في التصريح الأولي للشاعر شربل داغر، «ما يفيد الاسم؟»، هكذا يسأل: فإذا كانت بنية السؤال تقع على الدّال، فإنّ ما يقابله هو إجابة الشاعر شربل داغر في الاستهلال الأوّلي هو السعي لامتلاك الكلام بوساطة السحر الذاتي للكلمة وطاقتها الأسطورية. نقول إن الشاعر يتحرر من التلفظ ويدخل حمى التوتر اللغوي. وهو بهذا يجمع عدداً من الصور والرؤى الحادّة في نزعتها الرسالية النصوصية المعرفية والجمالية الشعرية التشكيلية المتجاورة، إذ يتجوهر النص بوجوده الشعري الأنطولوجي في التشكيل الرؤيوي الذي يؤسس لـ"نص الاختلاف"، حسب جاك داريدا. في حياة النص، حياة فكر "بل هي الحياة التي تحمله وتستقّر فيه" (هيغل). فالنص الشعري في تجربة الشاعر شربل داغر "فضاء لأبعاد متعددة تتراوح فيها كتابات مختلفة وأنساق معرفية متنوعة، وتتنازع، حتى يغدو النص نسيجاً لأقوال ناتجة عن ألف بؤرة الثقافة"، بحسب رولان بارت.
إنّ ما يدعو إلى قراءة نصوص شربل داغر بهذه المستويات المتخيلة، هو ولادة الأثر بالحلم والحدس والإيهام وقدرات الناصّ الشاعر على جمع الكمون القيمية الجمالية والفكرية، حتى تغدو العلاقات الأسلوبية بين الدال والمدلول، علاقات بنائية تضادية تارة، وأخرى تجاورية، تتحكم في طريقة أداءاته هذه التراسلية بين الحواس بلغة بارقة حلمية حدسية تأملية لتؤسس لمنطق قراءات الحدس والتاؤيل ونظم الإشارة، إلى فتوحات الرؤيا وانبجاسات التجاذب والانفعال والوشم العلاماتي، بالإشارة إلى نصوص مجموعته السابقة "رشم". في نصوص مجموعته الجديدة «القصيدة لمن يشتهيها» هناك حركات تداعيات تبثها الفكرة الكلّيانية، حسب شتراوس، فالشاعر هو الذات الشاعرة الفاعلة في صيد «ياءات» المتكلم الأنوية، الفاعل هنا في النص دال يُنتج ويرسل مجموعة من الإشارات التي تؤدي إلى معمارية نصيّة تتجهّ نحو تخليقات المعاني في حركة الأفعال وموجاتها الدافعة والنابضة في النص: "هذا الشاعر يتبنّى قطيعا،/ لكي يصير كرّازا،/ ويبسط العشب بين الدرجات الأولى،/ لكي يقوى على الصعود،/ وحده،/ إلى رأس النبع".
فوضى خلاّقة
في النص حركات صعود، تتحول من رموز إلى صور شعرية مشعّة تنحلّ متحولّة بأنساقها إلى أغوار الذات مع ديمومة وحركة الأشياء والموجودات الحيّة. وتتوالى حركة الأفعال في الرؤية الشعرية والبصرية، إذ تتسمّ هذه الحركية بزرع مجّسات الأفق الدلالي وسرود الوجدان الشخصي. بهذه الدهشة الغامضة التي يتفوّه بها الشاعر بفعل الوميض، إذْ تتضافر مهيمنات الإشارة الزاخرة بمنظومة الإيحاءات لتأسيس مشهد شعري متوهج ونابض بالرؤيات الحسيّة والحلمية والتأملية والروح الحدسية: "لعلّي أنتسب إلى ألق الماء، إلى وميض الدهشة الغامضة،/ التي تُبقيني يقظاً/ في خدمتها". يسترسل الشاعر في إذكاء مشهديته الشعرية بمنظومة تشكيلات صورية بصرية ابتداعية، تؤسس لها جمالياتها من خلال تهشيم الأصرة الاتباعية، بحركة لولبية ودفعات إيقاعية تفكرية، تدفع بالتشكيلات الصورية إلى فوضى خلاّقة تعمل في منطقة الانزياح بكل ميكانزماته الأسلوبية والرؤيوية والدلالية. لا يركن نصّ الشاعر إلى وحدة جزئية تنقل الرؤى الحاملة والمنظومات الدلالية خارج مركز الثقل الشعري، فالانفتاح اللغوي يؤسس لفضاء شعري يتجاور فضاء المعاني والتباساتها، وفضاء الشكل واحتمالاته البصرية التي تنتج مصورات تشكيلية تذكّي شعرية الصورة والمعنى: "لقمت النهر حجراً/ من اجل أن أعبث باحتمالات الشكل،/ فكيف لا أبقى في جلستي هادئاً،/ من دون عيون،/ أستمع إلى زبد الهواء/ ما أن يبلغ شاطئ الصور".
