العنف بين العولمة والفن
ألا تكون العولمة عنفاً؟ ألا يكون الفن عنفاً بدوره؟ وماذا عن العولمة والفن؟
حول هذه الأسئلة أعقد الكلام، طالباً منه الوقوف عند تعالقات الإنتاج الفني بما يحيط به وينبني فيه ويصب فيه. ذلك أن الخطاب عن الفن (على أنواعه) لا يتوانى عن إخفاء وجوب هذه العلاقات، خاصة بعد أن تحكمت به نظرية خالصة، مجردة، سحبت أسباب بناء الفن من النقاش، من الجدل، وجعلتها متعينة في ضربة ريشة فنان، أو في صراعات »فكرة« مع أخرى، من دون البشر أنفسهم، والفنانين قبل غيرهم، ومن دون ما يفعلونه ويطلبونه في الفن ومنه. ألا يتم بذلك تجهيل الفن عما يوجبه؟ ألا يكون ذلك تخفيفاً أو إخفاء للعنف الرمزي الواقع حكماً بين الفنانين، قبل أعمالهم الفنية نفسها؟
لو شئت تجميع صور متناثرة في مشهد دال على عدد من الفنون، بين أدبية وتشكيلية وغيرها، لوقعت على مشهد متنافر يصعب الجمع بين أطرافه، ما هو فعلٌ دال في حد ذاته. وأول تحققات هذا التنافر أجدها في درجات ووتائر الصراع العنيف، الرمزي وغيره، بين الأدباء والتشكيليين، على سبيل المثال لا الحصر. فلقد انقضى الزمن الذي كان يجمع بين أدباء، ولا سيما بين شعراء، حول مدارس أو تجمعات شعرية، ويكاد يختفي بدوره زمن الصراع العصبوي أو الشللي بينهم. وتكاد تكون الخلافات أو ظواهر الأدباء المنشقين (في التجارب الاشتراكية السابقة) العلامات الأخيرة في هذه الصراعات، التي لم تسعِّرها من جديد «آيات» سلمان رشدي «الشيطانية». هذا ما يمكن قوله في الرواية، كما في السينما، بل حتى في نطاق الأغنية وغيرها، حيث لا نشهد خلافات حادة بينها، ولا تأسيس أساليب ومدارس وغيرها، ولا ادعاء هذه على تلك بأنها السباقةأو المجددة أو الطليعية وغيرها من الأسباب الواقعة في طلب التصدر بين أقران الوسط الفني الواحد. أما المشهد التشكيلي فمختلف تماماً، يكاد يستجمع وحده حدة التعبيرات العنيفة. فلا تنقضي سنوات قليلة أو عقد من الزمن حتى يتم الإعلان عن مدرسة جديدة أو تيار طليعي أو جماعة متقدمة، على خلافٍ ظاهر بل مفتعل أحياناً مع ما سبقها، ومع ادعاء بكارة تشكيلية، مفتعلة هي بدورها. وهي خلافات عنيفة في دعاويها وخطاباتها، وتنبىء عن حدة في الصراع الرمزي، في تداول العنف. فما مبعث هذا كله؟
وجب، يداية، الوقوف بل التأكد من حدوث هذه التعبيرات الفنية، وهو ما يمكن أن نلتمسه في مراجعة أعمال التشكيليين الغربيين في العقود الأخيرة، بل منذ الانطباعية واقعاً. فما أطلقته هذه المدرسة من جدل وصراع بين فنانين ملعونين ومكرسين، وما تبعه خصوصاً من ولادات متتالية من المدارس يدل على أن حدوث العمل التشكيلي بات واجب الاقتران بإعلان قطيعة، بإعلان قتل رمزي للأب، بل للأخ الكبير في الغالب. إذ لا تنقضي سنوات قليلة في هذا العقد أو ذاك من دون أن يتم الإعلان عن ثورة جديدة في التشكيل، فيما لا يعني انتساب شعراء أو سينمائيين أو موسيقيين وغيرهم إلى أوساط هذه المهنة أو تلك سوى إعلان قيد نفوس جديد، ولا تصاحبه مواكب ضجيج صاخب.
يثير التحقق من هذه الحالة أسئلة عديدة، ليس أقلها الوقوف عند أسباب العنف التي توجب هذه التغيرات، أو طلبَها بين الفنانين، وفوق سطوح أعمالهم الفنية. وتزيد من غرابة هذه الأسئلة، بل من حراجتها، ملاحظة الأسباب التي قد تكون في خلفية خفوت العنف في ممارسات فنية، واسْتِعارِه في التشكيل تحديداً. فلو جرت استعادة المشهد قبل عقود وعقود، بل منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ابتداء من فرنسا تحديداً، لجرى التحقق من لزوم العنف في القصيدة، في بنائها، في مخالفتها لأصول الشعر ولأسباب تذوقه، وهو ما بلغ في «فصل في الجحيم» لرامبو تفجره العنفي الرمزي واللغوي الأشد، وما اتخذ مع لوتريامون صيغة سوداء، وسلبية، للجمالية والشعر. وهو ما يمكن تتبعُه وتعقبُه - لو شئنا أيضاً - في موجات ومدارس لم تطلب من الأدب أن يكون أداة عنف وحسب، أداة رفد عنفي للعنف السياسي، وإنما طلبت أيضاً من مدونات الأدب، من سطح علاماتها، من نظام تركيبها، من استحساناتها واستقباحاتها في الذوق والقيمة، أن تكون موضوع معالجة، تُفجرُها وتطلقُ مكبوتاتِها، عدا أنها تبسط معالم جمالية مغايرة، أشبه بجنة موعودة لغير الممكن، للمستحيل، لما لم يُقَلْ بعد. وهو ما أدى مع فيلسوف مثل هايدغر وغيره، إلى الحديث عن «الفن الكبير»، والذي هو الشعر، بوصفه »كاشف الحقيقة«، بل كاشف الوجود نفسه.
