محمد علي شمس الدين : قصيدة ما بعد حداثية
ترى شربل داغر في كتابه الجديد «لا تبحث عن معنى لعلّه يلقاك» (عن دار شرقيات، القاهرة، 2006) يكتب كما لو أنه يقرض أوائل الكلمات وأواخرها وأحياناً أواسطها. فهذه الكتابة هي كتابة لعثمة، من حيث ان اليقين لدى صاحبها صعب، مشوّش أو مستحيل. واليقين هو الى حد ما، معنى، أو فكرة، أو صيغة. لكن. أين؟ فشربل من البداية حتى النهاية، يمارس الكتابة إما بآلية ما بعد حداثية – أو بألية اللعثمة الدادائية السابقة على ترتيبات العمل والمنطق...
وذلك بيّن لناظره من أول الكلام. فهو يكتب كما لا يستطرد، ويبدأ أول نص له بعنوان مبدوء بـ «إذْ...»، وإذ حيثية معطوفة على ما سبقها، لكن في نص شربل، هنا لا يسبق «إذْ» أي كلام او كتابة... «اذ ان الهواء يعبث فيه ويؤنثه»، يسبقها فقط حيثية عنوان الكتاب «لا تبحث عن معنى»، أما التكملة «لعلّه يلقاك»، فلعدم قطع باب الرجاء من معنى، ما، في مكان ما، في فكرة ما... الخ... وهو كسمكة في بحر يرمي فيه الصياد الشبكة... من قال إنها تأتي؟ ومتى؟ وكيف؟... هذا وقد لا تأتي.
كتاب شربل داغر يضم بين دفتيه ثلاثة مستويات من الكتابة، أو ثلاثة نصوص، أسميها: نص السيرة، ونص الحوار، ونص القصيدة، فهو لهذه الناحية الشكلية المضمونة، جمع شمل، لمتشابهات. وربما كان يرمي في الاساس الى الشعر لأنه به عنْون الكتاب... ثم، هو، على كل حال، ومما يشبه المقدمة / السيرة، يعتبر الحدود وهمية اصطلاحية، ويعتبر الكتابة أو الكلام بمثابة التمشي والتنقل وليس الانتقال «ماذا لو أنتقل؟ هل أنتقل حقاً؟» فكأنه يستعير البيت الإشكالي الجميل لإيليا بو شديد: «... والدربْ برمِهْ / ومَشْيتي وقفه».
وليس سراً ان تخمّن ان الشاعر يرمي لشيء ما، في مكان ما، من كتابته... ولكنْ: ما هو؟ هنا الصعوبة بل الاستحالة... الواصلة به وبنا لحدود العبث والضحك... ذلك ان الشاعر يتقدم ويقدّم «ذاته» من خلال خلطة من سيرة ذاتية ومسرحيتين صغيرتين (حواريتين بشخوص عامين: مخرج، متكلم، صوت، ش. د (شربل داغر / باعتباره أحد شخوص الحواريتين)، عاود، كنّاس، شجرة... الخ)، الحوارية الأولى (المسرحية) بعنوان «جثة شهيّة» – والعنوان مستمد من احدى الجمل السريالية المبكرة، ومبدوءة بعبارة من المعري» ذلك كله (...) إنما هو جد مثل اللعب»، مسرحها خشبة معتمة، عليها مستوعب خشبي طويل يضاء المسرح ويعتم، وعليه متكلمون من رجال ونساء.
اما الحوارية الثانية فهي بعنوان «العباقرة يصلون سريعاً والحمقى أيضاً»، شخوصها متكلمون ومخرج وكنّاس وش. د، وعمود وقاعدة. والمسرح فيها خشبة تضاء وتعتم... والكلام على غاربه.
في ما يشبه السيرة الاولى، يشير داغر الى صباه ومراهقته، حين كان يسير في الهواء، يده اليمنى تخبط وتخط في حركتها عبارات عربية يمثلها بيده، بعد او قبل تمثيلها بصوته.
الإشارة هنا مسرحية. ويسأل نفسه: لماذا لا يقول ما يريد مباشرة؟ ولشخص محدد؟ لماذا يكتب لقارئ لا وجه له؟ وهل للكلام ان يكون مسدداً كرصاصة ام هو بطبيعته مراوغ؟
يطبق شربل داغر في نصوصه المختلفة (الحواريات والقصائد) ما يعتريه من وساوس السيرة المزدوجة، وينتهي منتصراً لإمالات الكلام، وربما التقى التغني بالتهكم، والمعاينة بالتأمل، والتفقّد بالتشهي، واللهو بالجد في أصوات الكلام، ويقصد الكتابة، لأنه يميل للكتابة اكثر من ميله للسماع.
بين الحواريتين آنفتي الذكر، يثبت شربل داغر مجموعة نصوص شعرية، تحت عناوين عامة هي على التوالي: وليمة قمر، مضاف اليه هذا اللهو، مشبّه به، المقهى جريدة، فيء وظل، أسئلة مستحقة... والكلمة التي تقال في النصوص الشعرية الوسيطة بين المسرحيتين الصغيرتين، ستليها كلمة في المسرحيتين، وخلاصة قول لنا في كتاب شربل داغر.
