هذا كتاب- شهادة، شهادات، بما يشتمل عليه من بوح، ووصف، وتفسير، وسبر لأغوار الشّاعر، فضلاً عن مجاهل القصيدة. وفيه ما يجعل الشّعراء ينظرون إلى صنيعهم، إلى ما يصيبهم صدفة، أو إثر تدبير. وشارك فيه 118 شاعرًا عربيًّا، من أجيال وتجارب وحساسيّات مختلفة، ما يعدّ اجتماعًا نادرًا في حدّ ذاته. وقد يكون مناسبًا طرح السّؤال: كيف يحدث مثل هذا الاجتماع؟ أله صلة بأنّ السّؤال مطروح من فلسطين؟ وهو سؤال يمكن طرحه بالعكس أيضًا.
إلاّ أنّ القول في ما التقَوْا حوله صعب بقدر ما هو مبتكر ومثير، إذ قلّما عاد إليه الشّعراء بتلقائيّة، فيما تجنّبه الدّارسون. وإن عادوا، فإنّ ما يتوقّفون عنده هو ما لن تلبث الممارسة الشّعريّة أن تردمه، أن تغطّيه. إذ إنّ قلّة من الشّعراء تُصدّق ما قالته الشّاعرة الرّوسيّة مارينا تزفيتاييفا، في رسالة لها للشّاعر راينر ماريا ريلكه في صيف العام 1926، إذ تحدّثت عن إمكان التّرجمة في أن تشقّ السّبيل من جديد الّذي شقّه الشّاعر عند كتابة قصيدته: "كم هو أفضل في الألمانيّة اللّفظ (nachdichten)، فهو يعني، في تتبّع طريق شاعر، شقَّ الطّريق عينها الّذي سبق له أن شقّها. فقسم من هذا اللّفظ يعيّن "بعد"، وهناك القسم الآخر الّذي يعيّن الدّائم الجديد. ويعني اللّفظ بمجموعه بالتّالي إعادة شقّ السّبيل فوق الخطوات الّتي غمرها العشب للتّوّ. إلاّ أنّ التّرجمة تعني شيئًا آخر كذلك، فنحن لا ننقل فقط لغة إلى أخرى، بل ننقل الضّفّة أيضًا".
أيقوى الشّاعر فعلاً على تذكّر أو على مباغتة خطوته قبل أن "يغمرها العشب"؟ ذلك أنّ "لحظة" القصيدة "الأولى" قد يتّجه الشّاعر صوبها، إلاّ أنّها قد تأتي إليه أيضًا، طالما أنّها لحظة تتعيّن في التّعب أو في الحماس الشّديد، في السُّكْر أو في اليقظة العالية، في النّوم أو في المباغتة، في التّلهّي أو في الرّصد، وفي غيرها ممّا ينساه الشّاعر، طالما أنّ ما يستفزّه ويستثيره يردم وراءه دومًا ما حصل له- إن تنبّه له، في النّادر.