كانت للأدب، إذن، للشعر خصوصاً، مثل هذه الحمولات العنيفة، ومنها طلبُ قول الحقيقة، قولُ المستقبل، فضلاً عن تحرير الكائن نفسه، فيما كان الفن التشكيلي يستظل، بعد المعبد الديني والقصر، حماية المتحف وصالة العرض، فضلاً عن صالونات البيوت. فما يستوقف في مسار الفن هو تعلقه بالبيت الاجتماعي، من معبد وقصر وصالون فردي ولكن مثل مساحة عرض متحفي، أي للغير، وهو ما أوجده في علاقة تمثل فني مستديمة لذوق صاحب البيت الاجتماعي. هذا ما يمكن قوله في فنون مادية عديدة طلبت دوماً قبول صاحب البيت لها، أن يضعها صورةً اجتماعية-بدلاً عنه. هكذا قلما نقع - لو عدنا إلى لوحات وتماثيل عديدة سابقة - على أعمال فنية عنيفة، صادمة، أو قبيحة أو ملعونة، فكيف انقلبت الأحوال، وبات التشويه والتفتيت و«الفن الفقير» وتثبيت النفايات والمتبقيات فوق سطح اللوحة اللماع مقصداً للعمل الفني؟
أكتفي بطرح وجه من أوجه هذه المسألة، وأؤجل تلمس الجواب عنها، طالباً الوقوف عند سبب آخر فيها، وهو لزوم المعنى للعمل التشكيلي، ما أصوغه في عدة أسئلة: ما يجعل المعنى لازماً لكي تكون اللوحة ذات وجود راجح في حسابات الفن وقيمه؟ مما تتأتى الصفات التي يتم إطلاقها على العمل الفني؟ أتتأتى من العمل الفني نفسه، من طبيعته، من حضورة المادي، أم من مثوله (أي من التفكر في مبادىء وأسس تسبقُه في التصور، مستقاة من النظام الثقافي، ومن التفلسف خصوصاً، وتتعين في العمل الفني)؟
يمكن طرح أسئلة عديدة، وتظهر مساعي الأجوبة عنها أن العديد من الأعمال الفنية في العقود الأخيرة يتعين في أعمال لا تعدو كونها تحققاً مادياً لما هو في أساسه فكرةٌ، أو حاصلٌ تفكيري تم التوصل إليه خارج العمل المادي نفسه، في التفكر، في التوصلات، وما لبث الفنان أن »أسقطه«، إذا جاز الوصف، فوق سطح أو حامل مادي، أو في بناء مادي بعينه.
وهو ما أتحقق منه في العمل التشكيلي نفسه قبل دعاويه لنفسه، وتبريراته أو مسوغاته النظرية أو التسويقية لما يقوم بعملانه. وزائر المعارض لن يجد صعوبة في تعقب أصول هذه الممارسات التشكيلية المختلفة، إذ أن العديد منها يبدو محدود الإبلاغ إن لم نقرنه بما يسنده، أي في النظام الثقافي، في الخطاب. ان قراءة هذه الأعمال تحتاج إلى وقفات تفحصية، وإن سريعة، وهو ما أطرحه في أسئلة بسيطة وأولية: ما كان سيحدث لباريسيين، قبل خمسين سنة، لو وقعوا، مثلما وقعتُ ذات يوم، في باريس، على الفنان كريستو (Christo )، وهو يرزم جسر «بون-نوف» في باريس؟ ما كانوا سيقولون عن صنيعه هذا؟ وما كانوا سيقولون عن صنيع التشكيلي الآخر بورِن (Buren )، الذي عمد في السنوات عينها إلى تصميم أجزاء من أعمدة، وفق شرائط لونية، بيضاء وسوداء، وأقامها إلى جانب غيرها من الأعمدة التاريخية، في إحدى ساحات «القصر الملكي» بباريس أيضاً؟
يمكن تعداد العديد من الأعمال الفنية، في العقود الأخيرة، التي تختصر في مبانيها التشكيلية، التبسيطية والصادمة، مجمل التاريخ التشكيلي نفسه، بل تستعيده لتعين نصيبها منه، وبأشكال خلافية معه، بل عنيفة غالباً. فالفنان كريستو أو بورِن وغيرهما يشرعان في عملهما ابتداء من تاريخ حاصل، لا من عدم، ويعولان كذلك على ذائقة حاصلة في التاريخ نفسه.
والعمل التشكيلي لم يعد صنعاً، ولا يستدعي مهارات، مثلما كان منذ قرون وقرون، وفي غير ثقافة وحضارة، وإنما بات صانعه يحتاج إلى خبرة ثقافية قبل ثقافته الصنعية، إذا جاز القول. وله أن يكون عارفاً بالزاد الثقافي والتشكيلي الحاصل، وأن يعين حصته منه، ابتداء من تحديد موقعه فيه. هكذا ترى التشكيلي قارئاً في الكتاب قبل الوجود، ويتحقق من الأفكار قبل معاينة الأشكال والمشاهد والألوان، ويواقع الطرفة قبل أن يتميز عن أقرانه في رسم ثنيات الستائر، على سبيل المثال (التي يخصها ليوناردو دافنشي بصفحات بل بفصول في كتابه الشهير »نظرية التصوير«).
هذا يدل على طلب تصوير شديد الاختلاف عن سابقه، ما يجعل اللوحة قيد تأسيس دائم، متماد، ويبدو الفن مثل ابتداع متجدد للفن نفسه، على أن أسباب تجديده واقعة في تشريع الفن نفسه، في تسويغ أسبابه النظرية. ولا تعدو ممارسة الفن أن تكون، والحالة هذه، ممارسة في »نظرية« الفن نفسها، قبل أن تكون صنعاً جديداً. هذا يدعو إلى أسئلة مزيدة تتناول السعي إلى فهم دواعي هذه الحمية الشديدة حول الفن وبه.
هذا ما أجده في سعي مشدد إلى التمايز، وإن مفتعلاً في أحوال عديدة، مثل التظاهرات الصادمة التي تتحدث عن الهتك في مساحات عرض يتم الدعوة إليها في بطاقات إعلانية، وعن «فن فقير» في صالات وثيرة في متحف، وعن تشويه صورة مارلين مونرو أو الموناليزا ولكن بما يجعل العمل المشوِّه لها أوسع انتشاراً من ملصق إعلاني. وهو »تمايز« يعبر عن شدة التنافس بين أفواج الفنانين بعد أن باتت «قواعد الفن» (وفق عنوان كتاب لبيار بورديو) تقضي بترويج اسم الفنان، على أنه صاحب «ماركة تجارية»، وتثبيت سحره الإبداعي. وهو ما يظهر الفنان مُسوِّقاً أول، وفق قواعد المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي، لعمله، أي لاسمه التجاري واقعاً.
وقد تكون حكاية «مبولة» (l'urinoir ) الفنان مارسيل دو شان (Marcel Duchamp ) تدشينية في هذا السياق: فقد قام هذا الفنان في ثلاثينات القرن الماضي بنقل مبولة عمومية، من حيث هي لخدمة حاجات الإنسان، إلى صالة عرض، مكتفياً بتثبيت اسمه عليها: أصبحت »المبولة«، من دون أية معالجة صنعية أو تحويلية لها، عملاً فنياً، وبهذا الفعل وحده، أي بتبني الفنان لها. هذا التبني أجراه غير فنان بعد دوشان، وتمثل في العديد من التجارب التشكيلية التي اعتمدت، بعد تقنية التلصيق (collage )، تقنيات أخرى طلبت منها قصرَ فعل الفن على تكفل الفنان وحده بهذه العملية، معوضاً بتوقيعه (مثلما يقال في ميدان الخياطة الراقية عن «توقيع» المصمم، أو «لمسته» الخاصة)، عن أطراف العملية التكريسية الآخرين، الذين كان لهم، في دورات الفن السابقة، أن يساهموا في التكريس وفي جعله محل تداول جار في الزمن، وعلى اختلافات بين المتذوقين والنقاد والفنانين والشراة وغيرهم.
