حاتم الصكر : أصوات الكلام وهيئاته، بعيداً عن المعنى
لا ينيب شربل داغر في كتابه الشعري الأخير أحداً عنه ليقدّمه إلى القارئ، ولا يدع كذلك قارئه يدخل إلى نصوصه دون موجهات قراءة. فيكتب لنفسه مقدمة تأخذ أهميتها ليس من اندراجها ضمن "عتبات" نصية توجه القارئ فحسب، بل من كونه صاحب التوجيه والنص. وكونه ذا طروحات نظرية حول الشعر والفن حملتها كتبه الدراسية في الأدب وجماليات الفنون، مترافقة مع تجربته الشعرية، والذي يمثّل كتابه هذا "لا تبحث عن معنى لعلّه يلقاك" السابع في سلسلة لا تقف عند النص الشعري المجرّد بل المتواشح مع تجارب فنية مكملة تواخي التشكيلي والشعري.
وهذا الحنين لتعضيد الملفوظ الشعري بالفن البصري واضح حتى على غلاف الديوان الذي استعار من الحروفيين توزيعهم للكلمات لا على أساس ما تؤدّيه من معنى، ضمن التركيب اللغوي، بل على أساس جماليات الحرف ذاته. وهو مقتطع من تركيبه النسقي، فيكون تصنيف الكتاب على أنّه "ش ع ر" بتجزئة الحروف على الغلاف، الذي غدا سطحاً تصويرياً، كما تباعدت جملة العنوان الطويلة لتضع القارئ–المشاهد في بلبلة إذا ما أراد إنتاج معنى من نسق تراتبي للمفردات، أي أنّ كلمات العنوان لا تتنضد أو تصطف خطياً على سطر واحد، بل تتناثر على الغلاف دون تجاور.
ولعلّ هذه الملاحظة تتجاوز الرصد "الشكلي" لتعطي مفتاحاً نافعاً في قراءة نصوص الكتاب الذي أرى أنّ عنوانه "لا تبحث عن معنى لعلّه يلقاك" يكتمل بقراءة عنوان المقدمة التي كتبها الشاعر، وهو "إذ أنّ الهواء يعبث فيه ويؤنثه". وبدأ يتمدّد العنوان كجملة دلالية إلى المقدمة ذاتها. هنا تكتمل بقراءة العناوين دعوة صريحة للقارئ لكي يتنبّه إلى ما يسمّيه شربل داغر في آخر سطور مقدمته بـ "أصوات الكلام"، وبهذا يدخلنا – لقراءة نصوصه وتأويلها - في مثلث نصي أبعاده هي: التراكيب، وصورها العينية، وأصوات الكلمات. فهي ذات امتداد لغوي أولاً، وبصري ثانياً، وسمعي أخيراً، وبذا يكون على القارئ استنفار حواسه كلها لاستيعاب "المعنى" الذي ينصحنا الشاعر ألاّ نبحث عنه، تاركين أنفسنا – وقراءاتنا – لما يمكن تشبيهه في الفن التشكيلي بالصدفة الموضوعية، التي تأخذ رغم عفويتها مكاناً في البناء أو الإنشاء التصويري على سطح اللوحة، وتسمح عبر فتح شهية المؤول–المشاهد برؤى لم يحسب لها حساب. ولكن: ماذا تريد مقدمة الشاعر أن تقول، وإلى أين تقودنا أو توجّهنا؟ ولماذا هذه الوسائط بيننا وبين النصوص التي نفترض وصولها دون شرح أو تفسيرات مسبقة تمثّل تشويشاً على فهمنا لها؟
يتوخّى شربل داغر أن نتنبّه إلى وعيه بالكتابة كمرحلة أنهت الشفاهية بكلّ لوازمها الغنائية والموسيقية والعاطفية والخطابية، فقصيدته مكتوبة للقراءة. ثم ينبّهنا إلى ما تنبّه إليه أحد نقاد شعره حول "المشهدية" وحضور المشهد البصري والتمثيلي في شعره، فهو كما يقول يسعى دوماً "للانطلاق من العالم من محسوسه، من معاينتي له، لا من أيّ مكان آخر". وبهذا ينبذ الوصف البلاغي كما يبعد عن خطابه "الفكرة" نفسها "ما لم تتعيّن مشهدياً".
باختصار، لا يريد شربل داغر، في توسل يحاول دفع اللبس، أن نقرأ نصوصه بالمطابقة مع ما تصوّره، وبعبورها الأجناس والأنواع التي يرى شربل أنّ حدودها "وهمية"، ويتبع ذلك عدم وجود معنى قار أو نهائي، بل ثمّة تباينات للمعنى نصطدم بها في فضاء النص.
لغة الشاعر انسحبت على مقدمته فجاءت مثقلة بجماليات المجاز ومجازفات الصور والتشبيهات، لكن ذلك لا يمنع استنباط مفاتيح هيأتنا لقراءة نصوصه التي – بتصميم مسبق منه – جعل أولها مسرحية أو حوارية شعرية تدور على خشبة، والشاعر أحد شخصياتها. كما ختم الكتاب بمسرحية أو حوارية مشهدية تتكرّر فيها بعض شخصيات النص الافتتاحي الاول مضافاً إليها الأصوات المتعدّدة، في تأكيد لتلك المشهدية التي نبّهنا إليها الشاعر في مقدّمته.
