فنّ الحفر بين التقنية والإبداع
يستعيد المحور الأول المقترح للندوة، "فنّ الجرافيك بين التقنية والإبداع"، في صياغته نفسها، شيئاً من الجدال الجمالي والتشكيلي حول "الإبداعي" و"الحرفي"، وهو جدال لا يني عن التعين والتأكّد في الخطاب كما في الحساب الاجتماعي. وانعقاد هذه الندوة مناسبة لتبين حقيقة هذا الجدال، وتبيّن أسبابها، أي ما تقوم عليه من محدّدات ومعايير ومقتضيات خافية في غالبها. وهي مناقشة مناسبة، ذلك أنّنا نخلص أكثر فأكثر إلى خطاب جمالي يعمينا أكثر ممّا ينيرنا، حين يريد إيهامنا بـ"إبداعية" تقع خارج التاريخ، من جهة، وخارج معالجات التدبّر والحرفة والتقنية التي تقوم عليها الصنائع الإنسانية، من جهة أخرى. فما حال الحفر بين التقنية والإبداع؟
يثير هذا المحور من الندوة المسألة المؤسّسة لفنّ الحفر، إذ يطرح للنقاش قضية تقع في صلب هويته وشرعيته الجمالية، بل في أساس ممارسته؛ لا بل يؤدّي هذا الطرح أيضاً إلى تبيّن مقام الحفر في عداد الممارسات الفنية. إلاّ أنّنا لن نكتفي، في ورقة عملنا هذه، بمناقشة هذه المسائل في صورة مفهومية مجرّدة، بل سنعول أيضاً على الطرح التاريخي. ذلك أنّ النقاش الجمالي والنقدي حول فنّ الحفر شكا غالباً، على ما نعتقد، من تبعات نقاش عام متكرّر، تستعيد ندوتنا شيئاً منه، وهو المقابلة بين "التقنية" و"الإبداع"، على أنّه نقاش يقع في "أصل" الفنّ وتكوينه، أي في بعده الأنطولوجي، فيما هو نقاش تاريخي لا يرقى إلى أكثر من مئة عام، ولا يتّصل بهوية الفنّ أو بشرعيته وحسب، بل بشروط التنافس على "الندرة" الرمزية المتمثّلة في حيازة العمل الفني. فما حقيقة المقابلة هذه؟ وما حقيقتها التاريخية؟
ما كان لنا أن نثير مثل هذا المحور موضوعاً للنقاش، لو أنّنا طلبنا دراسة التصوير الزيتي أو النحت أو الرسم، ذلك أنّ الخطاب الجمالي الساري انتهى إلى تأكيد صلة –باتت في عرفه لازمة جمالياً– بين التصوير الزيتي (أو النحت وخلافه) و... الإبداع. لا بل قد يبدو غريباً أو هجيناً، بالمقابل، طرحُ صلة التصوير الزيتي (أو الحفر وخلافه) بالتقنية؟ ما جرى؟ ما حقيقة الجمع بين التقنية والإبداع في ممارسة الحفر، ولو أدّى النقاش إلى دحض هذا الجمع أو تصويبه؟ ألا تخيّم القيمة الإبداعية المتعاظمة للتصوير الزيتي بظلالها على الجمالية؟ وما حقيقة التقابل بين التقنية والإبداع: ألا نقيم تبايناً بينهما فيما نشأت الفنون عموماً ولا تزال، سواء الحفر أو التصوير الزيتي أو النحت، على "تقنيات"، أي على معالجات حرفية في التدبّر والحذاقة والمهارة؟ ألا نعلي في هذا النقاش من شأن "إبداع" نتبينه في "سحرِ خلقٍ" واقعٍ خارج التاريخ والعمل التدبيري نفسه؟
ما يمكن قوله هو أنّ الحفر يشكو من وضعية ملتبسة، فيجعله البعض في وضعة "دونية" موازية للفنون "التطبيقية"، والبعض الآخر في وضعية "إبداعية" موازية لغيره من الفنون "الابتكارية" (مع اللوحة الزيتية والتمثال وغيرهما). لا بل يمكن القول إنّ وضعية فنّ الحفر تمثّل في حدّ ذاتها عيّنة مناسبة لمساءلة القيم الجمالية وتعريفات "الفنّ" في صورة عامة. ذلك أنّ الإطار النظري الذي يحكم قيمنا حالياً، في غالب الثقافات في العالم، يستقي حججه وقوانينه من الجمالية الأوروبية المتبلورة في نهايات القرن التاسع عشر، والذي يقيم سلسلة من التعارضات التعريفية والتقويمية، أدّتْ في واقع الحال إلى فرز "فنّ في الفنّ"، فأقامت من فنون على أنّها الأشدّ ابتكاراً، وأنزلت من غيرها على أنّها الأقلّ ابتكاراً (أو الأقرب إلى التدبّر الحرفي).
