لقد خبر الشاعر اللبناني شربل داغر نشرَ كتبه ودواوينه الشعرية في أكثر من دولة عربيّة، لكنّه لم يسبق أن نشر في تونس، البلد الذي استضافه مرّات عديدة ليشارك في ندواته الفكريّة. وها هو ينشر كتابه الشعري الجديد "تلدني كلماتي" عن "دار محمّد علي للنّشر" بتونس، ضمن السّلسلة الشعريّة العربيّة لهذه الدّار. وقد تضمّن الكتاب، الذي جاء في إخراج أنيق جدّا وممهوراً بتصميم غرافيكي للفنّان منير الشّعراني، مجموعة من القصائد ذات النّفس الحداثي، وتنفتح بنصّ نثري يقطر شاعريّة.
إنّ النّاظر في كتاب "تلدني كلماتي" لا يسعه إلاّ أن يسأل: كيف يمكن أن نقبض علي الشّاعر، الذي لا يتورّع عن التّخفّي في برنس الشّعر تارة، وفي برنس الجماليّات تارة أخري؟ كيف لقارئ العلامة أن يتصيّد العلامة العائمة؟
ذاك هو رهان محاولة استدراج عالم الشّاعر شربل داغر، الذي قال فيه الشاعر الفرنسي جان بيار فاي: "عابر للعلامات والثقافات، ناقل بل مهرّب لها أحيانا، وشاعر الغيريّة التي لا يتعيّن معناها إلاّ في الآخر، ومعه. وهو شاعر مشّاء في حذاء جريح، علي أنّ الحصاة كتاب سارد للذات".
لكن أن تبحث عن هذه الحصاة هو نوع من البحث عن أثر يتقلّب وضعه في ارتسام الجغرافيّات والتّواريخ، هو نوع أيضا من اقتفاء خطى ما يرى بالمجهر، وما يتطلّب الدّقة المتناهية. وعندما تقتفي أثر الشّاعر في الشّعر، وأثر الشّاعر في الفنّ وفي الكتابة النّظريّة، تداهمك الأماكن والأزمنة. فشربل ميّال إلى اختراق الأجناس الخطابيّة، وتوّاق إلي القبض على لحظات إبداعيّة، في ظاهرها اختلاف في الشكل وانصراف دائم إلى الأقاصي. هي المغامرة التي تنبع من منبت واحد يغمره طيش الشّاعر، وتتلبّس به أناقة الوجود، حيث يخفي اتّزان الشّاعر وهدوءه وصرامته العلميّة، ثورة الشّعر. إنّك حين تلج هذا العالم الشّعري قد تلاعبك مظهريّته، أو تكذب عليك سماته، ولا تستطيع سبر الأغوار إلاّ بقبول عشرة النّص.
هكذا يمكن القبض على العابر، إنّه ترقّب للحظةِ انجلاءِ كينونةِ الإنسان بين حضورها وغيابها في آن واحد. ولعلّ تجربة الكتابة لدي شربل تسلك هذا الرّهان، فإذا هي مناورة بدورها للشّاعر قبل القارئ.
ومن علامات حداثة كتابه الجديد، افتتاحه بنص "مناوراتي حيّة"، حيث قام شربل بمواجهة ذاته المتكلّمة بوجوه غائبة، يقدّها من حرير الكلام، متنقّلا في الأمكنة والأزمنة، وجاعلا من رحم الطّفولة معيناً لا ينضب لإبداعيّته الخلاّقة. لقد باح بالغائب والمستتر كأنّه في مقصورة البوح المقدّسة، وهو لا يخفي مشقّة هذا البوح، فلا يكاد يمرّ إليه حتى يذكّرنا بصعوبة العراء، ويستدعي اللّغة كي تكون حجابه، فتأتي المجازات بسرعة الفيض، إذ هي في زمن تقني سريع، وتأتي الصّور المربكة التي ترفع البوح من المباشرة إلي سماوات التّفكّر. يقول شربل: "لو طلبت من الكتابة شيئا غير التّخييل، غير الاستيهام (أي التّشهّي عبر الكتابة)، لما أقدمت عليها ربّما. ولو كان لي أن أقف في جمهور ممسكاً بقصيدتي مثل شاعر عمودي، أو أن أتوجّه إليه مثل خطيب، لما كنت انسقت إلى الكتابة بمثل هذه الرّغبة التي تتجدّد وإن أعمل دوما علي تبديدها".
ذاك هو طموح الشّاعر بين الكتابة ومحوها، في مغامرة الوجود. فليس الفعل الشّعري قائما على لعبة كلاميّة، بل هو مداراة لحياة الإنسان في وجوده الحسّي. لذلك يستجمع شربل داغر قدراته ليواجه العالم الذي شبّهه منذ البداية بأنّه عالم مواجهة القماشة البيضاء، وإن كان عالم الوجود مطليّا بألوان الطّيف. أو يشبّهه بالفعل النّحتي الذي يشكّل من الجماد، كأنّما الفعل الإبداعي نوع من النّحت الذي يعتمد الحسّي فيبعث الحياة في ما هو جامد.
إنّ مواجهة الشّاعر لتجربته، حتّي وإن كانت في سياق مناورة ذاتيّة، يعدّ مغامرة داخل مدار الضّمائر. فشربل من الشّعراء الذين تخترقهم تعدّديّة الأصوات. فهو إضافة إلى كونه شاعراً، فهو ناقد أدبي وفنّي ومدرّس للجماليّات. هو كتلة، إذن. وهو إمكان غير متيسّر للكثيرين في أن يكونوا في الدّاخل والخارج في آن واحد. وهو ما يسمح أيضا بالرّؤية المتعدّدة، لكنّه يجعل الذات المبدعة في موقع المناورة الدّائمة والتنقّل. يقول شربل: "طمعت دوما بأن أكون في أكثر من مكان، وفي الوقت عينه. هذه رغبتي التي نقلتني إلى هنا وهناك، أنا الذي قلت في قصيدة: "لا يزال الصّحن القديم أمامي/ اوسع من فمي" ". غير أنّ هذه الأمكنة تتجاوز الحيّز الجغرافي لتتّصل بالحيّز الجغراثقافي، لذلك ساءل داغر ذاته الحضاريّة أيضاً، معتبراً أنّ العرب لم يفهموا بشكل منهجي حاضرهم. فالخروج من العهد الإسلامي عبر البوّابة "النّهضويّة" لم يعقبه فهمٌ للطّابع التّعليمي الذي اتّسمت به الحداثة. كما انّ افتقار البنى المحلّية العربيّة إلى موجبات التّغيير جعل من اللّحظة "النّهضويّة" سطحيّة، وغير نافذة إلى آليّات التّحوّلات، ممّا أدّى إلى قصور هضم المسار النّهضوي العربي. ولم يتعمّق شربل داغر في تشريح هذه الوضعيّة إذ المقام إلماحي وغير تصريحي ومسهب، لكنّه لم يخفِ موقفه من عطب النّهضة في البلاد العربيّة. وهو عطبٌ دفعه إلى البحث في الإمكانات التّراثيّة الفنّية والفكريّة بالعودة إلى الأصول، وبتحليل العهود العربيّة القديمة. فاتّجه إلى الكتابة عن "كتاب العين"، وسارع إلى معرفة الوضعيّات الأولى لفكرة الجمال العربيّة.
(صحيفة "العراق اليوم"، بغداد، 2005).