ولم تتحصل للفنان مثل هذه القدرة - التي تتشبه بفعل الخلق التام، (ex nihilo )، كما قيل في اللاتينية القديمة في فلسفة النشوء، أو في تعيين صفات الخالق الرباني - لولا تواطؤ بات ميسراً بل مطلوباً بين المتاحف - بين بعضها واقعاً - وبين الفنان طالبِ التكريس. فلقد قامت مؤسسة المتحف، منذ نشأتها في أوروبا في القرن الثامن عشر، على تأكيد دورٍ حافظ وختامي للأعمال الخالدة، أي المكرسة في التداول العام، بين الشراة والنقاد وكتب التاريح الفني، مخلية لصالة العرض دور العارض والوسيط والبائع وغيرها من عمليات تداول جارية، وخاضعة لتقلبات ومضاربات ومراجعات بالتالي. كان المتحف وصالة العرض يتكافلان ويتمايزان، فكيف إذ استبدت بالمتاحف، بأسباب تأسيسها، بمديريها، حاجات ومطالب تؤدي إلى خلط بين هذين الدورين؟
هذا ما أصاب عدداً من المتاحف نشأت خصوصاً في النصف الثاني من القرن العشرين، وتخصصت بأدوار عرض تساهم في التكريس، في التخليد، فيما هي تتولى العرض، بل التعريف أحياناً بفنانين أو تجارب أو مدارس، ناشئة أو قيد التداول الأول في مجتمعاتها. هكذا جرى تأسيس متاحف لـ«الفن الاختصاري» (minimal art )، أو لغيره، فيما هو قيد التطارح بعد. أو جرى تنظيم معرض لفنان مغمور في «مركز بوبور» للفن الحديث، وهو أكثر مكان فني جماهيري، في العالم كله ربما. وهو ما يمكن قوله كذلك في عمل جهات أخرى، لا تقل تكريساً عن المتاحف، وهي وزارات الثقافة والبلديات وغيرها من الجمعيات التي تكفلت بمشروعات فنية هائلة، ولا سيما في أوروبا: ما كان لكريستو وبورِن وغيرهما من الفنانين أن يتحكموا بشوارع وجادات ومعالم تاريخية أو رمزية في هذه المدينة أو تلك، لولا سماح هذه الجهات الرسمية بها، بل تمويلها وتنظيمها لها. وما قام به الفنانون في هذه الأحوال لا يقل عن مصادرة الفضاء العمومي، فضاء الذاكرة أو الأرض، مثلما فعل فنانٌ دهنَ مرتفعات جبلية في سيناء تأكيداً لتوقيع السلام بين مصر وإسرائيل في العام 1979 . فالفنان يطلب النفعَ الهائل من الموقع المُصادر مادياً ورمزياً، ويطلبُ بلوغ دعاية واسعة لنفسه، انطلاقاً من عمله الذي له عرْضُ جسر أو جبل، وحجم مظلات عملاقة في جزر يابانية، وغيرها من سياسات الإدهاش والتغريب والصدمة التي هي في أساس التسويق والاستهلاك.
لهذا يبدو الحديث، عند بعض هؤلاء الفنانين، عن نبذ التقاليد البورجوازية في الفن خافياً لحقيقة أعمالهم الفعلية، أي تعويلها الشديد على الدولة بدل المقتني الفردي، في نوع من العودة الارتدادية إلى ما تخلص منه الفن في أوروبا، ابتداء من النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أي نظام الرعاية الفنية، أو الدعم المادي القائم على تكليفات مسبقة يجريها المتنعم على الفنان، وفق علاقات ولاء واستخدام. تتبدل العلاقة الجديدة عن سابقتها، إذ تتعاون المؤسسة التكريسية الجماهيرية مع الفنان، أو يتواطىء معها، في نوع من التكافل بينهما: توفر له إمكان الإنتاج المادي لمشروعاته العملاقة والمكلفة، بما فيها السماح له باستغلال مواقع عائدة إلى ملكية الجمهور والدولة، فيما يوفر الفنان لها، بلعبته العرضية »العجيبة«، جلب زوار وزوار، ولا سيما من لم يألفوا بالضرورة زيارة صالات العرض، ولا المتاحف كذلك.
هكذا ينقلب الفنان، في خطابه، على صالة العرض، إلا أنه لا يطلب أقل من الشارع أو الجسر بديلاً لها. وهكذا يندد الفنان بسطوة البورجوازي على العمل الفني بوصفه مقتنى من مقتنياته المحتملة، إلا أنه لا يطلب أقل من أن تصرف له الدولة، ممثلة بهذه المؤسسة أو تلك، ملايين من ميزانيتها لأعماله التالفة (إذ لا يبقى منها، في أحوال كثيرة، سوى صورها المحفوظة). وما لا يقوى عليه الفنان في التداول الاعتيادي، أي الفوز بمقابل مادي واعتباري لقاء بيع عمله وعرضه، من قبل الأفراد، ومن جيوبهم ونظراتهم وتعليقاتهم، يأخذه (الفنان) منهم، ولكن في طريق مواربة، ليس أقلها التعويل على ضرائبهم نفسها. وما كان ممكناً في علاقة تداول بين شار وبائع أصبح إلزامياً، إذ لا تستشير المؤسسةُ رأيَ المواطن بالضرورة في صرف ميزانياتها (أي ضرائب المواطن عملياً) على هذه الأعمال الفنية. وما كان يخضع من الأعمال الفنية لعقد طوعي في الشراء بات أشبه بالعقد الإكراهي، بل بنوع من السرقة المستورة، إذا جاز القول!
ويتبين لنا، من مراجعة واقع هذه الأعمال وواقع خطاباتها عن الفن وعن نفسها، أنها تستعيض عن صيغة الفن السابقة، البورجوازية التداولية، بصيغة ماضية وإن في أشكال جديدة: يتم فيها التحكم بالمتذوق أو بفرض الأعمال عليه بدل تشجيعه على الخيار والمبادرة، كالإقدام على زيارة معرض أو المخاطرة في شراء عمل. كما يتم فيها أيضاً التعويل على صدمة الجمهور العابر في شارع، وعلى تعليقاته السريعة، والرفع بالتالي من صيت الفنان، بدل أحكام الناقد والمؤرخ التي هي قيد التطارح.