وإذا كانت نشأة الحفر (في نهايات القرن الخامس عشر) سبقت هذه التعريفات، فإنّها ما لبثت أن عرفتها وتحمّلتها. لا بل انتهى في القرن التاسع عشر الزمنُ النقدي والفني الذي كان يعرّف الفنّ على أنّه "تقنية" (من اليونانية: Tekhnê )، أي معالجة المادة والفعل التحويلي لها، لصالح نظرية جمالية تؤكّد على "إبداعية" تضارع "الخلق"، وتعول على طاقة المخيّلة، وتعمل على إنتاج الأشكال المتفرّدة. أي أنّ هذه النظرية غيّبت من خطابها ما يصل الفنّ (ولا سيما الزيتي، والنحت) بالصنعة التي ما انفكّ عنها أبداً، فيما شدّدت على التحاق غيره (مثل فنّ الحفر)، بل على جعله وليد التقنية وحسب.
إنّ فنّ الحفر يعرّض، إذن، في مبدئه عدداً من محدّدات هذه الجمالية للنقد أو السؤال. وإذا كانت الجمالية نشأت على تأكيد التمايز بين "المبتكر" و"الحرفي". وبين "الفريد" (أو الوحيد، أو الأصيل) و"المتكرّر" (أو المتعدّد، أو المنسوخ)، وبين "المالك" و"الشراة العديدين"، إلى غير ذلك من التعارضات، فإنّ فنّ الحفر لا يقع في صورة لازمة في تعريفات قائمة الفنّ "التطبيقي". فهو يمتاز، خلافاً لسرعة الأحكام الجمالية والنقدية التي أصابته (وتصيبه أيضاً حتى أيامنا هذه)، بوضعية مركّبة، تحمل في تضاعيفها صورة متناقضة وتاريخية عمّا كان عليه الفنّ في مواده ووسائله وتطلّعاته، وعمّا يصير عليه في منتوجات لا تني تجدّد أو تحور سبلاً في إنتاج مصنوعات إنسانية، معمّمة ومجيبة لصور ومثالات عن الجمال (...).
إنّ مناقشة فنّ الخفر لا تفيدنا في تبيّن حال هذه الممارسة بعينها وحسب، بل في مناقشة الأسس الجمالية لأيّ فنّ أيضاً. فإذا كان بعضٌ ممّن يصنّفون الحفر في الحرفة يستندون إلى أمر وحيد يتيح لهم مثل هذا التصنيف، وهو أنّ الحفْار يعود إلى "آلة" عند إنتاج أعماله الفنية، فإنّ هؤلاء يولون آلة بعينها (الطابعة الفنية) شأناً حاسماً في حسم عملية فنية وجمالية مركّبة. فبدل أن ينظر النقد إلى أدوات الفنون ويرتّبها في نسق تكويني وتفسيري واحد، يبيّن لجوء الفنان إلى "الآلات" للإنتاج، كما في صنائع إنسانية أخرى غير فنية، نجد النقد لا ينساق إلى "وصف" الفنّ، بل إلى "تقويمه"، من دون أن تكون مقاييس التقويم واحدة، أو من طبيعة واحدة.