والإجابة عن هذا السّؤال صعبة، حتّى لا أقول: مستحيلة، بدليل التّعثّر المتكرّر بين شاعر وشاعر في تحديد هذه "اللّحظة". ذلك أنّها لحظة ممّا يبقى في الذّاكرة أو يندثر؛ وقد يكون الاندثار أشهى أشكال الوجود، إذ تختفي "اللّحظة" لصالح القصيدة- المتحقّقة أخيرًا. وهو ما جعل البعض يتلمّس "اللّحظة" أكثر مما يصفها، بلغة التّشبيه والاستعارة. وهو ما اجتمع في الحديث عن:

- الولادة، حيث أنّ أكثر من شاعر عاد إليها ("القصيدة الابنة الشّرعيّة وغير الشّرعيّة"، "تتخايل لي في الصّحو كأنثى لم تُفتضّ بعد"، "لم تُفتضّ بعد حروفها على شكل امرأة"، "الحبّ القديم يخلق دفئًا سلبيًّا"، "لحظة أن يكون فيها القلم قيسًا والورقة ليلى… راكضيْن متقافزيْن أو طائريْن بأجنحة البهجة"، "القصيدة مثل الحبّ"، "الوصال الموجب"، "مع امرأة لم تعرف بعد تجربتها الأولى على سرير مرتعش"، "ألا يشبه فعل الكتابة المتكرّر فعل اغتصاب مومس قررتْ، بعده، أن تحتفظ بجنينها- راغبة أمومة ما"، "قد يكون الأمر أشبه بالولادة… قد يتمكّن الطّفل الوليد من التّنفّس وقد لا يتمكّن"…)، بل يمكن طرح السّؤال التّالي: ألا يصبح الشّاعر المذكّر أنثى بمعنىً ما في الكتابة؟ ألهذا يقول الشّاعر إيف بونفوا: إنّ "القصيدة تأتي من الطّفولة" (وهو ما قاله قبله ريلكه، وبكلمات أخرى)، وكان في إمكانه أن يقول: "إنّها تأتي من الطّفل"، من هذه الرّغبة الّتي تبقى له، مع العمر، في أن يندهش، وهو يلعب بالخفّة الّتي للاعب الخفّة إذ يلاعب الكريات بين يديه. لهذا- كما إنّ الطّفل هو مستقبل والديه- كذلك فإنّ القصيدة "تبتسم للموت"، أو تمدّ لسانها له، بمعنى آخر.

- والشّرارة ("لحظة البرق المبهر"، "شرارة القصيدة الأولى"، "لحظة الإشراقة الأولى"، "الومضة"، "الرعد القويّ"، "يشبه حالة البرق في سماء رتيبة"، "كبرق خاطف"…)، وهي استعارة تقْلِبُ الاستعارة السّابقة، إذ ما كان فعلاً إنسانيًّا، يصبح فعلاً ماديًّا؛ وما كان لحظة "جماع"، يتحوّل إلى فعل خارجيّ، مفروض.
وهما استعارتان تشيران إلى فاعلَي التّجاذب والتّحديد في هذه الشّهادات، حيث أنّ بعضها يستبقي نوعًا من الكلام الدّينيّ، أي الإلهاميّ، عن الشّعر ("هكذا هو المبدع. إله مع وقف التّنفيذ")، فيما يستكشف غيرها بواطن اللاّوعي في إملاءاته على القصيدة. وقد يلتقي التّحديدان أحيانًا في أقوال لا نتبيّن فيها تمامًا، ما إذا كان ما يملي القصيدةَ على شاعرها جهةٌ "خارجية"، أم "داخلية" في النفس ("أكتبها دفعة واحدة، كأنّ هناك من كان يملي عليّ هذه القصيدة"، "أتتني على حين غرّة"، "فيما يكون الشّاعر يسجّل تلك الكلمات بشغف كمن يصغي لوصيّة شخص يحتضر"، "تُخاطر مع شبيه لك"…)؟

إلاّ أنّ ما يتمّ الحديث عنه، يستوجب التّمييز بين "اللّحظة" وبين "البيت الأوّل". هناك "لحظة"، من جهة أولى، وقد تتعدّى الشّعر والشّاعر: هذا ما يبقى في التّمنّي عند الشّعراء ممّا لا يبلغونه في التّعبير، مثل مشروع مؤجّل ومحفّز في آن؛ وهو ما يتحدّث عنه مبدعون غير الشّعراء في نتاجهم أو في مأمولاتهم الإبداعيّة؛ وهو ما يدرسه بعض الدّارسين البنيويّين ممّن جعلوا من "الشّعريّة" (حالة وأنموذجًا) موضوعًا للدّرس وحالة (هلاميّة أو مشتهاة). وهناك، من جهة ثانية، "البيت الأوّل" (و"السّطر الأوّل"، أليس كذلك؟)، الّذي قد لا يبقى أوّلاً، بل يندثر، أو ينتقل. ويتوجّب ربّما الانتباه إلى أنّ شعراء "القصيدة بالنّثر" قد يُقبلون على كتابتها بتهيّب أقلّ، وبمرونة أشدّ، في صنيعهم الشّعريّ.
