عابد اسماعيل : عندما يبلغ التجريب أقصى أشكاله
لا بد أن شربل داغر يدرك أن التجريب، في مستوى شكل النص وبنيته المجازية، قد يُدخل المتلقي في متاهة الإبهام، أو يرمي به في دائرة الظل الدلالية، ويحرمه، بالتالي، من التواصل مع المعنى، أو حتى التعثر به مصادفة. ولا بد أنه يدرك أيضاً، بفضل ثقافته الأكاديمية، ودربته النقدية، أن هدر المعنى وبعثرته بصورة راديكالية، قد يخلخل فعل التأويل ذاته، بصفته فعل تفسير وشرح وإيضاح، وينهك النص بالفجوات السوداء. في مقدمته المكثّفة، التي تلامس رؤية أسلوبية رصينة لقصيدة النثر، يفتتح داغر ديوانه "لا تبحث عن معنى لعلَّه يلقاك"، منوهاً بالحضور الكتابي لنصّه، بالمقارنة مع انسحاب الشفوية منه، وخفوت الإيقاع الخارجي للسطر الشعري الحرّ، المندفع أفقياً وعمودياً، في دعوة واضحة للتركيز على القراءة، بصفتها فعلاً آنياً يتجاوز تعاقبية الزمن، ويتخطى خيط السماع الذي تتطلبه الجملة الشعرية، الموقّعة والمقفّاة. والمقدمة هي بمثابة افتتاحية مرنة، متأمّلة، تأخذ من الشعر رمزيته المبتغاة، ومن النقد رصانته الخفية. ويلفت داغر إلى أن النص الذي يكتبه يجب أن يكون عرضة للتبدل، وأن يكون زئبقي البنية، متداخلَ الرموز والمعاني، إذ إن "الهواء يعبث فيه ويؤثّثه"، كما يقول. لأن الشعر لا يقيم مع المفاهيم الجامدة، المستقرّة، بل يتجاوزها دائماً إلى الطارئ والمتحرك، حيث "الكلام قيد الإتيان، قيد التمرين والتشكيل، قيد الجريان". والمتأمّل في عنوان الديوان لن يجد صعوبة في وضع اليد على الهاجس الشعري الذي يحدّد وجهة الشاعر في نصه. فالمعنى ليس هدفاً نصبو إليه، أو غاية نهائية نسعى لتحقيقها. قد يتحقّق المعنى في ضياعه الدائم منّا، وفي هروبه المستمر من استعاراتنا ورموزنا. من هنا عبثيّة البحث عن المعنى الذي يقترحه العنوان، وضرورة اللجوء إلى المصادفة، لعلّها وحدها تنقذنا، وتقودنا إلى الدلالة المشتهاة.
وللتدليل على هذه الطبيعة المتحركة لفعل الكتابة، يفتتح الشاعر ديوانه بنص طويل تحت عنوان "جثة شهية" يأخذ لبوس مسرحية مصغّرة، تجري أحداثها في سياق حوار مسرحي، تتناوب فيه شخصية المتكلم مع شخصية المخرج، وتخترقه أصوات عديدة، منها صوت الشاعر نفسه، وصوت الصبيّ الهارب من إصلاحية، وأصوات أخرى قد تعود إلى شخص واحد، أو هي أصوات منسوبة لأدوار وشخصيات مختلفة، تتردّد في نتف وشظايا حوار متشعب داخل رأس متأمل مستوحد، يتحرّى جريمة وقعت، فيلجأ إلى مونولوغ مطوّل، يتأمل فيه الموت، مقترحاً إخراجاً مسرحياً أولياً للأحداث التي تجري على منصة متخيلة. في القصيدة يتداخل الوصف السريع بالجملة الغنائية القصيرة، عبر تطوير تقنيات التهكم والمفارقة والترميز، وخلط مستويات التعبير، من جملة إلى أخرى. ويتميز، بوجه خاص، صوت الشاعر الذي يشير إليه داغر بأول حرفين من اسمه (ش. د.)، من حيث اقتضاب عباراته ورمزيّتها، حيث ينفر بعيداً، ويشطح بأفكاره خارج السياق المحوري للنص، وفيما وراء الحدث "المسرحي"، ليرى الحبكة من زاوية المتنبئ الذي يتوقّع حدوث الجريمة قبل وقوعها. من هنا ارتباط الجثة المشتهاة بمخيلة المتكلم. كأن الكلام مدان بالجريمة التي وقعت، واللغة متورّطة بالموت: "للقصيدة مصطبة يمكن الجلوس فيها/ لكنني أجد لطخة قانية/ وقتيلاً يعترض سبيل الكلام".
