ماري تريز عبد المسيح : فاعلية القصيدة في الوجود
لا تنحصر القصيدة في مجموعة «لا تبحث عن معنى لعله يلقاك»، في إطار المشهدية المسرحية، أو العلاقة التمثيلية التي يقيمها الشاعر والقارئ معا، بل تظل واقعيتها في الحياة، في فاعليتها التي تتساوى وفاعلية المقهى، والجريدة، واللوحة الزيتية، والشاشة الإلكترونية، والنصوص المقروءة، والمرئية، والمسموعة، فهي تمتثل بها وتمثلها.
تثير فينا مجموعة شربل داغر الشعرية، «لا تبحث عن معنى لعله يلقاك»، التساؤلات حول كيفية التواصل عبر القصيدة. فقراءة القصيدة ليست مجرد استيعاب القارئ لمحتوى ما، إنما هو تأكيد لوجود القصيدة، وهي تتفتح في فضاء الكتابة مثلما تنفرط جزيئات المسرحية في فضاء المسرح. يذهب الشاعر في مقدمة ديوانه إلى أن «كتابة الشعر هي مواجهة من لا تواجه». يغدو فعل القراءة هنا هو تمكين من النص، مثلما يتاح لمشاهد المسرحية المشاركة في أحداثها، وهذا هو مفهوم المسرحية، بدءا من المسرح البريختي وانتهاء بعروض الوسائط المتعددة multi-media . تلك العلاقة الملتبسة مع القارئ ناجمة عن كيفية إنتاج النص الشعري في هذه المجموعة، فهي لا تختلف عن التجربة المسرحية المعاشة، التي يمثلها أفراد ليس هم بالأفراد، فالممثل ليس شخصية حقيقية، وعلى الرغم من أن الجمهور يعايش التجربة المسرحية بوصفها تجربة جمعية، إلا أن المعايشة تكون جمعا وفرادى في آن.
يبدأ ديوان شربل داغر «لا تبحث عن معنى لعله يلقاك» وينتهي بنصوص شعرية «ممسرحة» - أو عروض شعرية - يشترك كاتب الديوان في أحداثها بوصفه إحدى شخصيات المسرحية، كما يظهر اسمه في قصائد أخرى. والتعريف هنا ليس المقصود به تأكيد الذاتية، بل على العكس، فمدون النص الشعري كالعين الزائغة في «صالة المقهى» يمحو الذاتية بإدماجها بين الشخصيات الممثلة شعريا مثلما «تعدد الوجوه في المطار». شربل داغر في «جثة شهية» كما في «العباقرة يصلون سريعا... والحمقى أيضا»، يظهر كمجرد: «صوت دائما. كما يظهر كلامه، في العمل كله، كما لو أنه يكتبه للتو، مباشرة، فوق شاشة إلكترونية مكبرة فوق الخشبة».
وتختلط هوية الشاعر أحيانا مع ضيوف العرض المسرحي، حيث يتهم المخرج أحد الضيوف: «ها أنت تتكلم مثل شربل داغر». فهناك ازدواجية في الأدوار التي يلعبها الشاعر. بل إنه في العرض الشعري الأخير «العباقرة يصلون سريعا.. والحمقى أيضا»، يحادثه المتكلمون عبر الهاتف بوصفه متكلما آخر. يظل صوت شربل داغر كنشيد الكورس، أو المعلق على الحدث، أو ربما مدبر الحدث الذي يتخفى بعيدا عنه، بينما يتابع من عايش الحدث أو من رواه وهم يشتبكون مع خيط الكاتب «الذي يطول» إلى ما لا نهاية. وفي الأبيات المقتبسة عن كتاب مالرميه، «كتابات في الفن»، التي يشير فيها إلى «هؤلاء الذين يتوهون ببساطة لكي لا يعودوا»، نتنبه إلى اختفاء الشاعر كأحد أشكال ازدواجية الحضور والغياب.
تعد خشبة المسرح مثل الشاشة الإلكترونية التي تتزامن فيها كتابة الكلمات وقراءتها، ما يؤهلنا للتعاطي مع نصوص تعاين لحظة قراءتها. فهي رهن متلقيها، وكأن القصيدة «لعبة أصوات»، والمتن «خشبة عبور وانتظار واجتماع». يؤدي المخرج المسرحي دور قارئ القصيدة - ولا يختلف عن كاتبها كثيرا -، فهو يرى أن التتابع الوارد في النص «استنسابي، أي أنه مقترح»، يمكنه «نقل مقاطع وتبديل مواضعها، لإيجاد نسق آخر». ولا يعلو صوت المخرج على المتكلمين، فهم أيضا في بحث مستمر، إما عن قاتل، أو عن رسالة يبتغون فك شفرتها، ويحاولون ترتيب الوقائع بما يرشدهم إلى المرسى الأخير.
