًا كاملًا في أحد كتبي، وهو شعر فيه من النّثر، إلا أنّه قريب من الشّعر الرّومنسي الفرنسي... لا أريد أن أدخل في تفاصيل أكثر، ما لا ننتبه كفايةً هو أنّ انطلاق القصيدة بالنّثر مع بودلير ترافقَ مع انطلاق المدرسة الانطباعيّة، مع الفنّان الفرنسي إدوار مانيه، وكانا صديقين (بودلير ومانيه). من يعرف تاريخ التّصوير، وخاصّةً المدرسة الانطباعيّة، سيرى أنّ هذا التّصوير أزاح التّصوير الأوروبيّ عمّا كان عليه: نجد في التّصوير الانطباعيّ حديقةً، بيتًا، وجه امرأة، إلّا أنّه أزاح التّصوير عن المبدأ الأساس. هذا ما حدث مع بودلير، وما استمرّ بقوّة مع غيره، إذ إنّ ما تخلّص منه هؤلاء الشّعراء هو الوزن لصالح النثر وطاقاته.
الأكيد في نظري أنّ القصيدة بالنّثر، سواء في بداياتها في فرنسا، أو حتّى في الشّعر العربيّ في القرن العشرين وفي الألفيّة الثّانية، عرفت اتجاهًا غلب فيه النحو، وأصبح هذا هو السيّد والمتحكّم بالبناء، فيما أصبح الوزن أو الإيقاع أو الموسيقى وغيرها هو العنصر الأقل طلبًا أو حضورًا في القصيدة. وبالتّالي، ما عاش عليه الشّعر العربيّ في قديمه، وما استمرّ على ألسنة نقّاد وفي كتابات، تغير تماماً، وأصبحنا في دورة أخرى للشّعر. من يعد إلى الفنون التّشكيليّة، سيجد مثل هذا الأمر، أي اهتزازة ناجزة لعالَم الفنّون التّشكيلية، بعد الانطباعيّة صعودًا صوب الوحشيّة والتّكعيبيّة والتجريديّة. أين هي المحاكاة، التي عاش عليها التصوير مثل الجمالية قروناً وقروناً منذ الإغريق وأرسطو على الاقل؟ لقد سقطت المحاكاة؛ لقد أصبح الفنّان مثلما أصبح الشّاعر أيضًا، القيم على ما يبنيه؛ هو مرجعُ ما يقوم به، وليس مرجعيّات أخرى كان يُحتكم إليها في عهود، وفي نظريّات، وفي البلاغة، وفي أحكام الشّعريّة القديمة. وبالتّالي، نحن أمام دورة متكاملة بطريقة مختلفة ومغايرة: إن لم نقف في هذه الدّورة، ونفحصها، سنبقى نتعاطى معها من منطق لا يناسبها مطلقًا.
المحور الثّالث:
-السّؤال: قلتَ، د. داغر، عن واقع النّشر الشعري، أنه تراجع للغاية، بما فيها دور النشر المعتنية بدراسات الشعر؛ وهذا ممّا يؤسف له. هل يمكن القول إنّ الكتابة الشّعريّة، اليوم، لم تعد مجازفة جماليّة فقط، بل مجازفة في سوقٍ لا ينتظر الشّعر أصلًا؟ أين يجد الشّاعر مكانه في زمننا الحاليّ، في موقع المقاومة أو في موقع العزلة المختارة؟
=لجهة السّؤال المطروح والمركّب أيضًا، فإنه يثير ويطرح قضايا متعدّدة. حدث لي، منذ سنوات، أن اتّصلتْ بي إحدى الأكاديميّات العربية، وطلبت منّي أن أعدّ تقريرًا خلال سنة عما يُنشر من شّعر، ومن درس للشعر في خمس دول عربيّة: لبنان، وسوريا، وفلسطين، والعراق، والأردن. أعجبتني تلك الفكرة الجديدة عليّ، إلّا أنني لم أقدّر تمامًا الوقت والمتاعب الّتي واجهتني في إعداد هذا التّقرير: اتصلتُ بدور نشر، بشعراء، بنّقّاد، من دون أن أقوى على تحصيل مدونة صحيحة ومناسبة... لا أريد أن أشكو ما عانيته في تلك السّنة، المهم هو أنني توصلت إلى نتائج على درجة عالية من الدّقّة. ما انتبهت إليه، أوّلًا، هو أنّ نشر الشّعر تراجع عمّا كان عليه في عقودٍ سابقةٍ، أمّا لجهة نقد الشّعر فقد وجدت أنه يكاد يختفي أحيانًا عند دور نشر عربيّة مرموقة، قديمة، معروفة بنشرها في السّابق، في العقود السّابقة لدراسات حول الشّعر. ما يحدث في عالم النّشر هو ما يحدث في عالم الثّقافة، وفي عالم الجامعات العربيّة، وفي عالم الكتّابوالدّارسين، وهو ما سأعدّده في مجموعة من الظواهر:
الظّاهرة الأولى: إقبال أعداد متعاظمة من الدارسين على درس الرّواية، فيما لا نتحصل من أعمالهم على تّوصلات نقديّة بارزة ومميّزة في درس الرّواية العربيّة.