في النصوص الشعرية ليس ثمة من عناوين باعتبارها مفاتيح للنصوص، بل كل نص يبدأ بسطر شعري بحرف أكثر سواداً من سواه... لا يعني ذلك ان السطر أساس النص ودليله، بل هو كما لو هو استطراد لكلام سابق «أمرّر يدي على صفحة الباطون»، «أقرع الليلة على باب له مفاتيح كثيرة»، «هذه الليلة صامتة كي أطيل النظر الى»، «تدلف يدي الى دفء رسائل يصحو تحت المخدات»، «ما ان جلست تأهبت»، «لكل شجرته»، «أتباعدت النجوم أم قلّت؟ «...» أرمي لفظاً فوق قماشتي المشدودة»...الخ
اذاً: لا عناوين للنصوص بل إشارات غامضة لبدايات قد لا تكون كذلك...» هذه ليلة من يفدون من دون استدعاء، ومن يصلون فلا يعلمون ما يفعلون، ومن يبكون أو يقهقهون من دون استعداد»... اذاً، ايضاً: ثمة استرسال... تلقائي وربما آلي وشكلاني، للكلام... ما يستوجب». سؤالاً: هل شربل داغر شاعر آلية شكلية؟.
هناك ايضاً في النصوص محو أكثر مما فيها إثبات، بل يلاحظ غياب ما يرفرف بأجنحته... وعلى رغم ان جملتنا عن الغياب المرفرف بأجنحة جملة تشير بالمحسوس لغير المحسوس، الا ان نصوص شربل داغر ميّالة للوهم، والخسران، وهناك ما يشبه التشويش السريالي، إنما المنظّم (على الأرجح) أي هو ليس تشويشاً هذيانياً، وهو يدرك انه لن يدرك شيئاً:
«نستقبل ما لا نعرفه
وما نصبو اليه لا يقع بيننا».
«حياة تسري في دبيب حاء / خلف باء».
ولأن الكلمات ليست في هذا المقام عجينة ومطواعة، فإن الشاعر غالباً ما يتكئ على ربما ولعل، وعنوان هو «في آن معاً» أو «أول ما...»، أو «كأنها لولا أنها»... ثم هو أيضاً يكتب التفكيك، أكثر مما يكتب الالتحام... وهي سمة ما بعد حداثية في المسرح الأميركي المابعد حداثي على كل حال... فتحسّ كأن شربل داغر يطبق النظرية في كتابة تكاد تكون مختبرية. مثلاً نص يبدأه الشاعر بالجملة التالية: «كراس عجولة لجيران ضجر» تلي السطور التالية:
«قهوة صباحية في بيت من هواء
شقق من دون شاغليها
صفوف لها اختبارات مجانية من دون دليل
وغيوم احتمالية لدمعٍ وشيك
مشهد تحت نظر القصيدة
ما يكفي
من دون واو العطف
فتصل الكرسي الى لفظها بخفة السارق
والشفة الى ريق جملتها
حتى ان القارئ يحبس أنفاسه
بمجرد جفاف المطبعة».
فكأن الشاعر يرتب على شاشة، جملاً لا مترابطة، مشوّشة كبناء، فانتازية... وأخيراً ذات نكهة ساخرة... وهذه سمات من سمات ما بعد الحداثة التي أشار اليها الاميركي كاي في كتابه عن الفنون الأدائية المابعد حداثية.
لا يختلف، برأيي، النصّان الحواريان المسرحيان في الكتاب، في جوهر الكتابة المتوخاة، عن النصوص الشعرية آنفة الذكر. ليس ثمة من «موضوع»... الكلام على ألسنة المتكلمين. المتكلمون أصحاب الكلام مرسلون غير محددين. ثمة اشخاص مسرحيون كثر تحت اسم «متكلّم»... البطل (إذا صح أن ثمة من بطل) في المسرحية الاولى «جثة شهية»، هو مستوعب كبير للقمامة، فيه جثة. الحوارات مبهمة مرتجلة يشوبها فراغ، وعدم توجيه الخطاب لأحد. كأن الكلام فقط يطلع من المتكلم لا لسواه... ثمة عابر يتلو قصيدة... ثمة جريمة لكن كيف؟ ومن ارتكبها؟ ثمة جثة ولكنْ لمن؟ ومن القاتل؟ ومن القتيل؟ ثمة مقاطع شعرية عن شجرة، لعب وعبث «اذا الشعب يوماً أراد الحياة / فلا بد ان يستجيب التلفزيون» – مثلاً – ثمة أغنية يرددها البوي... ويتدخل شخص هو ش. د. (أي شربل داغر) كشخص في الحوار الذي ينتهي بصوت جماعة للمتكلمين:
«خيط الكتاب طويل / خيط الكتاب طويل».
الحوارية الثانية «العباقرة يصلون سريعاً / والحمقى أيضاً» لا تختلف بسماتها الأساسية عن الأولى. لكنها تميل بشخوصها ومسرحها والحوار أو الكلام إلى نقطة في العبث او المفارقات التي تضحك وتبكي وتجعل الرأس في دوار.
أخيراً، وكخلاصة، أستطيع ان أستعير لشربل داغر في صنيعه التجريبي والمثقف في آن، الفانتازي على العموم، المقطعين التاليين من كل من أوسكار وايلد وخيري شلبي.
يقول أوسكار وايلد: «إن الإنسانية تنظر الى نفسها بجدية أكثر مما ينبغي. وهذه الجدية هي الخطيئة الأولى التي تردى فيها العالم. لو أن رجل الكهف تعلم كيف يضحك لتغير مجرى التاريخ. الجدية هي الملجأ الوحيد الذي يلوذ به ذوو التفكير الضحل».
أما خيري شلبي فيقول في روايته الجميلة «صالح هيصه» على لسان صالح: «ربنا خلق الدنيا هيصة، وخلق فيها بني آدم هيصة، كل واحد فيه هيصة بيعمل هيصة عشان يلحق هيصه، ويا يلحق يا ما يلحقش، وكلهم كحيانين بس كل واحد كحيان بطريقة، وأنا ملك الكحيانين عشان كحيان بكل الطرق».
(جريدة "الحياة"، لندن، 26 حزيران-يونيو 2006)
ر