مع حسام أبو إصبع : الترجمة عملية اصطلاحية

للشاعر والناقد والأستاذ الجامعي الدكتور شربل داغر انشغال أصيل بالترجمة، ولا سيما ترجمة الشعر ورسائل الأدب، وهو ينظر إلى العمل بالترجمة بصورة مميّزة غير تقليدية. وحول موضوع الترجمة يقول:
«أجد أنّ الترجمة لم تحز بعد على نصاب دراسي يخصّها في الدراسات اللسانية عموماً، وتبدو مثل معدم معزول أو مبعد عن الإنجازات المتحقّقة في اللسانيات عموماً، وفي فروعها التطبيقية المختلفة. فلا وجود في الدراسات اللسانية لنصاب الترجمة للنص المترجم بوصفه مبنى له كيان وله سمات تحدّده. وأجد أنّ دراسة نصاب الترجمة مفيد للترجمة، بداية، إذ أنّ نقد الترجمة أو التفكر في مسائلها يقتصران في غالب الأحيان على نقد تطبيقي لحاصل عملية الترجمة، وعلى بعض التفكّرات في مسائل الانتقال ومصاعبها بين لغة وأخرى، بل بين ثقافة وأخرى، كما لو أنّ النص المترجم ناقص الهوية، نسخة عن غيره، ولا يتّسم بمواصفات النصّ التام.
كما أجد، من ناحية ثانية، أنّ نقد الترجمة يفيد في دراسة النص عموماً، وأيّا كان ذلك، فنحن إذ نراقب مسار الانتقال بين نص وآخر، فإنّه يضعنا تماماً في مجرى العمليات التنصيصية أي كون الكتابة مجموعة من الاحتمالات الكتابية، والتي تنتهي إلى ما أسميه الحاصل النصي، وهذا الحاصل يصبح نصاً بمجرّد ما أن يثبته القيم عليه، أي المؤلف، ويشرعه ويتبنّاه بأن يضع اسماً علماً عليه، وهو الاسم العلم الذي قد يكون عائلياً أو فنياً. لهذا أجد أنّ نقد الترجمة مفيد على غير صعيد ولا سيما في النصيب المعرفي، إذ أنّه يشير إلى تحقيقات لغوية مختلفة لكلّ تحقّق منها كيان، وإن لم يثبت في نص مشرع. وفي ذلك يكون نقد الترجمة مجالاً نتحقّق فيه من خرافة الماهية والأصل، فلا يكون النص تجسيداً لماهية أو إعلاناً لأصل بل هو مدوّنات مختلفة فيها مقادير من الوجود، بين التحقّق والتشهي، بين الحصول والتوهّم، بين المعاينة والرغبة. ونرى في ذلك أنّ نقد الترجمة، يكشف لنا عن الكائن الإنساني بين الوجود واللغة».
ويعلّق الدكتور داغر:
«قد يوهم قولي بأني أميل إلى التخفّف من الشروط الأخلاقية والتقنية التي تقوم عليها الترجمة، فأفيد أنّ هذا لا يعين مسعاي، وإن كانت تستبدّ بالمترجم – بي أنا على الأقل – رغبة التأليف ابتداء ممّا يعرض لي من عمليات تنصيصية أثناء عملية الترجمة. وفي هذا المجال أميّز بين نوعين من الترجمة: ترجمة تميل إلى تثبيت اللغة، والأخرى إلى تكثير اللغة. وفي معرض النقل، فنحن نعرف أنّ ترجمة العلوم الإنسانية – على سبيل المثال – تجتهد في بناء المصطلح وفي تثبيت المعاني الدقيقة للمفردات، وهذا ما يصحّ في لغة القانون، كما في لغة البحث الأدبي، وهذا ما يصحّ أيضاً ولو بدرجة أقلّ في ترجمة الأنواع الأدبية ما خلا الشعر. ففي الرواية والقصة والمسرحية مواصفات فنية قد لا ينجح المترجم دائماً في نقلها، وفي صورة تامّة، من لغة إلى أخرى، إلاّ أنّ جهده يبقى منصبّاً على معانيه، وجُملُه تتّسم ببنية قابلة للمعاينة وللانتقال. أمّا ترجمة الشعر فهي تماماً على خلاف مع الترجمة الأولى التي ذكرناها».