لا نستطيع أن ننكر أنّ اللجوء إلى الطابعة الفنية هو غير اللجوء إلى الريشة (في التصوير الزيتي)، أو إلى الإزميل (في النحت)، ولكن كيف نقارن، والحالة هذه، بين الشعر واللوحة الزيتية، على سبيل المثال؟ هل نقول إنّ الشعر (وهو ما ذهب إليه البعض) هو أرفع الفنون، لأنّه يتضمّن في تضاعيفه غير فنّ، ولأنّه أيضاً لا يعول على أيّة آلة، بخلاف التلوين الزيتي؟ إلاّ أنّ هذا النقاش قد لا يتوقّف أبداً: فجان-جاك روسو يعتبر، على سبيل المثال، أنّ اللغة "إضافة" ليست من طبيعة الإنسان، بل "مزيدة" ولاحقة عليه في الاجتماع الإنساني، فهل نقول، والحالة هذه، إنّ "الغناء" -بما هو فعل طبيعي، أصلي، لا يحتمل في صورته الأولى أيّ إضافة مزيدة، ولا أيّ آلة- الفنّ الأكثر ابتكاراً؟
كما أخذنا من أمر "القطعة الوحيدة" (في التصوير الزيتي)، بخلاف "النسخ المتكرّرة" (في الحفر)، مبدأ ثانياً لإجراء القسمة الواقعة على الحفر بين التقنية والإبداع، وفق إيديولوجية باتت تعظّم الفنان على أنّه خالق متفرّد لا يتكرّر أبداً بل يتجدّد حتى في ركوده. ولم تنفع الحفارين أبداً محاولاتهم في جعل كلّ محفورة متمايزة عن أخواتها، حين أضافوا مزيدات أو تبديلات على كلّ نسخة من نسخ الطبعة المحفورة (...).
أخذنا من هذه الأسس معياراً لتحديد خلاف أنطولوجي، أي يقع في صلب التكوين، بين الحفر والتصوير الزيتي، فيما يبدو هذا الخلاف مشروطاً بلعبة اقتصادية تتستّر خلف هذه القيم المعلنة، عدا أنّه يتنكّر لتاريخ الممارسات الفنية نفسها. فقوة "تحويل" هذه الممارسة الفنية أو تلك من "مرتبة" إلى أخرى، أو تعيين درجات متباينة للصنائع الفنية، فيتمّ تعريف هذه على أنّها "أقرب" إلى الإبداع، وتلك على أنّها "الأقرب" من التقنية... قوة "التحويل" هذه لا تنتسب إلى الفنان وحده، ولا إلى الفنّ وحده، بل هي مشروطة بقوى المجتمع، ولا سيما القادرة منها على الحيازة والتملّك.
الحفر يشكو واقعاً من العواقب المتزايدة لإيديولوجية "حداثوية" باتت تجعل من الاختلاف -أيّ اختلاف!– ومن التمايز –أي تمايز!– سبباً للفنّ. فمنذ تجارب الفنان ديشان، لا نني نتبيّن تجريب الفنان أو استثماره أو امتحانه بالأحرى لقدرته على مخالفة الذوق السائد. وهو امتحان بات ينحو صوب مخالفة متزايدة، هي أقرب إلى الإغراب، كما لو أنّ الفنان يمتحن دائماً إمكان مراهنته على سطوته الرمزية.
كيف لا وقد جعل البعض من وضع "البصمة" بدلاً عن "التوقيع الاسمي" علامة اختفاء للاسم العلم، فيما هي –أي البصمة– لا تقلّ لمعاناً وتعييناً، بل تبز غيرها في الحساب الرمزي!
كيف لا وقد جعل البعض من "موت الفنّ"... فنّاً، يطمح (حتى لا نقول يدّعي) لأن يكون أكثر فنية من غيره!
