من يترجم من؟
أعاود طرح هذا السؤال على نفسي غير مرة، وفي سرية: مَن يترجم من؟ سؤال متكرر: مَن يكتب مَن؟ مَن يترجم مَن؟ ما الكتابة وما الترجمة في علاقاتهما الخفية؟
أحد الدارسين، ن. غودمان، حار في الإجابة عن السؤال، بل اختصرها في معالجات لها أن تمحض الأولوية، أو الأسبقية في العناية، سواء للمباني الإيقاعية أو النحوية أو البنائية أو الدلالية أو للمشاعر التي تحملها القصيدة. وأنا لا أوافقه الرأي تماماً، في تفصيل هذه المشاكل، ذلك أن المترجم، إذ يترجم، يتكفل بالمعالجات كلها، وله فيها نجاحات متباينة. لا يقوى المترجم على تلبية حاجات الترجمة كلها في القصيدة، إذ أن المعنى ينزلق، هنا وهناك، هو عينه أو مختلفاً عنه، أميناً غالباً وغير شبيه غالباً أيضاً. المترجم يفشل أحياناً، ويجيد أحياناً أخرى، مقترحاً ترسيمة نصية، جديدة في صورة ضمنية.
هذا ما خبرته بنفسي في الترجمة بوصفها تجربة نقل على أنها تجربة كتابة. هذا ما عايشته عند قيامي بترجمات لرامبو أو سنغور أو سيزير وغيرهم، حيث الألفاظ تشع في تعددها، وفي غير اتجاه. هذا محبط للعزيمة ومنشط لها، وهو صعب ومحيي، في آن. هكذا اعترفت في تقديمي إحدى ترجماتي بأنني أترجم ما لي رغبة في تملكه، في جعله خاصتي.
ذلك أن الترجمة تُعلِّمنا بأننا نقوى على كتابة الشيء عينه، أو ما هو قريب منه، ولكن في صيغة مختلفة، مغايرة. وما نسميه «النص» لا يعدو كونه «الحاصل النصي». وبعض اللسانيين يتكلمون في سياق آخر عن الصيغة «المثلى» للنص، التي يتم بموجبها العمل على نص، لتحسينه وبلوغه مقادير عالية من الجودة، فيما أنظر إلى النص نظرة مختلفة تُبعد عنه الشبهة أو الأمانة بين ما هو مترجم وما هو أصيل. ذلك أنه إذا كان النص الترجمي حاصلاً نصياً، وهجيناً بالضرورة، فإن النص الأصيل لا يعدو كونه، هو الآخر، حاصل عمليات تنصيصية، مشطوبة، معدلة، محوِّلة، محسِّنة، مستبقاة في صيغتها الثبوتية الأخيرة. والمترجم يكابد بدوره، مثل الشاعر، ولكن في صورة مغايرة، وهو ينتج مثله نصاً كذلك.
هكذا أرى إلى الترجمة، أو أصرفها، في صيغها المختلفة، على وزن: «امتحن»، الذي أحتفظ بدلالاتها كلها من الفرنسية: وضعُ الأشياء قيد الامتحان، التحققُ والتعرف إثر تجربة شخصية، الانصياعُ إلى امتحان رغبوي، مكابدة اللذة، حاصلُ عمل بعد تجريب، كما في تجارب الطباعة أو الحفر الفني وغيرها.
إلى هذا، فإن الترجمة تبدد وهمَ التماثل بين نصين، بين نص معطى وآخر للإتيان، ذلك أنني لا أنتج عند ترجمة الشعر سوى نص مختلف، فيما هو أمين. ذلك أننا إذ نترجم، نضع نصاً في لغة أخرى، ابتداء من حاصل نصي. سبق للشاعرة الروسية مارينا تزفيتاييفا أن كتبت إلى ريلكه في صيف العام 1926 عن تداخل الحياة بالشعر، أشبه بالترجمة نفسها، واستعملت لفظاً إلمانياً يشير في الوقت عينه إلى اقتفاء خطى شاعر قبل أن يطويها العشب النابت في طريقه. كما يحلو لي، في السياق عينه، أن أستعيد المنابع الدلالية المختلفة للفظ »ترجم« في العربية، إذ أنها تشير إلى النقل من لغة إلى أخرى، إلى الحديث عن آخر، وعن النفس، فضلاً عن أن الترجمة تعني أيضاً سيرة فلان (...).