إن فعالية النص الشعري في هذه المجموعة تكمن في مخزون الطاقات الدلالية التي تتجلى وتتمظهر في مخزون تشكيلاتها والتي تؤسس، غالباً ما في فضاء المفارقة والحدس وطاقة التخييل الشخصي للذات الشاعرة ونصاعة جهازها اللغوي، إذ تكمن طاقة الإيحاء في تجاور وتبادل العلاقات الدلالية بقوة العلامات اللغوية وإنتاج المعاني التي ترد إلى توالد الدال والمدلول في مركز التبئير الشعري، وطبيعة التركيب اللغوية وكشوفات الشاعر الأثيرية وفاعلية الصور وتناميها: "أمسك المسنّ – الذي أنار بعصاي، قال: استند إلى صبري تصل،/ قلت لهُ: أنحن اثنان أم تستبدلني بعكازين؟".
يتجه المسار الاستعاري هنا إلى الإيهام تارة، وأخرى إلى التماهي مع الآخر الذي يتمظهر (الذات الشاعرة) في صورتها الحياتية الفاعلة وتراسلها مع الآخر الذي ينتج المعنى الباذخ في مداليله وسياقاته المنزاحة. إنّ الذاكرة البصرية في نصوص الشاعر شربل داغر تقودنا إلى ارتباط الإيقاع الدلالي بالرؤية البصرية، إذ تمكنت الذاكرة الشعرية الشخصية بحساسيتها الجمالية الجديدة "من تحويل الرؤية البصرية إلى رؤية شعرية"، بحسب كتاب "قراءة الصورة وصورة القراءة" للدكتور صلاح فضل. يتضافر هنا ميكانزيم الإيقاع الفكري مع التشكيل الاستعاري الصوري ليندمج من رؤية شعرية تتناغم مع قوة المعاني والمضامين وصياغات الخطاب الشعري وتشكلاّته: "تمضي مثل طير مذعور/ في سماء النظر/ أمام عيونهم المشغولة عنه/ بعشّ/ يجلسون فوق قشِّ/ ويختارون/ في ما لهم أن يفعلوه/ إن سقط الطير في الوادي/ من دون وديعة/ أو جوق احتفالي".
تكاد الرؤية الشعرية تعمل في الخفاء ببثَّ شعري في تذويب وامتصاص عصارة الرؤيا، وهذا هو السرّ الذي يكمن في الطاقات السحرية للكلمة في مقاربة نصّية تتراسل مع كلام لـ«بودلير» إذ يعمل العقل الشعري على استنهاض فاعلية الدلالة الثاوية في كوامن الكلمة، ويمدّها بخيوط شعرية توصل مقتربات التراسل الحسّي بين الأشياء والكلمات، وتؤسس للعلاقات النصّية التي تذكي الوجود الشعري في لحظة من لحظات الكتابة الحرجة وحساسيتها الجمالية وعلاقاتها النصّية المزاحة عن ذاكرة الآخر، وعن مراكزها البؤرية: "تقرع القصيدة على بواّبات الغفلة،/ من دون استئذان،/ لمباغتة النائمين بثيابهم، المتربصّين بأي نداء".