الظاهرة الثّانية: هو أنّ ما يسمّى "الدّراسات الثّقافيّة" تحكّم بجانبٍ كبير من دراسات الرّواية، وحتّى من دراسات الشّعر، ولكن من دون أن تكون لهذه الدّراسات الثّقافيّة ارتكازات منهجيّة جادّة، كما نلقاها في المدرسة الألمانيّة، على سبيل المثال.
الظاهرة الثالثة: هي أن الجامعات - بكلّ أسفٍ -، إنّ عددًا كبيرًا منها (وأنا تابعتُ بحوثًا للترقية الأكاديمية، أو في مؤتمرات أو منشورات)، لا تجد فيها دائمًا التطلّبات الأكاديميّة أو المنهجيّة التي ترسي طرقًا في الدرس.
الظاهرة الرابعة: هو ما عايشته في عدد من المؤتمرات العربيّة وهو أنّ طلاب الدّراسات العليا أو الدّكتوراه، كانوا يلتقون بي ويسألونني: "يا دكتور، ذكرتَ الكتاب الفلاني، ألا نجد ترجمةً عربيّةً له؟". فإذا بي أكتشف أنّ عددًا كبيرًا من هؤلاء الطّلاب لا يعرفون لغةً ثانية، لا الإنكليزيّة ولا الفرنسيّة حتّى لا أتحدّث عن الألمانيّة، وهذا أمر كارثيّ عندما يريد الطّالب أو الطالبة أن يتقدّم في العلم، ويتقدّم في الدّرس الجامعيّ. والسّيئ في هذا الأمر لا يعود ربما إلى الجامعات، وإنّما يعود إلى السّياسات العامة: نحن نعيش في بلدان مظلومة، ليس من عدد من حكوماتها فقط، وإنّما من قوى أجنبيّة أيضًا، إلّا أنّ ما يروج في العالم العربي جوّ عدائيّ للمناهج الغربيّة؛ أي أنّهم يجرّون الخصومة السّياسيّة إلى ميدان العلم والمعرفة. وهذا أمر يصيب مقتلًا في الدّراسات. وسأعطي مثلًا أخيرًا في هذا الصدد: كتاب شهير لباحث كبير هو كتاب "الاستشراق" لأدوارد سعيد: تحوّل هذا الكتاب - بكل أسف – عند مستعمليه، ولا أقول عند القراء بالضرورة، إلى هجاء، وعداء للمعرفة، ولاسيما للمناهج...
المحور الرّابع: مشروع تجديد النّظر في العربيّة
-السّؤال: في سيرتك البحثيّة نقرأ أنّك عملتَ في درس العربيّة على تجديد النّظر التّاريخيّ والتّحليلي لها، فهل تجديد الشّعر ممكن من دون تجديد تصوّرنا للّغة نفسها أم أنّ كلّ حداثة شعريّة تبدأ من إعادة تعريف العربيّة؟
=هناك وجهان للإجابة: وجه يتّصل بالشّعر، ووجه يتّصل بالرّواية.