أي أنها علامات لا تقلب أبداً نظام العلامات الرمزي (التوقيع السحري للاسم العلم، أو "خلود" الفنّ...)، بل تمنحه وحسب، أو تبلبل معالم التعرّف عليه. وقد نقع على أعمال تصويرية تقطع مع محدّدات اللوحة الزيتية، من دون أن تنفصل عن... السوق. فنجدها تتغاضى عن اللون، أو تتخلّى عن الإطار، أو تستعيد مواد مصنوعة من قبل أناس مجهولين، غير الفنان نفسه على أيّ حال، إلاّ أنّنا لا نقوى على رؤيتها في أيّ مكان، بل في أمكنة بعينها للعرض والبيع والشراء.
قيمة الحفر الرمزية مثل الاقتصادية لا تتّصل بشدّة تعويله المزعومة على التقنية، ولا على قلّة تعويله المزعومة بدورها على الإبداع، بل بالصلة التي يقيمها مع السوق (بما فيها من أجهزة ترويج وتكريس)، ومع الأجهزة المولجة بتصريف هذه الأعمال وتأكيد شرعيتها بالتالي. وهي صلة اقتصادية لا تحقّق "الندرة" التي يقوم عليها مبدأ اللوحة الزيتية (أو المنحوتة وخلافها)، ولا "التنافس" الذي تثيره وتستدعيه حيازة هذا النادر المتفرّد (...).
أريد من إثارة هذه الأسئلة والقضايا أن أساهم في مناقشة تروم إلى إعادة "جدولة" الفنون، ومنها فنّ الحفر، وإلى وصفها وتذوّقها الجمالي وفقاً لنظرية جامعة لـ"الصنائع الإنسانية ذات التكلّبات الجمالية". وهي نظرية لا تعدم الفوارق بين الممارسات والصنائع، ولا تغفل مميّزاتها واختلافاتها في الصنع والتصوّر والتلقّي، بل تنظر إليها على أنّ الإنسان عرف في تاريخه المديد، وفي عموم الثقافات، صنائع أراد منها "معالجةً" أو "تحسيناً" لمادّة طبيعية (الصورة، الذهب، الحجر...)، أو "محاكاة" لنماذج مقرّة (البحور والمقامات والأنماط والأساليب والطرز).
وما أريد التأكيد عليه، بالإضافة إلى المنزع الأنتروبولوجي في التعامل مع الفنّ كصنيع إنساني خصوصي، هو أنّ التاريخ الفني يقدّم لنا أمثلة عمّا يمكن أن تتبدّل فيه صورتنا للفنّ، أي فنّ، في الثقافة الواحدة، أو بين الثقافات. فإذا كان فنّ الحفر شكا في العقود الماضية من "تعظيم" فنّ التصوير الزيتي على حسابه، فإنّنا نجد، على سبيل المثال، أنّ عدداً من الأساليب الفنية الزيتية (مثل فنون الأوب–آرت والبوب–آرت و"الفنّ الاختصاري") لا تتأخر عن استعمال عدد من تقنيات الحفر أو من نماذجه (مثل تكرار الصيغة الواحدة، أو المساحات المنسجمة) في معالجاتها الزيتية. وفي وقت يتساءل فيه الفنّ، في بعض تجاربه الزيتية، عن جدواه، عاملاً على "موت الفنّ"، نجد الحفر، ولو في نتاجات أقلّ تطلّعاً وتطلّباً، يستمرّ ويتحوّل ويتجدّد، ولا سيما في حضارة تؤكّد أكثر فأكثر على ترويج الصورة.
(ورقة عمل في "ترينالي مصر الدولي الأول لفنّ الجرافيك"، القاهرة، بين 11 و13 كانون الثاني-يناير 1994، ، ونشرتها جريدة "الحياة"، لندن، في 13 كانون الثاني-يناير 1994)..