فقد بلغ هجران الغنائية والخطابية مداه، وصارت الاستعانة بالسرد تمتدّ في قصيدة النثر لتكتب قصائد مشهدية لا يصنفها الشاعر على أنّها مشاهد أو مسرحيات إمعاناً في تأكيد هويتها النصية كقصائد. وبين العملين نقرأ أربعة أعمال رئيسية تتفرّع عنها قصائد متفاوتة الطول، سيلاحظ القارئ أنّها تبدأ بمقتبسات من المأثور النثري أو اللغوي لتعضد المحتوى النصي الذي لا يرتبط – شأن شعر شربل داغر المنشور – بوحدة بنائية تقليدية. فثمّة تفتيت لبنية النصّ دائماً، إن لم يكن بتجزئته إلى نصوص صغرى ذات عناوين مستقلّة، فبتقطيعه إلى مقاطع يفصل بينها بياض. هكذا يمكننا أن نقرأ النصوص من أيّة نقطة، وإن نرى فيها تفاصيل قابلة للانتزاع مستقلة عن سياقها كما يحصل في الجداريات واللوحات التشكيلية الكبيرة.
سمة أخرى سترصدها القراءة المتمعّنة هي حضور الصور البصرية بقوة عبر "شاشة" متخيّلة تتكرّر كثيراً هي شاشة "الحاسوب" التي ألفها وصادقها الشاعر وكتب تنظيراً سابقاً في كتابين له عن ضرورتها كاستكمال لعمل اليدين ومزجه بالفكرة والبصر معاً.
سمة ثانية سترصدها القراءة هي النزعة التشخيصية المكمّلة للمشهدية، ولكن عبر اقتناص الوجوه وعمل بورتريهات شعرية لها، واصطياد الأمكنة لتصويرها عبر إسقاط الوعي الذاتي على وجودها.
نقرأ، مثلاً، "عن نزار قباني":
"ما أن تلمس يداه حرفاً يصبح حلوى،
هكذا، له كلّ ما يحتاجه الشاعر،
فكتب قصيدة واحدة".
الأبيات الثلاثة تلخّص قراءة شربل لنزار: شاعر يجعل ما يلامسه "حلواً"، وعبر هذا البعد الجمالي ينتقل ليلخّص رأيه "النقدي" فيه، فنزار لم يكتب عبر نصوصه الهائلة إلاّ "قصيدة واحدة" يكرّرها أو ينوّع فيها وعليها.
المقهى - كمكان مصطنع اخترعه الإنسان بديلاً عن البيت واستراحته - له وجود نصّي مكرّر، جعل منه الشاعر "شيئاً" ذا وجود خاص، هو حصيلة ما أسقطه عليه وعيه وشعوره به. فالمقهى جريدة، كما عنوان أحد النصوص، و "مقهاي وطني" و"مدرستي" كما في النص، ولكن المكان مؤنّث بحسب وعي الشاعر: بأطياف ورؤى وماض وأحلام وتصوّرات، تجعل من المقهى لا مجرّد مكان بل طقساً شعرياً وتأملياً ومناسبة لمتعة البصر أيضاً:
"لهذا المقهى قارئ مياوم
يتصفّح وجوه جالسين، وغائبين
يكاد أن يصافحهم واحداً واحداً، بمجرّد جلوسه إليهم، واستماعه إلى نتف الشفاه، وفضلات الأعين وانغماسه في صخب أهواء".
عند انتهائك من قراءة الكتاب الشهري هذا ستسأل نفسك: هل كان وعد الشاعر في المقدمة سراب أم أنّه تحقّق كما أراد له؟
سؤال كهذا تتكفّل به دراسة نصية مطوّلة، تضيء ما حول النص أولاً لأنّ الشاعر معنيّ بالشكل كهيئة نصية، بالوجود النثري داخل النص، الذي أزال عملياً حدود الأجناس إلى حدّ استشهاد الشاعر بمقاطع من مقالاته في "جريدة الحياة" وإلى حدّ تشبيه كتابته للشعر بالرسم:
"أرمي لفظاً فوق قماشتي المشدودة".
تماماً كما يفعل الرسام، لكن قماشة الشاعر: ورقة أو شاشة حاسوب أو أيّة واسطة تحقّق له استيعاب أصوات الكلام وأشكاله وهيئاته، لكي تصل إلى القارئ بهذا الاحتشاد، والذي يلزم عناء كبيراً لكي تسير خطى القارئ في متاهاته واشتباكاته وملابساته، التي تلخّص كلّها في النهاية حالة شاعر يفرّ من نصّ خطابي، أو قصيدة نثر مسترخية مستريحة في لغة مجرّدة، يكرّ عليها الشاعر بكلّ ما لديه من خبرات في اجناس وأنواع محايثة.
لقد أنجز العنوان مهمّته مستبقاً القراءة، ولاحقاً بها، فلا جدوى من البحث عن "معنى" محدّد في نصوص شربل داغر، بل ثمّة مشاهد وصور ورسوم وكولاجات وبورتريهات وتداعيات ملقاة كلّها في أتون واحد هو سطح النص القريب من جامع فني نصي ومعرض لخبرات مختلفة.
(جريدة "الدستور"، عّمان، 28 تموز-يوليو 2006).