كنت أتحدّث منذ قليل على إقبال اشّديد على درس الرّواية، وأصدرت قبل سنوات تحقيقين لروايتين مجهولتين في الرّواية العربيّة: الأولى لخليل الخوري وقد صدرت في جريدته في العام 1859، والأخرى للكاتب الحلبي فرنسيس مرّاش، في العام 1872... ما عرفتُه، وما صدمني عندما نشرت أوّل تحقيق، وعند تحقيق الثّاني، أنّ عددًا كبيرًا من دارسي الرّواية العربيّة لا يعرفون هاتين الرّوايتين، ولا يعرفون روايات غيرها التي صدرت في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، وفي مطلع القرن العشرين، إذ إنّهم بنوا درسَهم على أنّ رواية "زينب" (الرّواية المصريّة التي صدرت في العام 1911) هي الرّواية الأولى، فيما لو عادوا إلى كتاب معروف للدكتور محمّد يوسف نجم (1956)، ولغيره أيضاً، على سبيل المثال، لوجدوا مئات الرّوايات بين مترجمة أو موضوعة باللّغة العربيّة قبل رواية "زينب". أذكر هذا للإشارة إلى أنّ ما بني في درس الرّواية العربيّة الحديثة لا يستند إلى أساس تاريخيّ متين وصحيح.
الأساس التّاريخي لا يوفّر وحده قيمة الأدب، إلّا أنّنا لا يمكن أن ندرس أي نوع أدبيّ وتطوّره من دون السّياق التّاريخي والاجتماعي المولد له. هذه هي الآداب الأوروبيّة والغربيّة، يستطيعون أن يذهبوا في مناهج جديدة وأن يبتكروا غيرها، إلّا أنّهم يستندون إلى أسانيد تاريخيّة ومعرفيّة صلبة وأكيدة؛ وإن أرادوا تغييرها، أو تعديل بعض الجوانب فيها، يقولون: "عفوًا، هذا تاريخ سليم، إلّا أنّ علينا أن نعدّل هذا الأمر فيها وليس إلّا".
هذا الأمر وجدته كذلك في تأريخ أطوار الشّعر العربيّ الحديث: هناك شعر قام وامتد، على الأقلّ في سبعين سنة بين بيروت ودمشق والقاهرة والعراق وتونس، أطلق عليه اسم: "الشّعر العصري"... افتحوا أي كتاب يتناول الشّعر العربيّ الحديث حاليًّا في العالم العربيّ، لن تجدوا ذكرًا ولو لاسم هذا النّوع الشّعريّ، أو مجموعة له، أو كتاباً نقديّا أو دراسة تناولته... حتّى البارودي، الّذي اعتبر رائد الإحياء والتّجديد العربي، عودوا إلى ديوانه ستجدون أنّ فيه قصائد وضع تحت عنوانها "شعر عصري".
هذان مثلان يعكسان الدّرس والنّقد والتّعليم الجامعي والتّقدّم المعرفي: على ماذا نستند؟ كيف نسير؟ كيف نتقدّم؟ كيف نبني معرفة؟ هذا ما حاولتُه وسعيتُ إليه، وأتمنّى أن أكون قد أفدت غيري في مثل هذا الأمر.
السّؤال :
-مشروعك النّقدي اشتغل طويلا على تحقيب أطوار الشّعر العربيّ الحديث، وعلى إعادة اكتشاف المجهول في بدايات الرّواية والمسرح، فهل يمكن القول إنّك تكتب ضدّ النّسيان، وأنّ الكتابة عندك ليست إنتاج نصوص فقط إنّما إعادة تشكيل الذّاكرة الثّقافيّة؟
=لا أزال أحتفظ، منذ سنتي الجامعيّة الرّابعة، بجملة قرأتُها في أحد كتب طه حسين، وهي لا تزال مثل دليل لي، وهي التالية: نقدُ ثقافة ما ورد كما وردت.
لو أردت تلخيص ما اشتغلت عليه في نقد الشّعر والرّواية والمسرح وما يسمّى الأدب الِشّعبي (وأسمّيه: "حَكي العوام")، وفي مجالات الفن الإسلاميّ والعربي الحديث.، لوجدتُ أنه يندرج تحت جملة طه حسين، البسيطة والرّائعة، بالنّسبة لي على الأقلّ.
عاش العرب في تاريخهم الإسلاميّ، فتراتٍ عظيمةً، منتجة وباهرة في مجالات متعدّدة، إلّا أنّ العربيّة تراجعت، عندما أصبحت عاصمة الخلافة خارج دمشق ثم بغداد، إذ بات الأدب عموما بعيدًا عن البلاط. الحقبة العثمانيّة (وأنا درستُها في عدد من كتبي، بما فيها الدّرس السّياسيّ في أحد كتبي الأخيرة)، كانت عظيمة في المئتي سنة وبعض العقود الأولى التالية، خاصّة في العمارة والفنون، وفي عدد من العلوم، ولكن ليس في الأدب، مثال على ذلك: عودوا إلى كتاب عبد الرّحمن الجبرتي، المؤرّخ المصري في بدايات القرن التّاسع عشر، وهو من كبار علماء الأزهر، لن تجدوا عبارة عربيّة بسيطة سليمة تركيباً ونحوا إلخ، وهذا كان أعلى العلم وأعلى الأدب.
