حاكم مردان : شعرية مكتنزة
تتدفّق قصيدة شربل داغر في قوة الاحتراف الذي لا يعوقه صوغ ولا يناله تعب، إنما في مهارة واضحة تكتمل عبارة إثر أخرى كمن يستدعي الصور والأشكال دونما عناء، كأنها مرسومة في مكان ما ذهنياً، والكتابة عملية تنفيذ تبدو آلية للإيقاع الواحد الذي يهيمن على مجموعة داغر الشعرية الجديدة "إعراباً لشكل"، التي تبيح للقارئ تجاوز التنويعات الشكلية (عناوين القصائد) وقراءتها كنص واحد.
"ورّاق الكتروني"، عبارة وردت في قصيدة "كسور محفوظة من دون جهد"، تعبر عن سهولة تلاقح الصور وسيولة اللغة الراسمة، إذ ثمة قصد لا يحيد عن مساره يمارس فعل الشعر على أنه مطروح، مثل معاني الجاحظ، على الطريق وما تبقى لملمة فحسب. الانشغال باليومي أو التفكير في مصير العالم والقصيدة، والكتابة عند المرأة أو تفخيم الذات، أغراض تبدو للشاعر وسائل كتابة أكثر منها غايات في الشعر نفسه، بما هو بحث في أرض مجهولة ومتخيلة.
أربعة عناوين ومقدمة تتوزّع مجموعة داغر، يسهل معها اقتفاء أثر التجريب الذي يحاول الشاعر جعله جديداً ولافتاً. دسّ الكومبيوتر كآلة ذات أثر في تجربة الشاعر الحياتية الاجتماعية "نميمة الكترونية"، وأضفى مسحة على شاشتها المسطحة لتبدو أعمق "شعرياً" من وظيفتها في الواقع، والأمر ترديد لأصداء قرأناها في مجموعتيه السابقتين "غيري بصفة كوني" و"حاطب ليل".
يقف القارئ امام تجربة مكتنزة يمكنها تحويل اليومي والعادي إلى كلام يتأهب لدخول مملكة الشعر، إلاّ أنّه يمتنع كمن يتهيب الخطوة التالية، رغم خبرة تساعد أحياناً على ولوج مناطق التخييل، غير الآهلة بالشعراء لكن الصور، على كثرتها وتبعثرها على الطريق، تبدو في مجموعة داغر الأخيرة، في حاجة إلى أكثر من خبرة وانحناء للملمة. لعلها رؤيا جديدة أشبه بإعادة النظر في كلّ التجربة، وكما أشار الجاحظ إلى مكان المعاني، كذلك فعل حمّاد عجرد، أستاذ أبي نواس، حين نصح له بحفظ ألف بين من الشعر "عن ظهر قلب"، وحين تأكد من تنفيذ المهمة، نصح له بأن ينسى ما غيّب من شعر، كمن يأتي ربّه بقلب نظيف، وجهه يومئذ إلى الشعر.
القدرة على تحويل الانفعال بالأشياء إلى لغة فصحى لا تخلق وحدها الشعر بل شيئاً يشبهه، والباقي تتولاه لعبة اللغة التي يجيد شربل داغر أصولها وهو واقع تماماً تحت إغرائها.
(جريدة "النهار"، بيروت، 17 أيلول-سبتمير 2004).