وما يبدو عنفاً، وصدمة، وانقلاباً على جمالية سابقة أو مكرسة، وعلى اعتيادات اجتماعية موروثة، لا يعدو كونه، واقعاً، نوعاً من الممالئة، من التواطوء الضمني، بين فنان ومؤسسة راعية في جملة ما ترعاه - ومهما كان ترفعها الفني - للأنا العليا، لخطاباتها وقيمها وممنوعاتها في المجتمع وبين الأفراد والجماعات: ممالئة، إذن، بين الفنان وراعية القيم، بما يبعد العلاقة بينهما عن أن تكون نوعاً من التعريض بالقيم هذه وبمرموزاتها، وبما يبعد الفنان عن أن يكون في وضعية المتحرر منها. إلا أن هذا لا يغيب حصول تغير في علاقة سابقة، تحكمية بمعنى ما: يتحكم فيها المقتني البورجوازي بالعمل الفني، وصالة العرض بالفنان، والناقد والمؤرخ والصحفي بالعمل الفني، لجهة تبريره وتسويغه وتسويقه.
تغيرٌ في العلاقة، إذن، يؤدي أساساً إلى خروج المتحف من دوره التقليدي (الحفظ النهائي للأعمال الفنية المكرسة)، وتطلعه بل اضطلاعه بدور توجيهي للفن، بما يعنيه من ترويج لفنان أو لـ»مدرسة« أو لتيار أسلوبي أو جمالي، هي قيد التطارح والتصارع في المجتمع. وهو ما فعله في نهايات القرن التاسع عشر صاحبُ صالة العرض في مدن أوروبية مختلفة، مثل دوران-روويل في باريس، حيث أنه بات الراعي والساهر والمراقب خصوصاً لما يقدم إلى جمهور الشراة، فيطلب من الفنان التقيد أو الامتناع عن عملان هذا النسق من الأعمال أو غيرها. وهو دور توجيهي باتت تطلبه بدورها مؤسسات وهيئات عديدة معنية بالتمثيل السياسي للمواطن وبإدارة الشأن العام ومصلحة الجمهور، وهو ما نعرفه عن دور الفن، على سبيل المثال، في غير تجربة غربية، في تنشيط أعمال فنانين مهمشين، أو حفدة آباء مهاجرين، طلباً لـ»دمجهم« - هم وعِبرهم أقرانُهم - في المجتمع الجديد.
وهذا التغير يصيب بدوره الفنان، أو يطلبه على هذه الصورة، ذلك أنه يسعى إلى تكريس مسرَّع إذا جاز القول، قوامه الإقرار المعجَّل بفنيته من قبل المتاحف أو الجهات »الداعمة« (بدل التعويل البطيء، من دون شك، للتكريس الماثل في الخطاب والجدل والتنافس وغيرها)، وقوامه أيضاً فرض هذه الأعمال على الجمهور (بدل زيارة صالة العرض الفردية والطوعية).
ولا يمكن لهذه العلاقة الجديدة أن تنتظم من دون فائدة أكيدة ومستورة في آن من الطرفين، أي من الفنان ومن المؤسسة الراعية: فما يطلبه هذا تطلبه تلك، أي جلب الجمهور العريض، أو فرض الفن عليه. وهو ما يلزم العمل الفني بصيغة مبسطة و»خاوية« في آن، بصيغة تتيح لأي عابر طريق أن يكون متذوقاً بل متلقياً للعمل الفني، فضلاً عن أنه يحمِّل البناء المبسط للعمل الفني ما يشاء من تعبيرات ومعان. وهو ما نلقاه في الحركات البنائية البسيطة لكثير من هذه الأعمال، إذ لا تتعدى بعض الشرائط الزخرفية الهندسية ذات اللونين عند بورِن، وترزيم جسم مادي عند كريستو، وتبديلات خفيفة في الشكل عند كثير من الأعمال الفنية التي تعتمد على الزيغ البصري.
تُنبىء هذه التغيرات، وتصدر كما تصب في مناخات اعتقادية جديدة تريد من الفن البصري أن يكون منشىء طقوس مدنية جديدة، تستجمع الجمهور العريض من جديد بدلَ تفرقِه الإفرادي، الوجاهي، أمام العمل الفني (سواء في البيت أو في صالة العرض أو في المتحف). وهو ما نراه في هذه الأعمال، في أحجامها الكبيرة وبساطة أشكالها، إذ تتيح بل تطلب رؤيتَها عن بعد، وتنتهي بذلك العلاقة التأملية، الفاحصة، القريبة، التي كانت قد جعلت من اللوحة بديلاً عن ورقة الكتاب.
ان هذه الانتقالة توافق، عدا أنها تندرج في أسباب الذيوع الجماهيري، كما تمثل في الفيلم والملصق والإعلان وغيرها، إذ بات العمل الفني قابلاً لهذا النوع من الذيوع، وعلى أوسع نطاق. كما يكشف هذا التوافق عن تعالق هذه التغيرات الفنية بالتكنولوجيات الجديدة، وبإمكاناتها العملية، فضلاً عن نمط الحوار الذي تطلبه مع من تتوجه إليهم. ماذا للعولمة أن تكون، بالتالي، في تأثيراتها الفنية؟
كان للتشكيل أن يشهد مثل هذا التسارع، مثل هذه التدافع أمام بواباته، بفعل شمول الفن وانعقاده ابتداء من نهايات القرن التاسع عشر، في مشهد يكاد أن يكون واحداً، أي معولماً قبل الساعة. هذا ما سبق لي درسه في غزو اللوحة المزدوج: غلبتُها على غيرها في الفنون المادية، وغلبتها كذلك على فنون غيرها من الشعوب والثقافات، وبلوغها بيئات عديدة من اليابان إلى البلدان العربية وغيرها.
ولا يمكن إغفال حقيقة التعالق بين النزوع بل الخروج الاستعماري إلى العالم، الذي شهدته نهايات القرن التاسع عشر، وبلوغ نمط اللوحة هذه البيئات البعيدة عن موطنه الأول: هذا ما نعرفه في سيرة البدايات، هنا أو هناك، والذي بلغ أحياناً حدود التشبه الببغائي بفنون المصدر (إذ لم يقلد الفنانون «البلديون»« فن الحاضرة الاستعمارية وحسب، بل تمثلوا أيضاً سلوكات فنانيها، بل عاداتهم في الزي والأكل والتصرف وغيرها)، حتى أن «المزوقة» (المنمنمة في تسمية عربية متأخرة، وغير موافقة تاريخياً) باتت الشبه البعيد للوحة الزيتية الأوروبية فيما كانت (أي المزوقة) قد سبقتها (أي اللوحة) إلى الوجود.