هذا يعني أنّنا دخلنا إلى ما نسمّيه الحداثة، وما نسميّه اليوم ما بعد الحداثة والعولمة، دخلناها بعدّة خفيفة، بلغّة ضعيفة، وبعلوم ومدارك قليلة. والأسوأ من هذا كلّه هو ما أصاب الجسم التّعليميّ من موجات، ولها علاقة بالسّياسات، أدّت إلى خفّة في التّعليم، وشعبويّة فيه، ونقص فيه. عودوا إلى مصر في عهد طه حسين، عودوا إلى الجدل الّذي حصل معه عندما كان وزيرًا وعندما كان أستاذًا، عودوا إلى تلك المناقشات. هذه المناقشات لم نعد نعرفها في العالم العربي مطلقًا! لذلك أعتبر أنه من دون الإمساك بأسس سليمة للمناهج وللتّعليم، لا قدرة لنا على التّقدّم؛ أمّا إلماعات الشّعر أو الرّواية فهي إلماعات جميلة بديعة لكنّها لا تكفي وحدها في بناء ثقافة حيّة تليق بالعرب والعربيّة أيضًا.
-السّؤال : خلال عمليّة الكتابة، إلى أي مدى يَشغل المتلقّي تفكيرك؟
=في مجال البحث، طبعًا أفكّر بصورة أساسية في المتلقي، في ما هو متوافر له، وفي ما يمكنني أن أعرض عليه، وأن أقدّم ما يمكنني، وما أنا مقتنع به، وأعمل عليه من تصويب واستدراك وتصحيح وإضافة ومنهج، إلخ. لذلك المتلقّي شريك معي في الكتابة البحثيّة، ولو عن بعد.
أمّا في الشّعر، فالمتلقّي لا أفكّر فيه، بمعنى أنّ القصيدة عندما أكتبها أقول دائمًا إنّها تكتبني، وأنا لا أبحث عن جملة جذّابة لكي أغاير ما هو معروف عند الشّعراء في كتابة الشّعر. ذلك أنّ لي طريقة في الشعر، ليس بمعنى طريقة تدبّرتها أو صغتها، بل بمعنى أنّ عيشي مع القصيدة وفيها أدّى بي، منذ عدّة مجموعات شعريّة، إلى أن يكون المعنى مقبِلًا، أي ما تنتهي إليه القصيدة ولا تبدأ به أو تترجمه أو تصفه. هذا يعني أنّ مقبِل القصيدة لا أعرفه، وبالتّالي لا أعرف المتلقّي، ولا أتوجّه إليه، خاصّة وأنّ شعري، في جانبه الأعم، هو شعر فردي، شعرٌ مربوط باللّحظة الّتي أعيشها.
سأروي لكم أمرًا يعرفه عدد من الأصدقاء في صفحتي على الفيسبوك. لي عادة، خاصّة في فصل الصّيف، أن أمشي على ضفّة النّهر في قريتي، في الغروب، ما أمكنني في العطلة الصّيفيّة، ويكون في جيب بنطالي الرّياضي هاتفي النّقّال. حدث لي أن كتبت العديد من قصائدي، وأنا أمشي في تلك الدّرب، من دون أن أقصد التّوجّه صوب قصيدة بعينها: هي تأتيني مثلما ينبجس الماء من جوف الأرض، أي ينبثق ويتقدّم، وأنا أكون أشبه بمن يدوّن ما يمليه عليّ هذا الدّفق. ومن يعد إلى هاتفي النقال، سيجد أنّ كثيرًا من شعري، منذ أكثر من عشر مجموعات شعريّة، أتاني بهذه الطّريقة. هكذا أكتب، لكنّ هذه الطّريقة تجد المتلقّي في نهايتها، بمعنى أنّني وأنا لا أريد أن أساير أو أن أجد محلًا للمتلقي، فإنّ ما يصدر عنّي في القصيدة هو ما يختلج في كياني، وما يختلج في كياني يتعيّن في وجود، في وجودي الإنساني، في وجودي في بلدي، في وجودي وسط مشاكل ووسط أحلام أعيشها ويعيشها غيري... وبالتّالي وحدة الشّاعر (أفضل من القول عزلة الشّاعر) موصولة بالمتلقّي بالضّرورة. هذا ما أتحقق منه في لقاءات واتّصالات بعد وقت، عندما يقول أحدهم لي: "كم أحببت هذه القصيدة، كم شعرت أنّني فيها". هذا أقصى ما يمكن أن يتمنّاه شاعر مثلي.