الترجمة لا تعدو كونها ممارسة ذات قواعد في أحسن الأحوال، وما حازت بعد شرفُ الانتماء إلى ممارسات كتابية حاملة للمعنى. وهي ليست، بعدُ، سوى قريبٍ مدقع الحال، سوى طيف مشبوه، مركونٍ في وضعية انتظار، أمام شرطة حدود لا تتوانى عن فحص هويات الواصلين.
يحق للترجمة، بل تستحق الفوز بمكانة أفضل في الدراسات التي لها من النص، أي نص، غرض لها. وسيكون لها عندها أن تدرس هذه الحال: الابتداء من نص، النص-المصدر أو المرجع، وبلوغُ النص الترجمي، النص المستهدَف. وهي حال منتجة نصياً، وللمعنى، وفق منظور «تكويني» في الدراسات اللسانية. ذلك أن الترجمة ليست إعادة كتابة نص، حتى وإن تكتبه بالضرورة. هكذا يمكن تفسير وجود ترجمات مختلفة لنص واحد، ووجود ترجمات متباينة الجودة للنص عينه. ولهذا يكون مترجمو الشعر شعراء في الغالب.
هكذا محض ميلان كونديرا رواياته المترجمة إلى الفرنسية القيمة عينها التي لرواياته المكتوبة في التشيكية. بل أكثر من ذلك: ميشيما، الكاتب الياباني، أفاد في غير مرة عن تفضيله أعماله المترجمة إلى الإنكليزية عليها في لغتها الأصلية (...).
هكذا يتوجب علينا طرح النصاب اللساني للترجمة، ولمكانتها المنسية والمهمشة بين غيرها من الممارسات المنتجة لمعنى. ذلك أن النص الترجمي لا يُنظر إليه، ولا يُعتبر، بوصفه بالغاً أو مكتمل التكوين، بل هو علامةُ حضورِ الآخر ليس إلا، أي النص الأصلي. ولا يمتلك النص الترجمي كذلك قوامه النصي إلا تحت نظر الآخر. ومع ذلك يقوم النص الترجمي بنفسه، ويوافق إمكانات اللغة وما تتيحه، وله كذلك أن يلائم قواعد الكتابة في لغة الاستقبال. أشدد، إذن، على لزوم التفكير في نصاب مناسب للنص الترجمي: أين لنا أن نضعه في قوائم النصوص؟ كيف لنا أن نحدده بوصفه نسخة عن غيره وقائماً بنفسه في آن؟
هذه الأسئلة، وغيرها، تلامس الترجمة بوصفها ممارسة ذات قواعد، وبوصفها أيضاً حضوراً نصياً يعيد إنتاج اللغة في أخص ما يحددها، في انتظامها كما في تفردها. هكذا تسهّل الترجمة إمكانات التواصل، ولكن من دون أن تعيد إنتاج، لا الكتابة، ولا اللغة (...).
هكذا يكون مترجم الشعر خائناً بالضرورة: يستعيد القصيدة فيما يعرضها على غيره، في إجماليها أو في أقسامها، مساوية أو أقل لما كانت عليه، أقوى أو أقل شاعرية. ألا يكون المترجم بذلك مهرباً، سرياً أحياناً؟ وماذا عن الشراكة التي يقترحها؟
والحديث عن الشراكة، عندي، حديث عن الحدود، عن نقطة بعيدة يمكن الوصول إليها من دون تجاوزها، أو الإطاحة بها. «شراكة»، لفظ بمفاتيح عديدة. لفظ متناقض ومتعدد، حامل نزاعات وتداخلات. ويمكن للشراكة، على أية حال، أن تكون ملتقى طرق، لقاء، لا اصطفافاً بأية حال. كلمات، أشياء، وأفعال تدعونا كلها إلى تقاسم أجزاء من أنفسنا، وتُعَيِّننا مثل شركاء. الحدود هي ما يفصل بيننا، وهي ما يجعلنا نلامس بعضنا البعض.
هذه الشراكة-المخاصمة، أعيشها في جسدي، في أفكاري، وعلى غير مستوى: لا تتوانى هذه الشراكة-المخاصمة عن إحالتي على وحدة ما، على وحدة وهمية، وعلى تعددية متموجة. هذه الحال تقيمني في أوضاع، في حالات، وتحددني مثلما تتعداني، تطلقني فيما تمسك بي، وتجمعني فيما تنشرني. الاشتراك، إذن، من أجل تفادي اجتناب أي شيء، ومن أجل تفادي الإغضاء عن النفس.
(جامعة مارك بلوك، ستراسبور-فرنسا، أيار-مايو 2005).