وفي العرض الشعري الممسرح لا يوجد ممثلون، بل متكلمون يشاركون في حدث. والمشاركة عينية، وليست مجرد تفسير عقلي. والحدث يتأرجح: فهو يبدو أحيانا كلعبة، وأحيانا أخرى كجريمة، وأحيانا كبث تلفزيوني، ليكتشف المتكلمون في النهاية أنهم مشتبكون مع خيوط نسجها الكاتب. وفي «العباقرة يصلون سريعا.. والحمقى أيضا»، وهو العرض الشعري الذي يختتم به الديوان، يشتبك المتكلمون في البحث عن رسالة مفقودة، وينهمكون في فك شفرتها. كما تضيف الاقتباسات الواردة في المقدمة إلى التجربة الشعرية آفاقا أخرى، فهي تستدعي «الإشارات الإلهية» لأبي حيان التوحيدي، حيث يصبح «القائل والسامع» مشتركين «في هذا الذكر الجامع»، مما يحيل إلى العلاقة المشتركة بين الشاعر والقارئ في إنتاج الديوان، أو تحقيق الرسالة المفقودة في النص الشعري.
تعمل النصوص الشعرية في الديوان على إقامة علاقة التواصل من دون الاتصال، والحوار مع القارئ قائم على الرغم من أنه غير متصل الأطراف. لا يعني التواصل عبر القصيدة هنا مجرد استقبال القارئ لها، بل يتحقق النص الشعري عينه في عملية التواصل. ففعل القراءة يدمج القارئ في الصراع القائم بين الحدود واللاحدود، الحدود التي يفرضها شكل النص الشعري - مثلما تتحدد المسرحية بخشبة المسرح - واللاحدود الناجم عن استحالة تحديد نهاية للنص الشعري أو المسرحي، حيث يكمن عنصر الرفض في المتن، ويستحيل ترويضه في نهاية محكمة.
يتوهم العباقرة الوصول إلى نهايات القصيدة، لكن الحمقى أيضا يزعمون ذلك، وفي هذا السياق تغدو العلاقة بين العباقرة والحمقى تبادلية. فالوصول إلى نهايات يتضمن اعترافا بالأسبقية، وبالتمكين من السلطة، ومن ثم يفترض وجود مَن مِن حقه تنقيح الحقائق لامتلاكه السلطة المطلقة. يترادف هذا الدور السلطوي ووظيفة الكناس في «العباقرة يصلون سريعا.. والحمقى أيضا»، فهو يزعم التنقيح بينما ليس هناك أوساخ أو فضلات ينبغي استبعادها من النصوص كافة. باتت مهمة التنقيح الجمالي لا تختلف عن مهام التلصص الأمني للحكومات الاستبدادية لاستبعاد المعارضين، وتنقيح الأمة الوحدوية المتحدة الكلمة منهم. وهذا هو ما يحيل إليه وجود «الكناس» الذي يشرع في التكنيس من دون أن يكون هناك شيء يكنسه في العرض الشعري الأخير.
الحوار بين الكاتب والقارئ هو صراع بين مطالب متغايرة، بين مَن يسعى إلى حل ومن يمتنع عن تقديمه. يتجسد هذا الحوار في علاقات الحضور والغياب للمتكلمين على خشبة المسرح، وفي حضور الشاعر والقارئ في فضاء القصيدة. ليست هناك لحظة للتنوير، بل لحظة يبدو فيها الخفاء أكثر وضوحا. ورفض النهايات المحكمة ناجم عن إدراك بصدفوية الحياة، واحتمالية التجربة، سواء انتمت إلى نص الكتابة أم إلى نص الحياة:
"ما يجري هو ما يجري الآن. لا غير.
ما يجري لن يجري بعد. أبدا."
حينما تمتثل القصيدة العرض المسرحي، فهي تمتثل مستقبليتها، وتتأهب للقارئ، أو بالأصح تحاوره منذ اللحظات الأولى لكتابتها. ففعل القراءة يراود القصيدة منذ لحظة التكوين، حيث تلبي الكتابة متطلبات القراءة، ويغدو الشاعر رسّاما ومشاهدا في آن: «أرمي لفظا فوق قماشتي المشدودة». فاللفظ لا يصنعه الشاعر ولا يبحث عنه، بل يلتقيان «فوق شاطئ»، ويظل الشاعر يقيم ويسافر «في ما يعرض لي للنظر على أنه من رسمي». الشاعر على يقين بأنه كاتب النص، لكنه يعرف أيضا انه يحمل بداخله قارئا لما يكتب، أو القارئ رهن الميلاد، بل ربما يكون القارئ هو الذي يبادره بالكتابة. فالنص لا يكتمل إلا بابتعاد الكاتب عنه، وابتعاد القارئ بدوره أيضا. فالنص يغدو له شكلا من بين الأشكال التي «لها وجهات غير معلومة».
في كون النص الشعري يتحقق خارج ذاته، ويلتحم بسياق تاريخي يوجد فيه القارئ، هكذا يصبح مشاركا في الحوار الجمعي العام. قد تغدو القصيدة مقهى يلتقي فيه العامة، حيث لها مثل «المقهى نوافذ تفضي على شرفات/ وقراء يختصمون في سواد فنجان».
تكتسب القصيدة وجودها من تحركات الزمن ووفقا لتحولات التاريخ. لذا فلا تنحصر القصيدة في إطار المشهدية المسرحية، أو العلاقة التمثيلية التي يقيمها الشاعر والقارئ معا. بل تظل واقعيتها في الحياة، في فاعليتها التي تتساوى وفاعلية المقهى، والجريدة، واللوحة الزيتية، والشاشة الإلكترونية، والنصوص المقروءة، والمرئية، والمسموعة فهي تمتثل بها وتمثلها في آن.
(جريدة "الشرق الأوسط"، لندن، 17 كانون الثاني-يناير 2007)