تذكِّرني اشتغالات الشاعر شربل داغر في هذه المجموعة بحفريات رؤيته الشعرية في مجموعته «حاطب ليل»، إذْ يتحسس هنا هذا "الخواء الكبير الكارثي"، بحسب كلام الناقد التونسي مصطفى الكيلاني، إذ يكشف عن خواء القيمة السائدة سعياً إلى إنشاء قيمة جديدة مغايرة يَبحث عنها في جمالية الشعر واختلاف الكتابة. ففي نصوصه هذا التأجج والفيض الكثيف للحادثة النصية وبعثرة الأشكال والأشياء وإعادة تشكيلها، إذ لا مناص من العودة إلى النبع وإشراك الآخر في رغبات الشاعر وحياته: "العتمة، مستقبلي المؤجل: زارتهُ القصيدة قبل وقت./ ما لم أعشهُ، تقيمه أمامي/ ما لم أسعد به، تشرك الغير به معي/ ما أكتبه، يعرفني أفضل منيّ ".
أنسنة النص
كأن نصوص الشاعر تجهد ذاتها في أنسنة النص بالطبيعة الإنسانية ("القصيدة تسهر"). إذ يعيد لغته إلى منطقة التغريب بحسب بريشت، وتتبدّى رغبات الشاعر في نصوصه بالتلاعب الشكلي بين الدال والمدلول، وبين ما يمكن تسميته الأنا المتصوفة وبين الرمز التصوفي الانطولوجي والميثولوجي الوجودي، لاستقطاب تغايرات المعاني وسرودات الدال الفاعل, ففي فعل الإعادة هنا يتبدّى الطقس والحلم والحال الشعرية في محاكاة للرغبة والصراع وإقامة علاقات بالعالم، بقدر تعلّق الشعر وانوجاده في الغرائبية واللامألوف، بالاستناد إلى هايدجر في قوله: «إن الشعر يرسّخ اللامألوف وفي الوقت نفسه يشوّش المألوف، والشعر في أعلى مستوياته أسطوري... وهو الكلمة التي تبدع الوجود». إذن هي العودة إلى الفعل الانطولوجي للكلمة، وإلى الكوجيتو الديكارتي لنقرأ هذه المصوّرة الرائعة: "أعارتني بهجتي يدي لكي أكتب،/ أعارتني يدي نبضها/ لكي أتسرى بين الحرف والمسام بما لا يحتاج إلى إعراب./ أعارتني الكتابة القصيدة/ لكي أنظر منها إلى يدي،/ مثل جارين على شباكيهما المتقابلين،/ قد تأسف القصيدة لما لم يحدث لها،/ قد تستعيد الحبيبة يدها من يدي/ لا من شباك القصيدة المفتوح لي، بعدي./ وله ولها، بعدها/ بما ينير البهجة من بعيد/ ويسحب يدي المنهكة من القصيدة...». ويسترسل الشاعر في مصوّرات آخر ما يشغل وعيه الشعري للوظيفة الفنية للمكرور في تكريس صوت القصيدة والرؤيات الجمعية الأخرى لإظهار وظائف المعنى، وتتميز لغة النصوص بسيادة الأفعال والرموز المتشاركة في صعود لغة الجسد (بصعود رمزية العين) المقترنة مع الطبيعة والأشياء والكائنات والوجود، بحسب كلام الناقد ناجح المعموري، إذ يتكرس الشعر في معانيه في امتداداتها وتجلياتها وتكراراتها في الرؤى التخيلية كما نقرأ في هذه المتواليات: "القصيدة لا تسهر مع أحد... القصيدة لا تنسى محبتها... القصيدة لا تنام، ولا تواعد أحداً؛/ تتمشى أمام مرآتها/ من دون أن تمسك بضفيرتها؛/ لعوب، وجسورة: تعطي قبلتها/ لمن يشتهيها". وفي لحظة من لحظات الشعرية الحرجة ومفارقات البنى الشعرية الحكائية، يدون الشاعر مدونته الشعرية الجميلة في ملفوظات مشحونة بالدلالة الشعائرية والمشاكسة الحسيّة إذْ يختم انبجاسات أفعال القصيدة بهذه الطقوسية التي تفضي إلى غلق فضاء الاتصال بها: "وضعت القصيدة على مقبض بابها: «الرجاء، عدم الإزعاج»،/ فكيف ألتقيها؟". إننا بهذه القراءة، لا نحكم إغلاق باب قراءات آخر على نصوص الشاعر شربل داغر في مجموعته هذه التي وسمها بـ"القصيدة لمن يشتهيها" ("دار النهضة العربية").
("السفير الثقافي"، بيروت، 24-9-2010).