ففن اللوحة الزيتية (اختصاراً وتمثيلاً لهذا النمط من الفنون البصرية الأوروبية المصدر) «تَعَولَمَ» قبل الوقت، إذ بسط سيطرته الجمالية والعملانية على غيره من الفنون: باتت مقاسات اللوحة، الصالحة خصوصاً للتعليق الجداري، مناسبة لغيرها من الأنواع والصيغ الفنية، مثل الرسم والمحفورة والصورة الفوتوغرافية وغيرها، وباتت اللوحة مثالاً جمالياً لغيرها (أي أن تكون نافذة أو مرآة عاكسة انطلاقاً من معاينة الوجود). وهو مثال تاريخي (ويمكن سوق غيره أيضاً) يدعو الدارس - أنا على الأقل - لأن ينظر إلى العولمة نظرة مختلفة، لا تقرنها بـ«عاصفة صحراء»، أو بحديث تلفزيوني عن »نظام عالمي جديد«، وإنما تنسبها إلى حراك دولي، بما فيه من عنف وغلبة وتسويات مؤقتة وخلافها، بمواد وأساليب قديمة ومتجددة. فإذا كان المطلوب من الحديث عن العولمة الحديثَ عن بلوغ الاتصال بين البشر والثقافات مبالغ واسعة ومسرَّعة من التعارف والتفاعل والسيطرة والتأثير وغيرها، فإن هذه العولمة ما فتئت البشرية تعرفها وبوتائر متباينة، تختلف بين البريد والتلغراف والفاكس والتلفون النقال وسواها. وهو ما يمكن قوله كذلك في عبور سحنات آسيوية إلى مزوقات عباسية، أو غيوم صينية المنشأ إلى المزوقات عينها.
«تعولم» الفن التشكيلي منذ نهايات القرن التاسع عشر، بل تعولم وفق الصيغة نفسها غيرُ فن بصري، تبعاً لوسائل فنية واتصالية جديدة، ما نلقاه في تلخيص مركز وسريع في فنون الذيوع الجماهيري (mass media )، أو في العقود الأخيرة في فنون الاتصال الجماهيري (mass communication ). ولو شئت الاختصار أيضاً لوجدت في الحاسوب (الكمبيوتر) الأداة الأميز في التعبير عن هذه العولمة، »المتفاقمة« حسب أحد الدارسين. ولا نجد صعوبة في التحقق من أسباب التعالق والتوافق بين تكنولوجيا الاتصال هذه، بأنواعها وأساليبها المادية المختلفة، وبين بزوغ أنماط جديدة في تصور وبناء العمل الفني. وهو ما أجمله - على عجل أيضاً - في عدد من التحققات ليس أقلها الانتباه إلى دخول هذه الوسائل في إنتاج العمل الفني (من استعمال صورة الحاسوب إلى تقليد اللوحة الشديدة الواقعية لتقنية التصوير الفوتوغرافي، مروراً بفن الفيديو وغيرها).
بل يمكن التحقق أكثر إذا انتبهنا إلى قول هربرت مارشال ماكلوهن (Herbert Marshall Mcluhan ) الشهير بأن «الوسيط المادي هو الرسالة» التي يذيعها الوسيط نفسه؛ أي أن الوسيط نفسه هو الذي يفرض أو يتحكم بمضمون ما يذيعه وينقله. وهو قول قابل بل صالحٌ لدرس العديد من الأعمال التشكيلية، حيث يبدو العمل الفني حاملاً للوسيط نفسه ليس إلا، بل يصعب التمييز بين الوسيط وما يحمله، حتى أن الحمولة لا تعدو أن تكون الوسيطَ المادي نفسه.
هذا ما يغيبه الخطاب عن الفن في الغالب، خالصاً إلى كتابة تجد في اللوحة، في مبناها، في الخلاف بينها وبين سابقاتها، »أصل« الاختلاف والتغير، وسنداً للتاريخ بالتالي. بل يجد الخطاب هذا في العنف مصدراً أكيداً لتعبيرات الفن، على أن الفن المولد للعنف والحامل له تبدل بين الشعر والتشكيل، بين القرنين، التاسع عشر والعشرين.
فلو طلبت الوقوف عند علاقات الفن بالعنف لوجدتها لازمة، بل موضوع مدح في عدد كبير من خطابات الحداثة الظافرة ابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع عشر. هذا ما درسته جوليا كريستيفا في كتابها «ثورة اللغة الشعرية»، بعد أن تحققتْ من حصول ممارسات إنتاجية، لدى شعراء خصوصاً (رامبو، لوتريامون وغيرهما)، باتت توجب الجمع بين العنف التاريخي والعنف الثقافي، من دون أن يعين بالضرورة لزوماً سياسياً بالمعنى الحزبي المتزمت، ولا حتى الإيديولوجي المشدد. وهو الخطاب الذي بلغ الخطاب الثقافي العربي بعد قرن، مع لزوم الثورة في الشعر، والتي تصاحبت مع دعوات إيديولوجية أو ثقافية داعية إلى التجاوز والتخطي والكسر وهتك الممنوعات وغيرها.
الفن العربي الحديث بقي بعيداً عن خطاب العنف الجمالي والرمزي، إذ انشغل بما هو لازم له، وهو تبرير قيامه، وتأكيد الاحتياج إليه في مجتمعات وبين أوساط لم تكن قد تهيأت له قيمياً واجتماعياً ومالياً كذلك. ولو جرى استعراض العديد من العمليات والوقائع والممارسات الداخلة في نطاق التشكيل العربي لوجدنا أنها لم تبتعد عن تسويق دواعي قيامها الناشىء. وهو ما تمثل في نفعية شديدة جعلت اللوحة العربية تنساق لأن تكون مرآة مغرية للأعيان و«الخواجات» وسيدات «المجتمع المخملي»، أو حاملةً تعبيرية وزخرفية واجتماعية ووطنية وغيرها لما هو ماثل في القيم العليا لخطاب الجماعة (ما اتخذ شكل الحديث عن قضايا أخلاقية، مثل صور المآسي الاجتماعية، أو صور «تتريث» (من «تراث») الحاضر والفن، كما أُطلقُ عليها). عاش الفن العربي الحديث واعتاش من تدبير أسباب لهذه الذرائعية، بل من تبرير ما يقدم عليه، وهو ما قلته ذات يوم عن أحد الفنانين العرب: «يرسم كما لو أنه يعتذر».
فالمتابع لعدد من الإنتاجات العربية يرى أن ما يقال عنها، ولا سيما في تقديمها، ومن منتجيها أنفسهم، ينحصر في الغالب في تبريرها: فالإقدام على إنتاج لوحة، أو إصدار رواية، أو الدفاع عن مسرحية بعينها، يصاحبه، عند عرضه على المتذوق العربي، كلام عن الحاجة الأكيدة له، وأنه حاجة مبررة بالتالي. وهو إذعان يتخذ شكل التبرير في أحسن الأحوال.