هذا الربط بين المتكلم المتورط بالجريمة، وبين الاستعارة المتورّطة بالموت، يهيمن على القصائد الأربع التالية، "وليمة قمر" و"مضاف إليه هذا الهو" و"المقهى جريدة" و"فيء وظل"، والتي تسبق القصيدة الأخيرة "العباقرة يصلون سريعاً..."، التي جاءت في شكل حوار مسرحي متخيل. إن ارتباط الموت بالكتابة يعيدنا إلى صيدلية سقراط، وارتباط الداء بالدواء، وتبادل الأدوار بين الكتابة كعلاج وبين الكلام كسمّ قاتل. هذا التداخل المريب يفسّر جزئياً تركيز داغر على علاقة الكلام بالموت، وعلاقة الحقيقة السقراطية بالفناء، المتمثلة رمزياً بتجرّع كأس السمّ. كما أنه يوحي بصعوبة التفريق بين الواقع واللغة، إذ كلاهما يصنع الآخر، ويجعل المحاكاة أبعد ما تكون عن التمثّل أو التمثيل (representation )، لأن الكلام، حسب الشاعر، لا ينفصل البتّة عن تجربة المعنى، والواقف على شرفة منزله يراقب جنازة عابرة هو ذاته الواقف على شرفة نصّه يراقب جنازة الرموز والاستعارات: "الذي يواكب جنازات المتألمين/ يبقى على شرفته/ يبقى بين سطوره". ثمة علاقة جدلية بين اللغة والوجود، وبين التسمية وفعل التحقّق في الكينونة: "تكون الأشياء بمجرد أن أسقطوا نظرهم عليها/ وباتت لها أسماء أكيدة/ يكفيهم أن يروا لكي تكون/ وأن يسمّوا لكي تكون".
وفي قصائده جميعاً يلجأ الشاعر إلى تقنيات شعرية مشابهة، تنم عن فهم متقدم لتقنيات الكتابة الحديثة، وهذا يظهر جلياً في التنويع الأسلوبي من قصيدة إلى أخرى، وحتى داخل القصيدة الواحدة، كاعتماد المقطع النثري المتعامد على الصفحة تارة، والمنبسط أفقياً تارة أخرى، واللجوء إلى عناوين فرعية، يستحق كل منها أن يشكّل قصيدة قصيرة منفصلة. ناهيك عن الخلط بين النبرة المسرحية والتأمّل الذاتي، ما يجعل الصوت الشعري مبعثراً، متشظياً، لا يربطه ناظم دلالي أو معرفي. هذا يجعل التجريب، في مستوى بنية النص، فعل قطيعة يقيمه الشاعر مع قارئه. صحيح أن ثمة تنويعاً كبيراً في تعددية الخطاب، وتوظيف أساليب متعددة، لكن السياق العام للدلالة يكاد يكون غائباً. إن مزج المقطع القصير، بالشظية المسرحية، بالتأمل الصوفي، باللعب البلاغي المزدوج، بالمفارقة الشعرية، بالتهكّم الذاتي، قد ساهم كثيراً في خلق جو دلالي، معتم وضبابي، وأوصد الباب، أو كاد، على العلاقة التواصلية مع قارئ النصّ.
مع ذلك، ثمة انسجام معرفي لدى الشاعر بين الدعوة إلى التخلي عن المعنى وبين الرغبة الشعرية في نبذ الوضوح، والتركيز على تدفق الاستعارات، المنفلتة من وظيفتها التقليدية، والتركيز على المجاز بصفته سلطة عليا تتجاوز الموهبة الفردية. هذا الانسجام يأتي مسربلاً بالإبهام، ويجعل داغر يخوض تجربة النص التجريبي، مسلحاً بثقافة نقدية مركّزة، تتجاوز معيار التواصلية، وتغامر، بلا ندم، بقطع حبل الخلاص السري الذي يربط النصّ بالمتلقي.
(ملحق "نوافذ"، جريدة "المستقبل"، بيروت، 14 كانون الثاني-يناير 2007).