أُقبل على عامي الأربعين في الشعر بنهم أشد، وخشية مزيدة، وقد تحققتُ قبل أيام من أن "الملحق" الأدبي لجريدة "النهار" في بيروت نشر قصيدتي الأولى، "الاحترافية" إذا جاز القول، في عدده الصادر في 26 أيلول-سبتمبر من سنة 1971 .
لكنني أقبل عليه كمن لا يحسن بناء جملة، فكيف أن ينقل الشعر، بالحروف عينها، والكلمات نفسها، من مجال إلى آخر، على ما كان عليه حلم المراهق!
أُقبل عليه كما في لقاء الغريب بالغريبة في زحام، وبخفة الطيش واللهو بعد عمر من الوظائف والمهام والواجبات والانتقالات: هو ما يبقى، ويرافقني مثل مجهول باقي الهوية.
هناك من الشعراء من ظهروا في هيئة المتصدر في القصيدة، فما ميزوا بين الشاعر بوصفه علامة اجتماعية، والمتكلم بوصفه وظيفة شعرية، وبين الصوت بوصفه نَفَس القصيدة. ذلك أن بين العلامة والوظيفة والنَّفَس علاقات ملتبسة ومتداخلة أستحسن الفصل بينها، فلا تعمل القصيدة في خدمة الشاعر-الاسم، ولا تعمل القصيدة في خدمة الوظيفة المرتجاة أو المكتسبة، وإنما تعمل القصيدة، بين أصواتها، في خدمة نفسها، بما يقيمها في بنائها الذي يتكشف في كل مرة عن شكله المخصوص. فصفحة القصيدة – لو طلبت تشبيهها – ليست في حسابي منصة لمنبر، ولا لمرآة، وإنما هي خشبة داخلية، معروضة على غيرها.
أقبل على القصيدة على أنها أقرب إلى جلدي، إلى هبوب أصواتي، هي التي تجمعني في شتاتي، في توزعي، في تغيري. فلقد دخلت حزباً وخرجت منه، وعشت حرباً ونفيت جسدي منها، وصادفت وجوهاً ما أتيح لي أن ألتقيها مرة ثانية، ورأيت التماعة في وجه إيفا غاردنر تخاطبني بها وحدي عبر الشاشة الكبيرة. أما في القصيدة فكتبت عن "دموع جافة"، وأمسكت غاردنر عن النزول من مقصورتها، والتقيت في صالة "ترانزيت" بوجوه مسافرين يحلو لي اللقاء بهم من جديد.
ظننت ذات يوم أنني طلقت الشعر إلى غير رجعة، ومن دون أسف. هذا ما دام عدة سنوات. ما كنت أدرك يومها أن هذا وجه آخر لشهوتي.
إخالني في الكتابة – وهو ما كتبت علناًَ في جريدة – أعمل في خدمة شربل داغر، مثل مرتزق، أو كاتب مأجور... هذا ما يحررني منه الشعر، إذ يجعلني أشعر أنني ألهو فيما أعمل، أخادع وأراوغ فيما أبني وأدقق... إلا أنه شعور مضلل، طالما أنني أجد في شعري ما أقبل عليه مثل مكتشِف أو مثل محتمَل إلكتروني. فأنا في الشعر لم أكلف نفسي بمهمة، ولم ينتدبني أحد لواجب بعينه، وإنما سعيت إلى ما يقع خلفي أو أمامي أو إلى جانبي، بمنأى عني: ما أتوق إليه وأبلغه فوق أجنحة الحروف. هذا ما جعل الشعر عندي يرتبط بالرغبة، بما تحيل عليه وتميل إليه: القصيدة مثل شهوة، أي ما يشتهى. القصيدة مثل جسدي الآخر.
