ونحن في حضرة الشعر، وفي حضرة الشاعر والشعراء وأصدقاء الشعر، أجدني مشدودا إلى لحظة عميقة الدلالة منحتني إياها، مؤخرا، مشاهدة شريط فيديو قصير، في الفيس بوك. يحكي الشريط قصة شيخ أعمى يفترش رصيف مدينة، لعلها لندن، ويضع جنبه ورقة كارطون متوسطة الحجم كتب عليها "أنا أعمى... ساعدوني". يرمي بعض المارة بقطع نقدية قليلة. ثم تمر شقراء ما لبثت أن عادت بعد أن تجاوزت الشيخ قليلا، وانحنت على ورقة الكارطون، فقلبتها، وكتبت عليها عبارة جديدة، ووضعتها جنب الشيخ الضرير الذي تحسس حذاءها الأخضر الجميل، ثم مضت. فجأة انهالت النقود كالمطر من مارة بدوا أكثر اهتماما. وفي لحظة تالية عادت الشقراء، ووقفت أمام الشيخ الذي مرر يديه على حذائها متسائلا:
- أنت؟ ماذا كتبت ؟
أجابته:
- الشئ ذاته، ولكن بكلمات مختلفة.
وتكشف الكاميرا ما كتبته الشقراء، فنقرأ: "يا له من يوم جميل، لكنني لا أستطيع رؤيته".
ويُختم الشريط بعبارة شديدة الإيحاء:
"غير كلماتك .. غير عالمك"
Change your words
Change your world
هذا المعنى الجميل الذي بثه شريط الفيديو، يحيل، بالضرورة، على جدوى الشعر والشعراء. أليس الشاعر هو الأكثر انشغالا بسحر اللغة وكيميائها؟ يغير اللغة، ويتغير بها، ويغير بها الحياة والعالم من حولنا.
في هذا المعنى ما يرد على سخرية صديق من اختيارنا زمن ضجة الانتخابات التشريعية التي تشهدها بلادنا، هذه الأيام، لعقد أمسية شعر. ذلك أن للشعر الزمن كله؛ بما هو تغيير في اللغة والحياة.
وفي هذا المعنى، أيضا، ما يجعلنا نقترب من شعرية ضيفنا الرائع شربل داغر... شعرية أصرت، عبر مجموعات عشر، على العودة باللغة إلى جذورها الأولى، حيث الكلمة دهشة وطفولة وشغب وبكارة وابتكار؛ حيث يفتتن بالقبض على الكلمة عارية، حافية، في فضاء لا يتكرر.
هذا الشاعر يكتب إذ يرى، مدفوعا بحس جمالي نادر. ويحرص في الكتابة على أن يكون على مقربة من الصراخ، لا فيه. ويطمع أن ينبني الكلام مثل بيت مؤقت لساكنيه الذين من ورق ورغبات. ويفصح عن هوية القصيدة لديه، في مجموعته الجديدة، قائلا:
« القصيدةُ لا تسهر مع أحد:
يزورونها فرادى، ويمعنون في تفتيشها
من دون أن تلوي على شيء...

عداها لا يعنيها،
هي التي نسيت أن تنظر إلى خلفها
لما نادتها وجوه من عبروا،
وأصوات من يبكون صامتين...

القصيدة لا تنسى محبيها
وإن غدروا بها،
أو تنكروا لها:
تفي بوعد الخطى...

القصيدة لا تنام ولا تواعد أحدا؛
تتمشى أمام مرآتها
من دون أن تمسك بضفيرتها؛
لعوب وجسورة:
تعطي قبلتها
لمن يشتهيها ».

هذه القصيدة، لدى شربل داغر، قد تأسف لما لم يحدث لها، بما هي مشروع مفتوح، ليس إلى اكتمال أبدا، ولا إلى امتلاء أبدا، ولا إلى ابتذال أبدا. والاشتهاء، في القصيدة، فعل تحريض، وإغواء، واحتراق، في آن.
ونسعد كثيرا، هذا المساء، أن نرهف السمع إلى صوت شاعر أضاف للكتابة الشعرية العربية الحديثة نصوصا كتبت بمزاج صادم، وبلغة جديدة، منفتحة على ممكنات الحوار التي لا تنفد، وعلى عوالم الكتابة الإلكترونية التي لا تنتهي.

نجيب خداري
رئيس بيت الشعر في المغرب

• كلمة في تقديم أمسية الشاعر اللبناني شربل داغر، نظمها بيت الشعر في المغرب، بقاعة الندوات بالمكتبة الوطنية، في الرباط: مساء الأربعاء 16 نوفمبر 2011، وحضرها جمهور من الشعراء والنقاد والمهتمين.