الكتابة قيد الترجمة...
في الوقت الذي نعمت به قطاعات اللغة، في موادها وأوصافها وتراكبيها ومستوياتها بعناية لافتة هي أخص ما كرسته لها النظريات اللسانية الحديثة على أنواعها من جهود، نجد الترجمة، كإحدى تحققات اللغة في نصوص وأوجه استعمال، تفتقر الى مثل هذه الدراسات، وتبدو أشبه بالقريب الفقير للنظريات المحيطة بـ« النص». ولا يأتي تدني العناية بها، والتفكير بمسائلها، سوى تأكيد متجدد على تدني الرتبة الموضوعة للترجمة في الحساب الاعتباري لا اللغوي الصرف، وهو أنها «خادمة» لغيرها، لا «أصلية» أو «أصيلة».
ومع ذلك تستحق الترجمة، في تحققاتها النصية أو في المدونات التي تجعلها مادة لتفكير، عناية أكبر لا لضمان وجودها وحسب بين النتاجات اللغوية حيث لها أن تكون، وإنما أيضا لتفكير مزيد في مسألة النص نفسها. وهو ما تدعونا اليه في صورة عفوية وتلقائية قراءة بعض الترجمات، سواء في اللغات الأجنبية أو في العربية ذاتها أحيانا.
ذلك أننا لا نتوانى عن الوقوف على ظواهر لا نصرف لها التفكير اللازم، مثل انتباهنا العجول، على سبيل المثال، إلا أن النص المترجم يبدو، في كله أو في بعضه، في بعض الأحيان أقوى تعبيرا عما هو عليه في أساسه الأصيل، ولا يخفف من تكرار مثل هذه الظواهر تقيد المترجم بالأمانة، شرط الترجمة التقني في أساسه الأخلاقي. ولو ذهب الناظر الى الترجمات بالتفكير بعيدا وتوقف في صورة أطول عند اعراضها ومسائلها، لتنبه أكثر الى أن الدراسات اللسانية لم تأخذ بمقتضى ما تقول به (في معرض دراستها للغات) في مسألة الترجمة. إذ أن الدراسات اللسانية لا تقر في غالبها بالتطابق بين اللغات، بل بـ «الفروق» (كما تقول العربية)، وأنها في أساس تكوين أية لغة. فكيف تقول الترجمة بأنها تطمح الى تحقيق التطابق (مع النص الذي تعمل على ترجمته)، فيما تقول النظرية اللسانية غير ذلك. ولعلها تقول أو تقوى على قول ذلك لو اقتصرت الترجمات على المواد العلمية أو القانونية، لكنها لا تقوى على ذلك من دون شك في النصوص الأدبية، ولا سيما الشعرية منها، التي تقوم على استعمال بل على تبديل استعمال سياقات اللغة ودلالاتها في حدودها المتواضع عليها. وأية قراءة لترجمات الشعر تظهر لنا أنها لا تخون (مثلما روجت العبارة الايطالية القديمة لذلك) النص الذي تعمل عليه في غالب الأحيان، بل «تكثره» أحيانا وبالضرورة، طالما أنها لا تنجح - حتى حين تطلب ذلك - في تحقيق التطابق المتوهم والقاصر بالضرورة الذي تنهض عليه نظرية الترجمة، ولاسيما في أسسها العملانية.
أن أسباب هذه الملاحظات وغيرها تعود الى ضرورات واقعة في القواعد التي يطلبها المترجم في النقل والى مقتضيات ناشئة عنها بالتالي، وهي تكشف وهم التكافؤ، أو حدوده على الأقل. فبمجرد ان يطلب المترجم نقل نص من لغة الى أخرى، وان وفق موازين متكافئة وحسابات سليمة تنشأ وضعية تكوينية، إذا جاز القول تجعل النص المطلوب نقله نصا - أصلا، بل أصليا، معززا بالعديد من الصفات التي تصونه وتحدده في صورة حاسمة على أنه الأول والمتفرد والمرجع وتجعل النص الآخر في وضعية الاستقبال والتتبع والتقيد، على أنه صيغة أو نسخة وحسب، حتى لو كانت أمينة.