السّورياليّون- وحدهم- ما كان ليحرجهم سؤال هذا الكتاب، بعد أن عرفوا في بعض تجاربهم، أو تجريباتهم، ما أطلقوا عليه تسمية: "الجثّة الشّهيّة"، حيث كان الواحد منهم يبدأ بكتابة جملة أو شبه جملة أولى، ثم يطويها وينقلها إلى زميله على الطّاولة في المقهى، وهكذا دواليك إلى أن تجتمع السّطور المتتابعة في نصّ وعلى الرّغم منه، فيما لم تحتفظ به مصنّفات الشّعر، حتّى السّورياليّة منها. إلاّ أنّ ما تشير إليه لعبة السّورياليّين يتحدّث عمّا تخفيه العمليّة الشّعريّة في تدافعاتها، وهي أنّها "بدء ملحوق" (على ما قلت في مقدّمة "تخت شرقيّ")، أي أنّها- وإن بدأت غريبة، شاذّة، مفاجئة (لشاعرها قبل متلقّيها)- لا يسعها سوى أن تقع في "أفق المعنى" اللاّزم.
أتكون فعلاً القصيدة "رحلة بلا متاع"، مثلما يقول أحدهم؟ لا، هي بمتاع أكيد. فترى بعض الشّعراء كما لو أنّهم يتجنّبون الكلام، أو الاعتراف، بأنهم صنّاع كلام، وإن في نوع من اليقظة العالية، إذ تستحضر قوّةَ المخفيّ، أي "المستدخل" (كما يقال في لغة علم النّفس). وما يريده بول فاليري قد حُمل ربّما، من بعض الشّعراء، على غير محمله، إذ كان يشير إلى أنّ القصيدة عمل يتكفّل به الشّاعر، لا أيّة جهة خارجيّة، أمّا حديثه عن "الهبة" فهو لتأكيد قيمة جهد الشّاعر، لا للتّخفيف منها، وهو ما يتبنّاه البعض في الحديث عن أنّ "القراءة تحضّني على كتابة الشّعر"، أو عن "إرادة الفعل الكتابيّ" المعلنة وغيرها.
إلاّ أنّ قليلين مثل نيتشه يقوون على الكتابة، على التّصريح، وإن استعاروا (بعلم أو بدون علم) استعارته "البرقيّة": "نسمع، فلا نبحث (عن شيء)، نأخذ، فلا نطلب ممّن يعطي. كما البرق، تنبثق الفكرة فجأة، (بإلحاح) الضّرورة المطلقة، من دون تردّد أو تفتيش. ما كان لي أبدًا أن أختار". إذ كان لغيره أن يبحث، لا أن يجد؛ أن يتردّد، لا أن تسقط بين يديه الثّمرة الّتي نضجت للتّوّ؛ أن يختار، لا أن يصعقه البرق بمشيئته المحكمة. وهو ما يعترف به غير شاعر في هذا الكتاب عن هذه اللّحظة- اللّغز، وإن كان يلامس كلام بعضهم خطابًا في "الفطرة"، في القدرة الفجائيّة، في الانبثاق الخلاّق. فالقصيدة تؤتى حتّى وإن تبزغ أمام العين مثل قمر في لوحة. وهي تأتي بمقادير من الجهد، وإن تبدو لناظرها، لقارئها، بأنّ "العشب غمرها للتّوّ".