-السّؤال :
كيف تستطيع أن تفسّر لنا نجاح عمل ديريدا، وبصورة أعمّ نجاح تيار التّفكيك في العالم الأكاديميّ الأميركيّ؟ وهل يمكن أن تحدّثنا عن الاختلافات بين عملك وعمل ديريدا؟
=هناك خطأ سرى في دّراسات فلسفيّة أوروبيّة وغربيّة يعود في أساسه إلى الفيلسوف الألمانيّ، يورغان هابرماس. لهذا الفيلسوف كتاب شهير ترجم إلى العديد من اللّغات، ومنها العربيّة: "الخطاب الفلسفيّ للحداثة"، ويتحدث فيه، في القسم الأخير منه، عن مدرسة ما بعد الحداثة، فيربطها بداية بنيتشه ثم بهيدغر وصولًا إلى فوكو وديريدا...
هذا الكتاب مهمّ للغاية، إلّا أنّ ما أشاعه أو روّج له، في تقديري، قام على جمع بين فلاسفة لا يجتمعون فلسفيًّا في ظنّي وقراءاتي لأعمالهم. سأكتفي بالتّمييز بين ديريدا وميشيل فوكو: ميشيل فوكو يصنّف كما قلت في تيار ما بعد الحداثة وما بعد البنيويّة، ولكن من يقرأ جيّدا "تاريخ الجنون" و"تاريخ السّجون" وغيرها من كتبه العديدة ("الكلمات والأشياء"، و"نظام الخطاب"... إلخ)، سيجد أنّ فوكو عملَ على درس تكوينات العلوم الإنسانيّة كما تجلّت في أوروبا خاصّة، أي درس العقل وحدوده وتقاطيع معارفه وتوصلاته. مثال بسيط عما قام به فوكو: قبل مئة سنة، كنّا نقول عن أي شخص مصاب ببعض الاختلال العقلي أو العصبي أو النفسي، إنه "مجنون"... المسكينة مي زيادة، الّتي أصيبت بانهيار عصبيّ، وضعوها في "العصفوريّة" (عيادة غير الأسوياء قرب بيروت)، ليس لسرقة ثروتها من أقاربها فقط، ولكن لأنّ الأطباء لم يكونوا يحسنون معالجة مرضها؛ وهو اليوم مرض موجود شائع يمكن مداوته... ما قام به فوكو هو ملاحظة أن ّحدود العقل والجنون تغيّرت في التّاريخ البشريّ، خاصّة بين القرنين السّابع عشر والثّامن عشر فصعودًا؛ إي إنّ ذلك الفكر كان يتصوّر نفسه أنّه انتهى إلى تحديد العقل كما الجنون، فيما كان يزيح العقل في واقع الامر.