والحديث عن الأمانة في النقل وعن سلامة الترجمة وصحتها، لا يعدو كونه في نهاية المطاف، حديثا لا يعزز النص الثاني على ما يبدو ظاهرا، بل النص الأول، إذ يؤكده في حصانته الطبيعية ويثبتها بالأحرى. وهو ما يدفعنا الى طرح السؤال: الا تكون الترجمة (أو النقل) أسلم لو أخل المترجم بمبدأ الأمانة، وسلك سبيل إنتاج نص آخر، له ما يبرره في إنشائيته المخصومة؟ ولكن أيكون المترجم مترجما في الحالة هذه أم منتج نص آخر انطلاقا من نص أول، وهو ما يدخل في حسابات «التناص» لا الترجمة في هذه الحالة ؟
النقاش مفتوح طبعا، إلا أن هز الأسئلة وغيرها تدعونا الى الوقوف على حال الترجمة على أنها مخصومة بين النصوص وتتطلب معالجات تنأى بها عن النقاشات التقنية ذات الحسابات الاخلاقية هل أحسن المترجم أو أجاد أو تقيد بالنص - الأصل ؟ هل كان أمينا أم خائنا؟ وتدعونا بالتالي الى الوقوف على نصوص الترجمة، لا على أنها من الدرجة الثانية، 1و صيغ او نسخ اصطناعية، وإنما على كونها نتاجات نصية، مثلها مثل النصوص الأصلية والأصيلة، لها ما يحددها كلها في «تناصيتها» المعلنة أو المضمرة، القسرية أو الاستنسابية.
ذلك أن النص المعد للترجمة لا يقع في فراغ، ولا تستقبله حيادية لغوية ما، بل «يملي شروطه»، إذا جاز القول، وان كان النص الثاني والتابع والمطلوب تقيده باقتضاءات النص الأول الأصل، و "الخلاق" بالضرورة. ذلك أن النص المستقبل لا يكفى النص الأول إلا وفق امكانات بنيته اللغوية، طالما أن اللغات ليست متطابقة الا في بعض موادها. وما نجده غنيا ودقيقا في اللغة قد لا يكون كذلك في لغة أخرى: فألفاظ الأسد والجمل والسيف والنظر وغيرها في العربية لا نلقاها وفق الاتساع والتنوع عينهما في الفرنسية أو الانجليزية، وهذا يعني ان اللغة لا تستقبل بالمعلق، بل بما هي عليه وبما تقدر عليه.
وهذا يعني كذلك أن علينا أن ننظر الى الترجمة من جهة المترجم، فمهما قلنا عن أمانته وغيرها من الصفات فإن ذلك لا يغيب كون المترجمين يخطفون في الملكات كما في الأداء، ولا يسعون الى الترجمة ولا يحققونها إلا بما وسعت أيديهم. ونخلص من هذا الى القول إن أساس النظرية التقليدية في الترجمة (وشعارها: الأمانة الخلقية) مضلل، ولا يؤدي الى الحل المنشود، وهو حل كمالي مستحيل التحقق في نهاية المطاف. وهو يتطلب من المترجمين - حتى لو تساووا في الملكة والأداء - ما لا تقوى عليه اللغات بوصفها ثقافات وأوجه استعمال في نهاية المطاف.
وعلينا البحث بالتالي عن نظرية أخرى للترجمة :
- أن تكون أكثر واقعية ولكن من دون أن يعني ذلك اجتنابها للتشدد في تطلباتها اللغوية والفنية والثقافية.
- ان تكون أكثر قرباً كذلك من أحوال اللغات في تبادلاتها، من دون أن يعني هذا، لا التخالط التبسيطي ولا التباين الافتعالي بينها.
- أن تكون أكثر قربا من احوال اللغات في تناقل حمولاتها، فتكون دورة التناقل حيوية وتخصيبية.