إذعان إلى ما تقره تقاليد، ثقافية واجتماعية وقيمية وغيرها، ويصيب طبعاً الإنتاجات الجديدة، المتوطنة الجديدة في ثقافتنا وسلوكاتنا، بدليل أنها تصيب الرواية والقصيدة الحديثة والمسرحية وغيرها من الإنتاجات التي دخلت إلى وجودنا في القرن التاسع عشر. وتُظهر العودة، إلى الكثير من الطروحات التي ذاعت وانتشرت عن هذه الإنتاجات الجديدة، بأنها سعت غالباً إلى تبرير وجودها الغريب. هذا ما يمكن التحقق منه في دعوات عديدة رافقت اللوحة: هذا ما يقوله دعاة الحروفية عموماً، أي استلهام الحرف العربي في اللوحة العربية الحديثة. وهذا يصح في إيجاد أصول نثرية لقصيدة النثر في الأدب العربي القديم، ولا سيما في كتابات المتصوفة. وهذا ما قال به بعض الروائيين عن تعويلهم على أسلوب «ألف ليلة وليلة»...
إنها دعوات التتريث التي صاحبت الكثير من إبداعاتنا العربية الجديدة، والتي تسعى إلى تبرير حصول مثل هذه الإنتاجات. هكذا يصبح المبدع مقيداً سلفاً، ولا يستحق لقبه بالتالي. فهو لا يقترح واقعاً وإنما يعرض ما هو مسبوق في التقليد. وهو لا يفاجىء، بل يفيد أن ما يقدمه مسموح به ومقبول من الجماعة. ويصبح الإبداع أقرب إلى ارتكاب جريمة، منه إلى تجديد طاقة التجديد. فمتى يتوقف التشكي والتظلم من الآخر؟ ومتى يكف هذا الشعور بخيانة الذات، وبعقدة الذنب هذه؟ وهو ما يجوز طرحه وفق السؤال التالي: هل يكفي التتريث إزاء العولمة المتفاقمة؟
لا يوازي القول بـ«التتريث» سوى القول بـ«التَّعَوْلُم»؛ وهما قولان أرى فيهما دعاوى إيديولوجية ليس إلا، في هذه الوجهة أو في تلك، وبعيدة عن الفن نفسه، تتلهى بقشور الكلام وتقعد في طمأنينة التقليد. فما نسميه بالعولمة لا يعدو كونه النفوذَ الممتد\ في منزعه العنفي التوسعي والأكيد، وهو ما يمكن التحقق منه في انتشار الأفكار والمشروعات التشكيلية، بعجلة غريبة، لا توازي سرعة اعتمادها سوى سرعة التخلي عنها. وهو نفوذ ممتد، أو تأثير متماد، لمن يقوى على دفع هذه الحركة، على أن يجعل من البينالي التي ينظمها، ومن صالات عرضه، ومن قوة التداول فيه، منبتاً نشطاً للفن. فهناك من ينتج هذه العولمة ويدفع بها وفق هذه الوجهة أو تلك، وهناك من يقبل على استهلاكها ليس إلا، أو على محاكاتها في صور رتيبة.
ويعنيني في هذا المجال أن أتوقف عند وجه وحسب من أوجه هذه العولمة، وهو السؤال عن المشاركة في صنعها، وعن مفاعيلها. ولو طلبتُ التوقف، لوجدتُ الدارس يحار في تتبع المشهد التشكيلي العربي، بين رحيل فنانين ومجيء غيرهم وبين تعاقب الأحوال الفنية نفسها، حيث أنها تفتقد إلى التغير في التتابع، وإلى التجدد في الاستمرارية. فنحن نشهد تغيرات تصيب أحوال اللوحة العربية، من دون أن نتعرف فوق سطحها التصويري على ما يدل على سابقها. فهي لوحات متتالية زمناً، لا أسلوباً، والفنانون آباء، بهذا المعنى، من دون أبناء، ولا أحفاد.
وهي حال غريبة إذا قارناها بما يحدث في الغرب: فنحن نتعرف على لوحاتهم مثلما نقرأ في كتاب، له صفحات مختلفة ولكن متتابعة. والعودة إلى سِيَر فنانيهم تشهد كذلك دخولهم في علاقات بين اتباع وانفصال، حيث للمدرسة الفنية أن تعلن جديدها قياساً وتأسيساً واختلافاً مع ما سبقها. وهو ما يفتح المشهد التشكيلي، وما يجعله مشهداً تاريخياً، متجذراً ومتجدداً في آن.
فللفن أسباب متعددة تؤكد قوته، لا تتعين فقط في إقبال الشراة، ولا في بناء المجموعات، وإنما أيضاً وبالأساس في علاقات الفنانين بعضهم ببعض، بما يؤلف »حركة« لها ملامح وسبل وتوجهات متعالقة ومتباينة في آن. وهو ما لا أتحقق من وجوده، إذ أقترب من اللوحات العربية، حيث أنها تحكي الانفصال بل التباعد في غالب الأحوال، ولا سيما في العقود الأخيرة. فأنا لا أجد في العمل الفني للفنان العربي الطالع ما يصله بسابقه، ولا بأستاذه في الجامعة أو المعهد، عدا أننا لم نعد نشهد في أي بلد عربي نشأة مدارس أو جماعات تشكيلية جديدة، مثلما جرى الأمر في غير بلد عربي، مثل لبنان والمغرب والعراق وبلدان الخليج وغيرها، في عقود ماضية. مما يتأتى هذا الأمر؟ وكيف نفسره؟
لعلنا نجد جواباً تمهيدياً عن السؤال في الإقبال المتزايد لفنانين عرب على الإقامة في الغرب، على العرض فيه، بل على توطن مديد فيه. وهو ما يطلبه كذلك فنانون عرب مقيمون في البلاد العربية. وهي حال قديمة ومتجددة، كما قد يتبادر إلى ذهن البعض، بعد أن سلك فنانونا الرواد مدارس الغرب مثل صالات عرضه ومتاحفه. إلا أن هذا الظن خاطىء، أو يغيب أحوال التاريخ المختلفة، إذ شهدت مدن عربية عديدة في العقود الماضية أحوالاً كانت تبشر بتوطن الممارسة التشكيلية فيها، تمثلت في عودة الفنانين-الطلاب العرب إلى بلادهم بعد درسهم في جامعات الغرب ومعاهده، وفي قيام متاحف وصالات عرض محلية عديدة، وفي تزايد أعداد الجامعين العرب وتنامي الذائقة الفنية في البيت كما في حصص الدروس التعليمية وغيرها من العلامات الدالة: يكفي في هذا المجال الوقوف عند أعداد صالات العرض التشكيلي العربية، وهي تراجعت - على ما تحققت - في غير مدينة عربية، فيما زاد عددها في عدد من المدن الخليجية وحدها. ولا يخفف من قتامة هذا الوصف سوى تزايد »مجموعات« الفن العربي الحديث المملوكة وإن من عدد محدود من المالكين العرب...
