حاكم مردان : ثمار الشعر المستعاد وأسئلته

بالنشاط الذي يميّزه في ترحاله الدائم، يأتينا كتاب الشاعر شربل داغر "غيري بصفة كوني" ثمرة مستعادة من أغصان تجربته الشعرية، قطفاً من مجموعاته: "فتات البياض" و"تخت شرقي" و"ووشم" و"حاطب ليل" (...). وفي كتابه الجديد هذا قصائد منتخبة منها ومقدمة للدكتور مصطفى كيلاني (استاذ النقد الحديث في جامعة سوسة، تونس) تحت عنوان "ذاتية الكتابة–غيريتها في تجربة شربل داغر الشعرية"، دراسة في مجموعات داغر الشعرية لعلها تغني عن مقالتنا هذه لولا الجانب الترويجي الذي تتخذه المقالات في الصفحات الأدبية للصحف اليومية عادة. وفي الكتاب احتفائية عالية بتجربة الشاعر، ولا مانع من الافتراض أن الشاعر نفسه أنجز جمع مادة الكتاب وانتقاء ما يليق بالمناسبة وإلحاق ما فات الشاعر قوله في إصدارات سابقة (مقدمة متأخرة لمجموعة "حاطب ليل" عنوانها "حاسوبي مجازي المحمول")، وأخيراً تذييل الكتاب بمقابلات أجريت معه، ومن ثم دفعه (الكتاب) إلى الناشر فالمطبعة.
لكن يحق للشاعر شربل داغر، ربما دون سواه، أن يلملم ما تبعثر منه، وفي الحق من أناه الشاعرة في ما يبدو حادثاً عفو الخاطر وبلا قصد إذ يردد في أكثر من قصيدة وفي ثنايا القول والمنحول عن الذات أن ثمة آخر فيه. وعنوان الكتاب الحالي نوع من التجرد من مسؤولية ما سيؤول إليه الكلام: "طلب الشراكة في ما يخصني، في ما يسبقني وأعرضه على أنه مني ولغيري في آن"، يقول داغر في مقدمة متأخرة لمجموعة "حاطب ليل". وما تقدم ليس الحقيقة وحدها، بل هناك ما يناقضه وينفيه، لأن داغر، مثل معظم الشعراء الذين يسترسلون في الحديث عن تجاربهم الشعرية ومفهومهم للقصيدة وحالات الشاعر وطقوسه، سرعان ما يغريهم الكلام على الشعر (شعرهم بالطبع!) فيقولون الشيء ويبدعون ويقولون نقيضه، ويبدعون أيضاً حتى من دون تعميم التجربة، وحتى من دون ادعاء أن الشعر هكذا يجب أن يكون. فهم في الحالتين يمارسون سطوة يدرك معها القارىء، بلا قصد منهم، وبلا شعور منه، أن أمور الشعر في أقصى درجات تواضعها هكذا يجب أن تكون ما دامت ممهورة بالمهارة، والشعراء أسياد الكلام.
ثمة تعددية في تجربة داغر الشعرية لا توضحها القصائد المنتجة في الكتاب، بل ان الفارق هو بين مقدمتي مجموعة "تخت شرقي" و"حاطب ليل" إذ يثبت في الأولى آراءه حول التجربة الشعرية عامة ويبدو فيها صاحب رؤية نقدية تفصح عن شاعر، فيما العكس تقدمه مجموعة "حاطب ليل" المتأخرة، إذ يتحدث الشاعر عن تجربته في كتابة القصيدة (أطوارها التجريبية الأولى) على الكومبيوتر وما عهدناه في الورقة والقلم والشطب والحذف والتشذيب والتقديم والتأخير والمسودات التي تملأ سلّة المهملات تنتهي إلى غير رجعة إذ يتولى (عشرات المساعدين الالكترونيين) تنفيذ أوامر الشاعر على قصيدته حذفاً وشطباً بل إزعاج من قلم يجف حبره أو ورقة فاشلة يكاد صوت جعلكتها ورميها يتسبب بتقريع للشاعر وإدانة بالخيبة. وتجربة ملاقاة هي الشعر، أو شيطانه، على شاشة كمبيوتر أراها مبهرة فعلاً، وتستحق أكثر من فكرة عابرة، لعل الكومبيوتر – وثمة تجارب قرات عنها مرة – يستطيع كتابة الشعر والتفاهم مباشرة مع الوحي أو الشيطان ويدع الشاعر في حاله، فكرة!

(جريدة "النهار"، بيروت، 13 أيار-مايو 2003).