لا ينفكّ الشاعر اللبنانيّ شربل داغر ينهمّ بالتجديد في الصيغ والأساليب، التي يقدّم بها نصوصه التي يحرص دوماً على أن تنضح بالجديد، مبنى ومعنى، فلا يجد القارئ عنده ارتكاناً إلى المتعارَف عليه، أو الشائع، وهذا يأتي بالتوازي مع ما تخلقه نصوصه من صدمة للقارئ، وتكون صادمة من حيث التجديد. من ذلك مثلاً، روايته «وصيّة هابيل»، الصادرة عن دار الريّس، بيروت 2008، التي تخلّى في كتابتها عن التقيّد بالسرد الذي يجتاح بنية الرواية الكلاسيكيّة، بل ابتكر صيغته الحواريّة، حيث جاءت روايته حواريّة كلّها، علاوة على مَسرحتها، هذه الميزة التي تخلّلت نصوصه الإبداعيّة الأخرى، التي يجري فيها تداخلاً بين الأجناس الأدبيّة، يمزج بينها، خالقاً نصّه، يُمَسْرح القصيدة، والرواية، يروي بطابع شعريّ، وبلغة محكمة، مفعمة بالتشظّيات الشاعريّة، منفتحة على المعاني، ربّما حتّى المتباينة منها.
في عمله الجديد «القصيدة لمَن يشتهيها»، الصادر مؤخّراً عن دار النهضة العربيّة، يستكمل داغر تجديده الذي بات سمة ملازمة لنصوصه. حيث يتبدّى من العنوان أنّ الشاعر قد أنْسَن القصيدة، جسّدها، فصّل في ثنايا جسدها. ألبس جسدها الحلي والمصاغ، يجعلها مشتهاة، مغوية، ولعلّ الاشتهاء، التي هي سمة حسّيّة بامتياز، تثير في نفوس القرّاء رغبة في الانكباب على القصيدة، وقراءتها بحبّ، يولّده الإغواء الملتصق بالشعر والشعراء كسمة لاعنة. هنا تكون فضيلة الشعر الغواية، التي تغدو الدافع لنفسها بنفسها.
ينصّب الشاعر قصيدته الشعريّة على قمّة هرم يبنيه من أجساد قصائده، تتّخذ القصيدة معه شكلها، الكاسر للقولبة، الخارج عن التقييد. القصيدة المؤنسنة عنده، لا تأخذ من الإنسان صفاته كلّها: قد تنسى مثله، تعيش معتزلة، يكون لها مسكنها الخاصّ اللائق بها، تحيّي، تغفو، تعير،ة توصي، تشكر، تتبختر، تتثنّى. تكون للقصيدة أطوارها المختلفة العديدة، منها مثلاً: ما نجدها تباغت به المتربّصين بها، تقرع الأبواب مقتحمة هدوءاً مظنوناً، كما في قصيدته «المتربّصون»، التي يقول فيها:
«تقرع القصيدة على بوّابات الغفلة،
من دون استئذان،
لمباغتة النائمين بثيابهم، المتربّصين بأيّ نداءٍ...».
ثمّ ترتاح في منزلها من عناء الخارج، تنطوي على ذاتها، ترجو عدم الإزعاج، ترجو هدوءاً واجباً، كما في قصيدته «جِِدْها»، التي يقدّمها بصيغة حواريّة مُمَسرحة:
«- وضعت القصيدة على مقبض بابها:
"الرجاء عدم الإزعاج،
فكيف ألتقيها؟
- في كلمات حياتها المتقاطعة».
كذلك تكون لها حالات تتلبّسها، تعيش انشغالاتها وانفعالاتها بمعزل عن الآخرين، الذين ينساقون وراء إغوائها. يصف الشاعر القصيدة بقصائده، يتغنّى بها، تغدو معه الغاية والوسيلة معاً. يقول في قصيدته «لمن يشتهيها»:
«القصيدة لا تسهر مع أحد:
يزورونها فرادى، ويمعنون في تفتيشها
من دون أن تلوي على شيء...
عداها لا يعنيها،
هي التي نسيت أن تنظر إلى خلفها
لمّا نادتها
وجوه مَن عبروا،
وأصوات مَن يبكون صامتين...
القصيدة لا تنسى محبّيها
وإن غدروا بها،
أو تنكّروا لها:
تفي بوعد الخطى...
القصيدة لا تنام ولا تواعد أحداً؛
تتمشّى أمام مرآتها
من دون أن تمسك بضفيرتها؛
لعوب وجسورة:
تعطي قبلتها
لمن يشتهيها».
تلتزم القصيدة بوعودها، لا تتنكّر لأحدٍ كما قد يتنكّر الإنسان، لا تسهو عن مواعيدها، تبقى عاشقة وفيّة تواعد محبّيها، تعطي قبلتها، كالشاعرة الأندلسيّة ولاّة بنت المستكفي، لمَن يشتهيها. وهذا لا يعني أنّ القبلة الممنوحة لمَن يشتهيها، يجعلها تقع في فخّ الابتذال والمشاعيّة، بل تحرّض على التسابق لنيل رضاها، ليكون المشتهي جديراً بتقبيلها، والاستمتاع برفقتها في رحلة الشعر في عوالم غير منتهية.
في نصّه الأخير، «أثناء القصيدة»، يسرد الشاعر بعض التفاصيل التي تتخلّل زمن القصيدة، يزمّن القصيدة، وهذا ما يقتضي بوجوب التنويه، بما قبلها وما بعدها. يغدو للقصيدة زمنها الخاصّ، تغدو زمناً بحدّ ذاتها، تحتكر تاريخاً، أو ترتفع تاريخاً بنفسها، تنوجد القصيدة، يتوافر ما قبلها، يخلق ما بعدها. يتحدّث عن علاقته بالقصيدة، وتعلّقه بها، يفصّل في الحديث عن الاسم، عن الصورة، عن بعض الحالات الطريفة في علاقته مع التكنولوجيا. يقدّم عن طريق البوح عبَراً يُستفاد منها في الحياة العمليّة.
يجسّد داغر القصيدة في «القصيدة لمن يشتهيها»، يحثّ بلغته الشفّافة على الغوص في أعماق القصيدة، فيحقّق شرطَي الإبداع: المتعة والفائدة معاً. يحقّق «لذّة القراءة» ويروي شهوة القارئ للقصيدة وبها.
(الإمارات تايمز، 4 آذار 2010(