ويضيف:
«الشعر كما نعرف يمتحن اللغة أساساً، ليس في تكويناتها العامة فحسب، وإنّما أيضاً في دقيقها وخفيها. فالشاعر يعرض اللغة السابقة المستعملة إلى ما يجدّدها في دلالات وتراكيب، هي خلاصة ما يصبو إليه الشعر ومترجم الشعر، وبالتالي يقع أمام هذا المجال اللغوي الملتبس والمشع في آن: فكيف للمترجم في الشعر أن ينقل الدقيق والخفي إذا كان هذان يختلفان بالضرورة، بل يشكلان ما يمكن أن نسمّيه - عملاً بقول الناقد العربي القديم - "فروق اللغة"؟ كيف لمترجم الشعر ألا يقع في التوسط؟ فاللغات تتطابق أو تتشابه في المعاني الاعتيادية، إذا جاز القول، ويزداد تباينها بمجرّد ما أن نتقدّم باتّجاه الدقائق اللغوية. كيف لمترجم الشعر أن يبقى بمنجاة عن غواية الدلالة التي تخرج أمام عينيه في عملية الترجمة مثل لؤلؤة في محارة؟ لهذا أجد أنّ التوسّط، لا النقل، هو الصيغة الواقعية لترجمة الشعر دون أن يعني هذا أننا نكتب القصيدة من جديد.
اخترت في عدد من ترجماتي أن أنحو بها إلى عالم الرسائل الأدبي. هذا يصحّ في عملي على رامبو، وفي كتابي عن ريلكه الذي انتهيت من ترجمته قبل أسابيع قليلة. ففي هذين الكتابين عدت إلى رسائل كتبها الشاعر أو تلقّاها، سواء تلك التي صنّفت في الآثار الكاملة لكلّ من الشاعرين، أو غيرها ممّا عثرت عليه في كتب آخرى مزامنة، أو في حالة ريلكه إلى رسائل جرى الكشف عنها في السنوات المتأخرة بعد صدور أعماله الكاملة. لقد عملت في هذين الكتابين على إعداد الكتاب في شكلٍ يكاد يشبه التوليف النصّي، أي أنّني لم أترجم الرسائل، بل ترجمت بعضها تامّاً وبعضها منقوصاً، بحيث يأتي من المجموع المترجم منظور كتابي، أو منظور ترجمة، وفق أحد معاني الترجمة في العربية: ترجم له أي كتب سيرته. ووقوفي على الرسائل في هاتين الحالتين هو اشتغال في الترجمة، إذ أنّني أتحت لنفسي – وقد استعرضت الخطين الموازيين من الرسائل والشعر، ومن الحياة والأدب – أن أراقب العلاقات والعمليات بين هذين الخطين، أي العلاقات والعمليات بين ترجمة الحياة إلى كتابة، وبين فعل الكتابة في الحياة. ففي كتابات ريلكه انغماس في الشعر وكتابة عنه على أنّها (هذه الكتابة) مصاغة بمعنى ما من جرّاء التجارب في الحياة. ولا يعني هذا في واقع الأمر أنّ الأدب تدوين للحياة، وإنّما يعني أنّ للأدب علاقات لها عند بعض الشعراء من المكاشفة في استبيان الصورة ومن قراءة المدونة بعد حصولها. وهي علاقة تقع في تقديري في صميم الحداثة، إذ أنّها تقيم علاقة الشعر بالزمن وتخفّف أو تسقط الأفعال والتصورات المسبقة عن القول الشعري، إذ أنّ الشعر في هذه الحالة يريد أن يتدبّر نصّه في صورة فردية وحاسمة، لا أن يكون مجيداً في قالب، هو ما تفرضه الجماعة بمعنى ما في قوالب وأطر وأغراض، بل في طقوسية اجتماعية، نتحقّق منها، وخصوصاً الشعر العمودي».