هذا اللهو هو ما يبقى، مثل حياة مسروقة من حياة، مثل غفلة عن النفس على الرغم من أنها هي لقاء النفس بذاتها. وهو ليس لقاء اثنين بعد طول غياب أو افتراق أو تجنب، وإنما هو انكشاف يتيح للمخبوء أن يظهر، أن يتشكل... أن تكون الأنا مثل خشبة، أن تكون الكلمات مثل شخوص أو أدوار... أن يتاح للأنا أن ترى ما تتخيله، ما تصل إليه صدفة أو فجأة وتجده رحباً ومضيافاً. أن تحقق فوق ورق صلب، متنقل، محفوظ، ما كان يعبر فوق نسمة، ويختبىء في غيمة، وما كان يندس بين ثدييها، وبين الشفة والشفة، مثل قبلة مؤجلة، مشتهاة.
شعري نفَسي.
إذ أُقبل على عامي الأربعين في الشعر أتحقق من أن لي الرغبة نفسها، في أن أكون أخف من فراشة، وأرق من دعسة طفل فوق تراب موحل. الشعر هو أن أكون، من دون عمر، من دون ماض، من دون مستقبل، في اللحظة عينها مثل أبد، مثل فسحة الضيف في الصيف.
القصيدة إمكان، إزاحة حتى الأمبراطور. ما لا يكون خارجها، يكون فيها. ما لا يشبع، يمسح فمه بمريلتها. ما يعبر أسرع من الضوء يتمدد فيها بقبضة الحروف على مخارجها. ما يميت يحيا فيها ويحيا بها. ما يحيا فيها يُنجب مواليد لا تتوانى عن الصراخ كلما لامسَ قارىء شهوة القصيدة.
إذ ندع الكائن الشعري الذي فينا يخرج نحيا، ونتأكد من أننا نحيا: يخرج في الهيصة، في الصيحة، في الرغبة المبحوحة، في هديل أجنحة الأمنيات.
ما يصل إلى القصيدة لا يتجمد فيها مثل قطعة خزفية بعد طبخها وحرقها. ما يصل لا يلبث أن يعيش فيها.
أُقبل على الشعر وأتساءل: من أنا ممن صدر الكلام عنه؟ أأنا فيه؟ حكماً، ولكن ليس مثل وثيقة أو إلهام، أو تدوين، أو بوح أو اعتراف. أنا فيه مثل ممثل فوق خشبة، على أن ما يصدر عنه يتبناه، لا مثل وصية، أو تعهد، بل مثل أداء منفعل بما يقوله ويحصل له، بعلم منه وفي غفلة عنه، في آن.
أنا أتحدث في القصيدة، لا فوق منبرها.
لطالما استوقفني في كتابة بعضهم قولُهم، حين يتحدثون عن كتب غيرهم: "كان حرياً به أن يكتب كذا، أو كذا"، أو قولهم: "لو كتب هكذا لكان..." وغيرها. أشعر مع هذه الأقوال كما لو أنهم يُمسكون بيد الكاتب، كما لو أن الكتابة خطاب عمومي، جمعي، مشترك. لست من هؤلاء، إذ أنني أعتبر أن الكتابة هي أخص ما يخصني لدرجة أنها لا تعرفني ولا أعرفها، كما بين مسافرَين في صالة "ترانزيت" وإن التقيا بعد وقت فوق مقعدَين متجاورَين.
هذا الجوار، كم تُحسنه العربية إذ تجمع بين الجوار والحوار في مبنى واحد، بين "الغبطة بالكلام" و"المتعة في التصوير". هذا المبنى فسحة استقبال، بين اللفظ واللون، بين الاستعارة والمشهد. إنها حياة جديدة في أفق ما نباشر به ويتقدم صوبنا.

(كلمة في الأمسية الشعرية في 16 تشرين الأول-أكتوبر 2010 ، التي نظمها "المركز الثقافي العربي" في عَمان، والتي سبقت تدشين معرض الفنان الأردني محمد العامري، "الغبطة بالكلام، المتعة في التصوير"، الذي يتألف من 34 عملاً فنياً بين لوحة ومحفورة مستوحاة من شعر داغر).