فلقد انقلبت الأحوال، وعاد «موسم الهجرة إلى الشمال» إلى سابق عهده، ما يدل لا على قوة الغرب المتجددة والمتعاظمة وحسب، وإنما على تراجع »الأمل« الواعد في بدايات التشكيل العربي. وهو ما يمكن التماسه أيضاً في تراجع العلاقات الفنية بين الفنانين العرب أنفسهم، حيث أن الواحد منهم بات ينظر إلى الفن باستقلال عن زميله، وباتوا في الغالب فنانين متفرقين وشاخصين لعروض المدن الغربية. لهذا يمكن القول بأن الفن في بلادنا بات ضاحية لمدينة تقع خارجها، لا المدينة الموعودة، من دون أن تكون هذه الضاحية مجموعة إلا من ناحية أنسابها، في مهارات وحسب، وربما في نجاحات فردية للبعض.
نجد طبعاً في العولمة، بل في سياسات جهات فنية غربية عديدة، ما اجتذب فنانين عرباً متزايدين إليها، مثلما يحصل مع عدد من الطلبة العرب المتفوقين عند تخرجهم من جامعات غربية عديدة. إذ يجد هؤلاء الفنانون في بيئاتهم الجديدة ما يفتقدونه طبعاً في بيئاتهم الأصلية؛ وهو ما يكشف وجهاً آخر من العنف، وجهاً »بلدياً«، يؤدي إلى شيء أكثر من الحشمة المزيدة التي تحدثت عنها في أحد كتبي، في معرض الكلام عن قدرة الفن العربي الحديث على قول الممنوع. وتحققت في درسي هذا من أن ما نمنعه من الظهور فوق سطح اللوحة هو ما لا نسمح به في الشارع قبل ذلك، ما يثير مشكلة في قبول الفن في بيئاتنا، أي في قبول قدرته ودوره في العلانية الاجتماعية، بوصفها تجلياً من تجليات الحياة الاجتماعية والفردية.
هذا يجعلنا في لحظة ارتدادية عما كان قد شرعنا به، ويقصر الممارسة الفنية على زخرفية بليدة أو على واقعية تشكيلية بلهاء، ما يضع الفنان العربي إزاء معضلة تاريخية قبل أن تكون تشكيلية أو فردية في وصفها أو في حلولها. إذ يجب التمييز، في رسم الحال التاريخية هذه، بين عنف العولمة من جهة، وإغراءاتها وطاقات جذبها الأكيدة، من جهة ثانية. ووجب التمييز كذلك بين مكبوتات الانكماش المحلي، الناتج عن ضغوطات العولمة وجاذبيتها والناتج أيضاً عن »المقاومات البلدية« المختلفة لهذه العولمة السافرة والظافرة، وبين عنف الطلب المحلي على السلطة المتسم بخنق الفعل الاجتماعي، ومنه الفعل الفني، في مهده، إذا جاز الوصف.
ولا يصح في وصف هذه الحالة سوى القول: راوحْ مكانك. ولكن مع فارق يسيط، ولكن حاسم، وهو أن غيرنا يتقدم ويتغير. والألفاظ تتغير وحدها، من دون أن تتغير الدلالات! تتغير المظاهر، ولا تتغير الدوافع الواقعة خلف السلوكات. فنحن منذ قرن ونيف نتحدث عن التقدم، ومنذ العقود الأخيرة عن الحداثة، وغير ذلك من الألفاظ الدالة على مواكبة العصر، كما يقال، وعلى التجدد، ولكن من دون أن نعرف ذلك حقاً.
فنحن نواكب العصر فعلاً، ولكن بمعنى الاطلاع المتفرق والمتقطع عليه، على أنه عصر غيرنا. نواكبه بمعنى أننا نشتري ونستهلك ما ينتجه، ولكن من دون أن نساهم فيه. فلا »برغياً« واحداً ننتج في صناعات هذا العصر! ولا إسهاماً معرفياً، أو ثقافياً، نتوصل إليه، حتى في ميدان تعريفنا بتراثنا أو بثقافتنا المعاصرة. فعلى الرغم من نقدنا المتواصل للاستشراق، لا يزال إنتاجنا دونه، عدا أن مرجعياتنا النقدية والمعرفية لا تزال ثابتة في معاهد الغرب وجامعاته ومؤسساته وكتبه عن ثقافتنا.
لمثل هذا التوصيف أسباب عديدة، من دون شك، ولا يمكن اختصارها في قول سريع ومقتضب. لهذا يعنيني الوقوف وحسب عند عائق ثقافي في هذه الأسباب، عائق يتمثل في تصورنا للعالم، لما هو عليه ولما نحن عليه فيه. فلا أحد يجادل، اليوم، كما في القرن التاسع عشر، حول أن العالم اختلف عما كان عليه، وعما كنا عليه فيه. إلا أن الأجوبة تختلف بعد هذا التحقق، بعد هذا الوصف: صورتنا عن أنفسنا - أي صورتنا المتضخمة، والقديمة في أحسن الأحوال - تعيقنا في أي تقدم وفق سبل العصر، فننفر من الغرب أو نحرد منه أو نناكفه، طالما أنه لا يشاركنا صورتنا عن أنفسنا وعن موقعنا في العالم، بدل أن نعمل لكسبه ولإقناعه بوجهة نظرنا وبمصالحنا، وبدل أن نعمل على تعزيز موقعنا فيه.
يكيلون علينا يومياً أطناناً من الكلام والشعارات حول ضرورة التحصن في الماضي، ويؤدي هذا واقعاً إلى إغفال حقيقة العالم أو الغفلة عنها، لا إلى انتهاج السبل المناسبة فيه، وتعزيز حظوظنا منه. وهذا الاستعمال النفعي للماضي لا يعدو كونه وسيلة لمصادرة السياسة ليس إلا، أي للتحكم برقابنا فقط، ولا يشكل بأي حال استعادة روحية لمعنى أكيد ومغيب.
فهذه »العنتريات«، والشعارات المكرورة والبليدة عن »الماضي التليد« و»المجد الأكيد« ليس لها رنين الذهب الأكيد في أيامنا، عدا أنها »قطع أثرية« في أحسن الأحوال. ولا سبيل لنا سوى الدخول الحاسم في هذا العصر.
ذلك أننا بتنا لا تقليديين، ولا حديثين، بل مكرهين وحسب على فعل ما نقوم به. وكان لإكراهنا هذا أن يكون أشبه بالضرورة علينا، ولكن الضرورة المحفزة مثل التي توفرها الورطة لمن يقع فيها، إلا أنها في ثقافتنا وسلوكاتنا تبدو مثل القدر الغاشم في أحوال، وفي أحوال أخرى مثل التغير الطفيف والخفيف الذي نحتال عليه ونقفز فوقه، كما لو أننا سنتوصل بذلك إلى الإفلات منه، فنستعيد حالتنا السكونية والمترددة من جديد.
هكذا نرى الأحوال تتغير فتصيبنا الدهشة، بل الذهول، ونحيل الأمر مرة تلو مرة إلى عقل عجائبي يصور لنا الأمور، إذ تتبدل، بضربة ساحر عجيب، فنفهم التاريخ وفق منطق الاحتيال والمؤامرة، لا وفق منطق الذكاء الإنساني المنتج.