أمّا ديريدا (وقد كتبتُ عنه في أكثر من كتاب، وألقيتُ ذات مرّة محاضرة عنده في بيروت) فكانت له بداية فلسفيّة مع هيدغر ومع هوسرل، لاسيما في كتابه: "في علم الكتابة". هذا الكتاب يقع في صميم الفلسفة، وفي فلسفة الكتابة، لانّ ما اعتنى به ديريدا أتى استكمالاً ونقداً لما بدأ به فردينان دو سوسور في اللسانية الحديثة، إذ توكل بدرس علم الكتابة. أمّا في كتابات ديريدا التّالية، فبات يتصرّف مثل الكاتب أو مثل الفنّان بدل أن يكتب معنى مثل الفيلسوف. فمثلًا له كتاب تناول فيه لوحات الأحذية عند الفنّان فان كوخ، وهي اللّوحات ذاتها الّتي درسها قبله هيدغر: يتوقّف دريدا عند لفظين فرنسيّين peinture وتعني التّصوير أو الرّسم، ووجد كلمة فرنسية أخرى هي pointure، أي عروة الحذاء، وتنبه إلى أن الفرق بينهما هو حرف e في peinture وO في pointure، وأقام مبحثًا طويلًا بين الكلمتين. فبدل أن يدرس ويجدّد النّظر إلى الفلسفة، درس وانتبه إلى أخطاء الفلاسفة الّتي وقعوا فيها، أو إلى استعاراتهم أو كناياتهم في الخطاب. هكذا أسقط ما يقوم عليه خطاب التفلسف، أي نقد المفاهيم أو بلورتها. هكذا أصبح خطاب ديريدا على حدود الفلسفة، حتّى لا أقول أصبح خارج الفلسفة. أما عن قيمته في أميركا فيتأتّى من ضعف الشاغل الفلسفي فيها؛ أما ضعف تأثيره في فرنسا وألمانيا وإنكلترا وغيرها، فيتأتى من أن لهذه البلدان تقاليد فلسفيّة راسخة وأكيدة، على الأقلّ منذ رينيه ديكارت. هذا لا يعني أنّ كتب دريدا لا تشتمل على أفكار نيّرة، على إلماعات، على خروقات فكريّة وفلسفيّة، لكنّ من يدرسه أو يقرأه لن يتوصّل إلّا انتهاج طريقة فلسفيّة في الدّرس الفلسفيّ.
السّؤال :
-بعد حصولك على جوائز كبرى، مثل الشّيخ زايد ونوابغ العرب، هل يغيّر حضور الجوائز في مسارك شيئا في علاقتك بما تكتب أم أنّ النّصّ يواصل طريقه كما لو أنّ الجوائز لم تكن؟
=الجوائز أحدااث سعيدة بطبيعة الحال، على الرغم من أنّ حاصلها المالي يقبع في مصارف من دون قدرة على الإفادة منها. إلّا أنّ قيمة هذه الجوائز المعنويّة والنّقديّة كبيرة وأكيدة، وأنا أعتزّ بأنّني فزت فيها، خاصّة أنّني تحقّقت في عدد من الجوائز الّتي فزت فيها خاصّة الأخيرة منها، أنّها تمّت وفق مواصفات ذات مصداقيّة واحترافيّة. وسأذيع عليكم معلومة ثمينة سمعتها نهار التّتويج، في العشاء الرّسمي من الأمين العام لجائزة "نوابغ العرب". أنا لم أترشّح لهذه الجائزة؛ جامعتي لم ترشّحني لهذه الجائزة، لا تواضعًا ولا تكبرًا، لا منّي ولا من جامعتي. إلّا أنّ هذه الجائزة تقوم، مثل جائزة نوبل، بما يسمّى pre-selection، أي أنّ لها لجانًا تعمل طوال السّنة على التّفتيش والبحث عن كفاءات أينما كان في العالم. في هذه الدّورة للجائزة، وهي الدّورة الثّالثة، كان هناك 4000 مرشّح للجوائز الست، أي فروع الجائزة، وغالبهم يأتون من 50 جامعة في العالم. يسعدني أن أقول، وأنا ألتقي في هذه الامسية مع زملاء ومسؤولين من جامعتي، أنّني كنت الفائز العربيّ الوحيد الّذي يدرّس في جامعة عربيّة وبالعربيّة في الفئة الّتي فزت فيها. أمّا لجهة أثرها على ما أكتب فـ"لقد مضيت بعيدًا في الجريمة بحيث بات التّقدّم فيها أسهل في التّراجع عنها" (حسب مسرحيّة لشكسبير)؛ هذا يعني أنّني اخترت طريقًا في البحث، في الشّغل، وأنا مستمرّ فيها. أعتز، بالطبع، بالجائزة الأخيرة بشكل خاص، لأنّها تكرّم مجمل الإنتاج. هي حافز أكيد لي، أعني أن أبقى على الأقل في ذات المستوى المعرفيّ والمنهجيّ والتّحليليّ الّذي بنيت عليه كتبي في المجالات المختلفة الّتي أكتب فيها.
المحور الخامس:
-السّؤال:
لو طلب منك أن تختصر مسارك في سؤال واحد لا في جواب، ما السّؤال الّذي تعتبره غير محسوم بعد؟
=ماذا سأكتب؟ لا أخفي عليكم أنّ عددًا من كتبي، مثلما قلت عن القصيدة، هي ما يتقدّم صوبي، ولا أتقدّم صوبي.
(10-3-2026).