وهو ما نجده في مفهوم «التوسط» لا الترجمة. ويعني «التوسط» إنهاء علاقة الأول بالثاني، والأصل بالتابع وأن نعتبر النصين (المطلوب ترجمته وترجمته) متوازنين ومستقلين في آن، على الرغم من ادراكنا بوجود نص للترجمة وبوجود نص مترجم عنه. ويؤدي الى النظر الى «التوسط» على أنه واقع بين نص الترجمة، من جهة، وبين بنية لغوية ومترجم محدد ذي أداء لغوي، من جهة بانية، والتوسط في هذه الحال يعني الانفصال والاتصال في آن، على أن الاتصال، هنا يتخذ شكلا وحيدا، وهو انتقال النص من لغة باتجاه لغة أخرى، هو لا ينتقل بل يتجه، وهو يصل من دون أن يحل في عين المكان، بل فيه وخارجه في آن. وهذا يعني أن علينا أن ننظر الى النص الذي نترجمه على أنه تحقق نصي للممكنات الموجودة في اللغة، ما يدعو المترجم الى دراسة هذه الممكنات في لغة الاستقبال. وهذا يؤدي أحيانا - كما نعرف، وكما يحدث لبعض المترجمين أحيانا - الى أن يكون النص المستقبل ابلغ وأجمل وأمكن، في مجموعه، في بعضه، مما هو عليه النص الذي نترجمه. ونكون بذلك قد قلبنا قلبا تاما نظرية الترجمة التقليدية، إذ ان الأول أصبح الثاني، والثاني أصبح الأول، ولم يعد التباين قائما على الأمانة في النقل، بل على التفاضل، إذا جاز القول، بين الممكنات التعبيرية، ووفق هذا المنظور تصبح الترجمة أقرب الى التأليف منها الى النقل، ويدخل نقد الترجمة، وفق مقتضيات هذه النظرية الجديدة، في نقد النصوص عموما، بما فيها من جانب «تناصي» كذلك.
هذا ما خبرته في الترجمة عموما، ولا سيما في ترجمة شعر شديد نفسه، إذ بدا لي أنني أزيد عليه، وأنني أتخفف منه، من دون أن أقصد ذلك. وهذا يعود الى أن التركيب في شعرها يستند الى مواد غزيرة في منطلقها، وشديدة الحذف في حاصلها، ما يجعل العبارة الشعرية محدودة العدد وقوية الدلالة، أشبه بأحجار قليلة ذات احتمالات تركيب وتعيين في المكان، عديدة ومتنوعة. هذا لا يعني أن شعرها ينهل من الفكري، أو الذهني، بل من «تحققات» تلحظها العين واللمسة أحيانا، أي من تحققات تؤدي اليها اعتقالات الذات في المشاهد البشرية، يوميا وفي حركاتها المستديمة والمتتابعة، هكذا نراها تتوقف عند «المدن» أو عند "الطعوم" وعند موضوعات يمكن لنا أن نعتبرها موضوعات مدبرة ومختارة للمعالجة والصياغة إلا أننا نتحقق، في حاصل الأسطر الشعرية، مما تحمله وتعرضه، من كونها قد نهلت من معين مشاهداتها وانفعالاتها ومما جرى في هذه اللحظة، أو في سابقاتها. بل يبدو لنا أن قراءة شعرها، والقيام بترجمته خصوصا، يوضحان لنا حقيقة التركيب الشديد الذي تقوم عليه القصيدة، والذي يخفي غالبا العمليات العديدة التي قامت عليها توليدات القصيدة وتدفقاتها وعروضاتها، وتوضح لنا قراءة شعرها، وترجمته خصوصا، أن التركيب ذد البناء التجريدي أحيانا أو الذي لا تتضح حسيته أو مشهديته التامة في قصائدها يخفي في «الطرق المختصرة»، طرق التركيب والتكثيف التي انتهت اليها معالجات الشاعرة لشعرها في «مختبرها»، العديد من المعاينات الحسية والمعايشات الحارة وترددات التجربة.