هذا ينشىء المبدع على الطاعة حيث وجب التمرد، وعلى الاحترام حيث وجب الخروج على ما هو معروف، بما يجعله عبداً للماضي ليس إلا، لا فاتح أفق المعنى. وهكذا يلوك المتلقي مقترحات الفن حيث لها أن تجدد شهيته فوق مائدة المشاركة الجمالية الإنسانية. هذا ما دعا كاتباً، مثل جبران، إلى القول: «لكم لبنانكم، ولي لبناني»، ويعني ذلك أنه ينشق عنهم في تحديد الوطن نفسه، وهو أعلى المعاني عند كاتب، فكيف بالمعاني الأخرى! فالمبدع، إن لم يقم عمله على تبديل المعاني، على امتحانها على ضوء التجارب الجديدة، لا يعدو كونه ممتهن كتابة ليس إلا، مثل «العرضحالجي»، كاتب الرسائل في زمن الأمية والأميين.
لا يقيم الفنان في بيوت الأمس، بل في بيوت جدرانها من هواء، هواء التفتح والتغير والتجدد. وهو، إذ يقدم على ممارسة فنه، لا يعتذر عن فعلة ارتكبها، بل «يتقدم باتجاه ما يخيفه»، مثلما قال عن نفسه الكاتب التركي ياشار كمال. فالفنان يتقدم حيث لا يتقدم غيره، ويقلِّب ما بقي راكداً وشديد الاستقرار، وينفخ في رماد الهادىء نارَ المفاجأة، ويدعو العين إلى بهجة مغايرة. فالإبداع، إن لم يقدِّم احتمالات الحياة على أنها ممكنة الحدوث، بل حادثة، يبقى تدويناً جافاً ويميت في الفن طاقته الحيوية. ويميتها فينا أيضاً.
أقرأ الكتب والجرائد مثلما يقبل النجار على خشبه. وهو إقبال جديد بقدر ما هو قديم، تستعيد فيه اليد أو العين ما سبق لها أن فعلته، من دون أن تكرره بالضرورة. هكذا يحدث لي أن أقرأ ما سبق أن كتبته قراءة المكتشف، وما يستوقفني هو بناء الجملة أحياناً، أو استعمالات بعينها من ألفاظ وتراكيب، وهذا التقدم في مجاهل معنى لا تلبث أن تتكشف وتتأكد، فيتعالى إحساسي بأنني مستعد للتوقيع على ما أقرأه، لأن أتبناه.
ذلك أن علاقتي بالكتابة تقوم على المحو، على الغياب، من دون أن يكون لي في ذلك »قرار« أو مشيئة صريحة. فأنا، في ذلك، لا أطبق قاعدة وقعتُ عليها في كتاب نقدي عربي قديم، يطلب فيها الشاعر المكرس من شاعر ناشىء، أتاه لطلب المشورة، حفظَ ألف بيت شعري، ثم يطلب منه، بعد عودته إليه حافظاً هذه الأبيات، أن ينساها، فتتوافر له عندها كتابة الشعر. وإنما أتحقق، واقعاً، من أنني أقبل على الكتابة إقبالاً فيه حدس، فيه هجس، ولكن من دون قصد معين سلفاً، أشبه بمن يطلب النزهة، أو السفر.
لهذا قلما أحفظ أبياتاً أو جملاً مأثورة، سواء لي أو لغيري، وأجدني متعثراً دوماً في مساعي التذكر، حتى أنني أصبحت أتحاشاها من دون تردد. إلا أنني أتحقق، مع ذلك، من بقاء جملة ترافقني منذ عشر سنوات على الأقل، وقعت عليها في كتاب صادر في الفرنسية عن الكاتب التركي ياشار كمال، وهي التالية: «أتقدم باتجاه ما يخيفني». وهي جملة تذكرني بالكاتب نفسه، الذي التقيته قبل ذلك في مؤتمر في مطالع الثمتانينات في مدينة قرب مرسيليا، من دون أن أنجح حينها في تبادل جملة واحدة معه، إلا بالواسطة.
احتفظت بالجملة لأنها تخيفني، لأنها ترتفع أمامي في مواضع عديدة مثل شعار، مثل مهمة، لي كما لغيري. ولكن مثل مهمة مؤجلة، أتحاشاها، أتناساها، بل أبعدها، على أن غيري قد يتكفل بها، ناسياً طبعاً أن الوقت محسوب علينا، وأننا في غالب الأحوال نبعد الأشياء عنا ولكن لنراكمها مثل فواتير عديدة فوق مكتبنا اليومي أو الوطني أو الحضاري.
فما يخيفني، واقعاً، لا يعدو كونه المسافة الممكنة من تقدمي، من بلوغي ما يشعرني بأنني أصوغ معنى لنفسي، لحياتي، فلا أبقى قاعداً في مقعد الرتابة والانتظار، أي الغفلة. وهو ما أراه بعيداً عن مقعدي، في ما يحيط به، في هذه الخفة القاسية التي نقبل بها على الحياة، على أفعالنا نفسها، فنتردد في ما نفعله، أو نحدد لأنفسنا مهاماً تجعلنا غافلين عما يجري من حولنا ويصيبنا، عما يحدث للعالم ونتغابى عنه. فالعولمة تخيف العديدين، من أفراد ودول، وهم في ذلك مصيبون، إلا أن العولمة ليست خياراً يمكن التغاضي عنه، أو إسقاطه، بل هو ترسيمة لنا أن نرى العالم فيها كما يتعين أمام عيوننا.
العولمة هي ما يحسن التقدم صوبه، من دون تردد، على أن نجد فيها نصيباً أو حصة لنا، مثل الريشة للتشكيلي، أو العود للعازف، أو الورقة للكاتب، أو الخشب للنجار، أو الحاسوب للصناعي أو رب العمل. عولمة زاحفة بقوة العنف المتعدد الأوجه، تهددنا في جميع الأحوال، حتى أننا مرشحون لأن يتدبروا عنا مصيرنا، بدلاً عنا، وأن يرسموا لنا ما يناسبنا، على ما يرون طبعاًَ ويقدِّرون. هذا ما حدث في تجارب الاستعمار المعروفة، السابقة (وربما المتجددة في صيغ جديدة)، إذ أوقفونا في الصف، في صفوف التعليم الابتدائي، لا لتعلم مواد العلوم وحسب، وإنما مواد الحياة نفسها والسلوك والذوق والتخاطب وغيرها.
فهل نتقدم باتجاه ما يخيفنا، أم نبقى في هذه اللامبالاة القاسية إزاء أنفسنا، فلا نحسن غير التظلم والشكوى في أحسن الأحوال، على أن أقدارنا ممسوكة من غيرنا، بما فيها مخاوفنا منهم؟
(الندوة الدولية، بينالي الشارقة، 2003).