ويجيب الدكتور داغر عن مدى مطابقة عمله مع مقولة فلتر بنيمين الشهيرة عن كون الترجمة إحياء للنص:
«في هذا القول الشهير ممّا أراه في دوري بالترجمة، وهو ما عرضته أعلاه إلاّ أنّني أحذّر من المنظور الذي يقوم عليه هذا القول، إذ أنّه منظور ماهوي خلقي ينظر إلى النص وفق علم الأحياء بين الموت والحياة، غير آخذ بعين الاعتبار إمكانية الإحياء التام. فنحن لا نحيي النص تماماً، وهو ليس ميتاً تماماً لكي نحييه، وإنّما نحن نتلقّى نصوصاً وفق بنيتنا اللغوية والمعرفية، بما فيها من ملكة ومن كفاءة، ونسعى إلى كتابته.
حدث لي ذات مرة في المقرر الدراسي للترجمة الأدبية في جامعة البلمند أن أجريت امتحاناً طريفاً مع طلابي، إذ عرضت عليهم مقطعاً من فصل لغسان كنفاني مترجماً إلى الفرنسية، وطلبت منهم نقله إلى اللغة العربية، وأجريت العملية بالعكس على مقطع آخر من الرواية، ثم أجرينا نقداً لترجماتهم في الحالتين، وانتهينا مرة أخرى إلى أنّ الترجمة لا يمكن أن تكون تامة إلا في المثال، وإنّما هي في أفضل أحوالها نقل اصطلاحي ليس إلاّ.
وفي هذا تشبه الترجمة طبيعة اللغة، أي أنّها ليست فعلاً طبيعياًَ صادراً في صورة إحيائية بيولوجية أو طبيعية، وإنّما هي عملية اصطلاحية يتمّ التوافق عليه ضمن الجماعة اللسانية الواحدة.
وحول رأيه في المقولات التي تطرحها اتّجاهات ما بعد البنيوية لا سيما تشكيكها في الكثير من المفهومات الأساسية كالماهية والأصل وانسحاب التشكيك على الترجمة من حيث انعدام الحدود بطبيعة الحال، يقول:
لا أذهب إلى هذا الحدّ حيث تعدم الحدود تماماً بين الترجمة والتأليف، ولا أستسيغ بالمقابل التأويل المفتوح، بل تراني أقرّب إلى ما قاله "أمبرتو إيكو" في أحد كتبه وفي تعديل لمواقفه في كتبه السابقة، إذ تحدث عن «حدود التأويل»، وبالتالي أتحدّث بدوري عن حدود الترجمة. فإذا قلت بأنّ ترجمة الشعر مستحيلة – وأنا قلت هذا فعلاً في مؤتمر معهد طليطلة للترجمة في نوفمبر الماضي – فإنّ قولي هذا لا يعني أنّ علينا في الترجمة أن نضع النص من جديد ذلك أنّنا في هذه الحالة ننتج النص عمداً ومن جديد، وهو يدخل في التالي في باب التناص، وليس في باب الترجمة.
وأعلم تماماً أنّ هذه الحدود التي أتحدّث عنها إنّما هي واهية واصطناعية في بعض الأحيان، وأعرف أنّ ما يعرض للمترجم الشعري فيه شيء كثير من غواية الشعر هذه، وللمترجم أن يدفعها عنه، وإن كان يسرّب بعضاً من أوجهها، ولكن من دون تعمّد في ترجماته الشعرية».

(مقابلة أجراها حسام أبو إصبع، ومنشورة في "النشرة الإخبارية"، جامعة البحرين، عدد 84، شباط-فبراير 2000).