والحديث عن "الأوّل" حديث عربيّ بامتياز. وكنت قد وقّعت قبل سنوات على كتاب ورد في عنوانه لفظ "الأوائل" ونسيت عنوانه الكامل، وكان يريد منه مؤلفه التّعرّف إلى أسماء وأفعال البادئين بأمور لافتة في التّراث العربيّ القديم. واسترعاني يومها هذا الولع العربيّ بتعقّب الأصول، والتّعرّف إليها، وتصنيفها. وهو ولع يمكن التّحقّق منه في نطاقات مختلفة، ويشير في مظاهره إلى طلب إلحاحيّ لمعرفة "الأصل"؛ وهو وجه من وجوه "التسيّد" الّتي تطلبها الكتابة في نطاقها. وأريد من ذلك الإشارة إلى أنّ مفهوم "النّفوذ" أو "المكانة" يستدعي- في ما يستدعي- التّأكّد من الأصل والفرع، من البطن والفخذ، أي من أسباب السّلطة الّتي تقوم على مرجعيّة قبليّة وتقليديّة بالضّرورة. هكذا ترى التّاريخ يتحوّل إلى تعقّب سلاليّ، وهو في ذلك دون القيافة القديمة في الصّحراء، الّتي تتعقّب الحدوثات وتقرأ علاماتها.
ولقد وجد بعض المصنّفين التّراثيّين في الشّعر مادّة ونمطًا لأعمالهم، وهو ما كان يحتاجه النّقّاد والشّعراء وعلماء اللّغة وغيرهم في مجالسهم، ولاسيّما في المحاورات الّتي كانت تتمّ في البلاطات، حيث كانت الثّقافة تنتهي إلى أن تكون مجموعة من "المختارات"، الّتي استحسنتها جماعة المتأدّبين الفصحاء؛ فتراهم يتجادلون ويتوافقون حول "أجمل بيت قيل في الغزل"، أو في وصف المطر وغيرها. والبحث عن "الأوّل" لا يعدو كونه التّثبّت من "الأسبقيّة"، وبالتّالي من المكانة الاجتماعيّة. هكذا نجد تصنيفات عديدة طاولت الشّعر، أو جعلته أنموذجًا لغيره من النّتاجات والسّلوكات الثّقافيّة وغيرها، ولكن من دون أن يصيب القصيدة بمجموع أبياتها. هكذا نقع في هذا النّقد على أبيات مفردة، لا على قصائد، فما وقعنا في المدوّنة النّقديّة القديمة إلاّ على مثالين محدودين تناول فيهما ناقد قصيدة برمّتها… وهو ما يمكن أن يقال في عنايات أخرى غابت عن درس القصيدة القديمة، بل يمكن القول إنّ عددًا كبيرًا من مسائل القصيدة يتمّ تناوله، اليوم، انطلاقًا من أسئلة نقديّة طرحها نقّاد غربيّون، هنا وهناك.

"اللّحظة الأولى للقصيدة" واحدة من هذه المسائل، ولا نجد عنها أيّ كلام في المدوّنة القديمة سوى الحديث أحيانًا عن "ومضات" ليس إلاّ. وهو ما ألقاه في حديث المتصوّفة كذلك عن "الإشراقات" و"الطّوالع" و"اللّمع" وغيرها؛ وهي كلّها تسميات مختلفة للحديث عن الانبثاقات الفجائيّة في تجلّي الكتابة. كما نقع على كلام وأخبار عن عمل بعض الشّعراء على تنقيح قصائدهم، مثل الأخبار عن القصائد "الحوليّة" وغيرها. وبات النّاقد يحتاج إلى العودة إلى كتابات متأخّرة للوقوف عند سؤال القصيدة "التّكوينيّ"، أو "التّدشينيّ"، إذا صحّ الوصف. فغير شاعر، مثل بول فاليري، توقّف عند هذه اللّحظة، حتّى أنّ الشّاعر إيف بونفوا جعلها غير قابلة للتّعيين، لأنّ مبدأ تجلّيها يشبه بناء الحلم نفسه: لا نقوى على معرفة أسباب صدوره وإن كنّا نُقبل على قراءته وتفسيره بمقادير من النّجاح. ولقد زاد من العناية بلحظة القصيدة ما بدأت تعرفه بعض الدّراسات، الّتي تندرج تحت باب "تكوين النّصوص الأدبيّة"، من نجاحات في التّعرّف إلى بعض مسار التّكوين؛ فالعودة إلى مخطوطات الشّاعر (أو الرّوائي) سمحت وتسمح بقيافة كتابيّة لما باشره وانتهى إلى صنيع طباعيّ. وهو ما يمكن التّعرّف إليه من خلال شهادات الشّعراء أنفسهم، حيث لهم أن يفيدوا وأن يخبروا عمّا عايشوه وخبروه من أحوال الانبثاقات الكتابيّة.
