رشم
(مقاطع)
بشيكطاش وإسكودار
تتبادلان الماء
مثل جرائد الصباح
في مقهى الصيادين.
يحط المسافرون،
يغادر المسافرون،
وهؤلاء يتلقفون من أولئك
أسى مقيماً
وأمنيات مرجئة
بخلافنا
على جذعين.
على الوجوه ستار شفيف
لرسوم وهيئات
تخرج من أطيافها
وتدخل في أجسامها...
لقاءٌ عجول
بين دفتي باب :
ما يكفي
لإرجاء حسابات
وتجديد عقد
بين ربان ومسافرين.
(...).
يتقدمني طرف لساني
مثل مجذاف
يلعق
توق الوصول
كما في مضيق.
وبين الضفتين
جسدي رقاصُ ساعةٍ تنقضي
بهوس الجذافين
وهم يتناوبون على الماء...
وما أن أرسو
أُبحرُ
وما لي بوصلة، ولا تواقيت،
لي وحسب هوس الترحال،
كأن له تقاسيم
تستقيم في تكرارها،
وتنتشي تباعاً.
هكذا أنت أمامي :
مقصدي وسبيلي،
هكذا أنا أمامك :
رفيق سفر، والسفرة نفسها.
يعرض لي وجهك مثل نافذة
تتدافع فيها العلامات :
كأنني خَطّاف صُوَرٍ
أو جَوّابُ تيهٍ،
كأنني منارة على المحيط :
لها الاتجاهات كلها،
مقيمة ومسافرة،
في آن.
بمتناولي، ومشرعة الوجه
ما يدعوني إلى لججٍ
هي عينُ ما أذوقه
مراراً وتكراراً،
على طرف أصابعي
وفي منتهى عيني التائقة.
أُقَلِّب وجهك
كأنني أتقدم في غابة
لها من سواعدي فروعٌ
ومن رقصي إيقاع الفصول.
ذلك أنني أُبحر
مما رَسَتْ عليه اعتياداتي
وأتهادى في ضبابٍ
تائهاً، مستهدياً،
في جسدي الضيق :
أأنتِ سفينة أم غيمة؟
أهو إبحارٌ مقيمٌ
في اشتهاءِ مجهولٍ
له فُجاءة الإلفة :
- أكنتَ أنتَ؟
- أكنتِ أنتِ؟
أم تيهُ غيمةٍ
تسأل مطرَها
عن أرضها :
أهي ثمرتي ما ينتظرني
في احتباس الماء؟
(...).
بديلي يتقدمني
مثل مرشدي
وأنا، بخشية اللصوص،
أسترقُ النظر في عقر داري
وأطمعُ في قضم العنب
مثل ثعلب يلتذ في لكح شفتيه
أكثر من حبات العنقود.
تستلقين على طرف لساني
فمن أين لي أن أُصَفِّف يومي في مفكرتي !
وإذ أخرج منك
فلكي أجدك !
لهذا أهزجُ كلما اصطفقت ورقة بأخرى
وأخال الأغصان صفاً من منشدين
والعابرين موكباً،
ويدخل بعضي في بعضي
في التحامٍ راقص
له عضلات الجذور
وفوحان الثمر.
ضباب فوق المضيق
لا تبالي به السفن
فيما الوجوه تبدل ملامحها
لمسرح مكشوف
في عراء الليل،
لعروضٍ يتناهبُ فيها الثيابَ
ضيقُ الأجساد.
خليطٌ في المضيق
وهواجس مقيمة،
كما لو أن الأرض نصفان،
يتلصصان،
هذا على ذاك،
في اشتباه الحدود
وقلق الرغبات.
أخال الجذافين المهرة يرتاحون،
والأشرعة مطوية تحت إبطي،
وأن لي إمرة السفينة
الراسية
في ظنوني...
وإذا بي لا أقيم في حدودي،
فالريح تملي
والشراع ورقة الهبوب،
ما يجعلني
احتمالات في جسد،
بل احتماله الأصفى.
بل :
»أنا هو آخر«
في مضيق الشفتين.
شهوتي لا أوراق ثبوتية لها،
تُساكن أطيافي
خلسة،
وتسرد لكل منها سيرة
بوصفها سيرتي،
فأُقْبِلُ عليك بخفة الرواد
وصبر المنقبين،
كأنني رجال،
واحد بعد الآخر،
يَجُرُّون الماء
برافعات هيكلي.
مياهٌ داكنة
وحطامُ بقايا خافية
وعيون مرخاة
على حفيف أخير
لشراعٍ لا دفة له.
والدُّمية »باربي« تستلقي
مثل سابحة ...
وزجاجة فارغة
تبحث عن شاربيها
الغافلين...
مياهٌ صلدة
أقرب إلى بلاط مشع،
وأشبه بمرآة،
لخفة العابرين وهوسهم.
مياهٌ لخشبة
ذات أرقام ومقاعد
يمسي الراكبون فيها
قاعدين،
متفرجين،
على ركاب غيرهم...
وينتظرون خفافاً
لعبة أخرى
يكونون فيها راقصين
في حلم لا ينقضي مع انتهاء الرحلة.
***