وهذه اللّحظة ليست واحدة، بل عديدة ومختلفة. وهي تأتي، أو "تهجم عليك"، مثلما كان القدماء يقولون، وإن في معرض آخر. وهي تأتي في البحث عنها، في انتظارها المتحفّز، على أنّك قد تصل إلى غيرها، إلى غير ما كنت تقصد أو تبحث عنه. وقد تكون لحظة بسعة قصيدة طويلة، أو عمل كبير، مثل إشراقة لا تكشف عن موطئ خطوتها، وإنّما عن قارّة من التشكّلات الممكنة لقصيدة، أو ربّما لمجموعة. لهذا تروق لي في العربيّة الصّلة التّكوينيّة، الاشتقاقيّة، بين "اللّغة" و"اللّغو"، إذ تشير إلى أنّ اللّغة تأتأة وتلعثم وتلفّظ (قبل أن تكون جملة فوق سطر)، مثل طفح ينبئ بحدوثه وحسب، وبعد حدوثه طبعًا. كما يروق لي في الصّلة عينها ما تشتمل عليه من لعب ممكن، لا يعدو كونه تقليبًا أو مراودة للّغة عن حمولاتها، عن تراكيبها غير المبدوءة. فإذا كانت اللّغة تفيد الإفصاح والتّواصل والمنفعة (بمعنى ما)، فإنّ اللّغو يقوم على الخلوّ من الفائدة، أو يصرف الدّلالة. لهذا قد تكون اللّحظة هذه انبثاقًا، إلاّ أنّها تأكيد لإنسانيّة الحضور في الوجود، بهذا الفعل الّذي له ملامح الانكشاف والأثر، والخروج على العالم والانغماس فيه.
غير أنّ هذه الفجائيّة الّتي للحظة الشّعر ميتة بالضّرورة، طالما أنّها مستلحقة من القارئ، الّتي لا يتلقّاها إلاّ بوصفها حدوثًا، بوصفها سابقًا وإن طازجًا: يتلقّاها تبعًا لأفق المعنى الّذي له، وإن ينطلق من القصيدة. هذه اللّحظة- على فجائيّتها- لا تلبث أن تتنـزّل في مسالك استقرار، وإن قلقة أو متردّدة.
لهذا طالما انسقتُ إلى تشبيه القصيدة، قبل انبثاقتها، بالغابة، على أنّ الدّاخل إليها هو مكتشفها واقعًا: يرودها من دون سابق معرفة أو خريطة؛ يرودها بخبرته وحسب، وبحدسه وصبره على الانتظار والتوقّع والمباغتة. ولطالما حدث لي أن تحقّقت من أنّ ما اكتشفته، أو ما انتهيت إليه، لا يعدو كونه إمكانًا أو احتمالاً في ما سبق أن كتبت. هو من حاصل الكتابة الضّمنيّ، أو الخفيّ. هو من تموّجاتها المحتملة. مثل تشكيلات صوتيّة في جوقة، في عزف بأوتار متعدّدة. هكذا تكلّمت في قصيدة، في مجموعة "إعرابًا لشكل"، عن أنّ القصيدة هي "عزاء السّاهر"، عزاء الشّاعر، على أنّه "قارئ البرق"، أليس كذلك؟
كما سبق لي في "تذييل" لمجموعتي الشّعريّة "حاطب ليل"، أن تكلّمت عن الورود الّتي يبقيها أهل قريتي في قفل البيت، وأنت غائب عنه، دليلاًَ على زيارتهم، وتساءلت ما إذا كانت الانبثاقات الفجائيّة للقصيدة لا تعدو كونها الورود المستبقاة من قصائد بلغت الشّاعر من دون أن يكون حاضرًا ومتنبّهًا لها عند ورودها.
هذا السّرّ الّذي للقصيدة من دون غيرها قديم مثل قدم الأخبار عن "الجنّيّ" الّذي كان يرافق الشّعراء، بل يمدّهم بالشّعر والقصائد من حيث لا يعرفون. ولقد تنبّهت (في كتابي: "مذاهب الحسن…") إلى أنّ اسم "الجنّيّ" يوافق مبنى ومعنى اللّفظ اليونانيّ القديم (genius)، الّذي كان يعين فيها "التّابع". وهذا الجنّيّ لم يعد "يتبع" الشّاعر، بل بات "يلهمه" منذ الرّومانسيّة، الّتي باتت تشدّد على الشّاعر "الخلاّق" و"المبتكر" وغيرها. وهي تسميات مختلفة متدرّجة في الفرنسيّة من اللّفظ اليونانيّ القديم الّذي يعين "الجنّ"، وهو ما قادنا في العربيّة، من دون شكّ، إلى تسمية الصّفات نفسها بـ"العبقريّة"، أخذًا بالمعاني الّتي يمكن أن تتفرّع وتشتقّ من "عبقر"، وادي الشّعراء الجاهليّ الغاصّ بالجنّ، والّذي هام فيه الشّعراء.
لم يعد الشّعر خافيًا على الشّاعر، وإن يجهل انبثاقه المفاجئ. بات في عهدته بمعنى ما، في تموّجات نفسه، في لاوعيه، في متخيّله، وإن كان لا يعرف سببًا لصدوره. ساق ابن رشيق القيروانيّ أخبارًا عديدة عن الأوقات الصّالحة لموافاة الشّعر إلى موعده؛ وهذا ما أسرّ به بعض الشّعراء، من دون أن يصلوا إلى ضبط المواعيد. هذا يصيب شعراء أعرفهم، في طلبهم المنتظم للشّعر، في الصباح عند بعضهم، ولاسيّما المسنّين منهم، وفي اللّيل المديد عند بعضهم ممّن هم أفتى منهم.
لطالما فتنتني هذه اللّحظة، حتّى أنّني ما توانيت، منذ مجموعتي الأولى، "فتات البياض"، عن جعل القصيدة موضوعًا للقصيدة. هذا ما تابعت في كتابته، في الطّرق على البوّابة عينها، في نوع من الإلحاح والرّجاء، من دون أن أبلغ سوى استراحات، مؤقّتة بطبيعة الحال. لهذا قد تكتب قصيدتي فيما تنظر إلى نفسها في المرآة. وهو ما يغريني في صورة أقوى مع الحاسوب، مع شاشته المضيئة الّتي تمنح الزّمن صورة ماديّة أكيدة، لم تكن للورقة والنّسخ في ما سبق. فمع الحاسوب تبلغ إلى المنتهى المادّيّ- وربّما النّهائيّ- للقصيدة (في حال الّذين ينشرون شعرهم في المواقع الإلكترونيّة)، وتحوز اللّحظة بالتّالي على فجائيّة غير مسبوقة، إذ تسقط أفعال التوسّط والتّنقية: الصّفحة الإلكترونيّة "نظيفة" أي منقّحة دومًا بمعنى ما. فالورقة بدل عن غائب، مكتوب في الذّاكرة قبل سواد المحبرة، فيما قد تكون صفحة الحاسوب انبثاقًا تكاد تلمسه لمادّيّته المنيرة.
(تقديم كتاب محمد حلمي الريشة وآمال عواد رمضان: "الإشراقة المجنحة: لحظة البيت الأول من القصيدة"، "بيت الشعر الفلسطيني"، رام الله، 2007).