ماء للشعر، للزمن والرغبة
أجدني كما تقول العبارة العربية: «في فمي ماء». ماء محبوس، مختزن، على ما بدا لي، لتدفقه وجريانه الطيع، إذ تقدمني بل رسم لي مجرى أتعقبه. هو ماء الشعر، مثلما تقول العربية، وتشير به إلى ما يتخفف به من عوالقه، وقواعده، وعموده، وما يعطيه صورة الجسم الحي، الحيوي، الذي تمده بها صفات مطلوبة من الشاعر لكي يجيد فعله.
أجدني في فضاء مشع له بلاغة الماء وإنشاؤه كذلك: أي حدود يرسمها الماء، وهو يتغير فيما يتكرر، ويتجدد فيما يتعدد؟ ذلك أن الماء يرسم ويكتب ويدون ويلون ويمحو في الوقت عينه؛ وهو الذي يقبل بحدود ويمتنع عنها في الوقت عينه.
ماء له وجوه الشفافية المتعددة.
مرآة الأعماق، لا الملامح وحسب، والتي تسرد اعتكارات الزمان والرغبات في الوجوه؛ ونافذة تفضي على خارجها، من زاوية في النظر والتعيين والتثبيت.
ماء قدموس، أو عوليس، ماء المغامرة والكشف: ماء الحمولات - حمولات التفاعل والحروب. ماء التناحر بين الجيوش، وماء التفاعل والتأثر المتبادل في آن. ماء يغسل خفة الغزاة وطيشهم، ويستبقي ما حملوه من أدوات تقدم ورفاهية.
ماء له عرباته وجياده وجيوشه وعالمه السري، الباطني، الداخلي.
ماء له بلل العشق، في نداوته وشراسته.
ماء لا لون له، ويقبل الألوان كلها. ماء رقراق، وله قدرة حملِ الأشياء كلها: بمثابة الصفر الذي تتكاثر به الأرقام، والأبيض الذي يعاشر الألوان كلها ويتجدد بها.
صورة الماء تغريني، بما فيها من تكثر وتعدد، من تفلت وانضمام، من تعين في المساحة وتسرب منها. وهي صورة استعارية أو رمزية لما أريد قوله وتمثله في الحدود: حدود الأرض، والثقافات، واللغات، بين الأجناس الأدبية، بين الترجمة والإبداع، وفي النص الواحد، وفي الإنسان، بداية، بين جسده الضيق وأطيافه وأشباحه وصوره وظلاله.
ذلك أن الحدود قليلُها طبيعي وكثيرُها اصطناعي، مفروض، حتى لا نتحدث عن إلزامها العنفي أينما كان: ما يعني أنك خارج الحدود أو داخلها؟ كيف يحدث أنك تتوقف حيث بإمكانك أن تتقدم؟ ما موجبات التوقف إزاء مشهيات التقدم؟ وإذا كانت الحدود، في بعض الأحوال، تعبيراً راقياً عن ضوابط لاجمة لما هو موضوع نزاع وعنف، فإن الحدود تبقى تثبيتاً لما لا يناسب الحال الإنسانية، في حركتها التلقائية، في نزوعها الرغبوي، في طلبها التمدد والانتشار، خاصة وأن الإنسان انتهى إلى أن يكون ذا يدين وقدمين تسعيان، بل تتقدمانه مثل ذواته الكثيرة الناشبة في الوجود أطماعها وشهواتها.
إن مفاعيل الحدود، أينما تحققنا من وجودها، تجانب ما هو في طبيعة التجارب الإنسانية، على اختلافاتها، إذ أنها تصدر عن فوضى، أو عن تشابكات، فيما تسعى الأجناس والأنواع إلى التنميط، إلى الإخراج، إلى الإظهار؛ وهي صياغات مختلفة لمسعى تثبيتي واحد. وإذا كان لنا أن نكشف عن شيء من طبيعة هذه العملية التحويلية التي تنتهي بوضع حدود لما هو في أساسه متفلت وغريزي ومتحرك، فإن عمليات الترجمة كاشفة تماماً عن ذلك. إذ أن الترجمة تقول في حاصلها إننا يمكن أن نكتب الشيء عينه، أو القريب منه، في صورة مغايرة، مختلفة، في كل مرة، عما هو عليه الأصل. بل تقول لنا الترجمة كذلك إنه لا وجود لأصل، بل لتوليف هو في نهايته تثبيت وتشريع لما كان في منطلقه أو في عملياته مجموعة من الاحتمالات، التي لا يقل فيها الواحد أصالة، أي صدوراً عن ذات كاتبة، عن الآخر. تنطلق الترجمة من نص على أنه الذي نبدأ منه، أو انه نقطة وصول أو تحقق، وأنه قابل في نهاية المطاف لتحققات أخرى، هي بعض ما يستبينه المترجم في أحوال الترجمة، إذ يستعيد أحياناً بعض ما عرض للكاتب الأصيل، إذا جاز القول، من أحوال وصياغات وما تدبر من حلول تخفي ولا تخفي ما رتقه أو تدبره.
لهذا أستحسن الحديث عن عملية التوسط، لا النقل، في الترجمة لأنها ترسم واقع العمليات الممكنة بين النصوص، من جهة، وفي النص نفسه، من جهة ثانية. وهو ما تظهره عملية الترجمة، إذ أنها تقوم على وهم التطابق والتكافوء بين نصين، بين نص معطى ونص للإتيان، طالما أننا ننتج دوماً في ترجمة القصائد تحديداً نصاً مختلفاً دوماً مهما كانت درجة الأمانة والتطلب. فنحن حينما نترجم نضع نصاً، وإن ينطلق من «حاصل نصي» (وهو اللفظ الذي أفضله على لفظ النص-الأصل، أو النص الأصيل).
والترجمة تعرض للمترجم في واقعها جانباً كبيراً مما حصل للشاعر عند عملية وضع القصيدة، ومما حصل لها في أحوالها واحتمالاتها، بين ما سقط من حسابات القصيدة أو ما جرى الاحتفاظ به. والترجمة في ذلك استظهار لما خفي من عمليات تنصيصية تقوم عليها كتابة القصيدة، وتردمها أو تحجبها حتى عن أعين الشاعر نفسه، وحتى حين يكون منهمكاً بإنتاجها.
فالقصيدة توليف، حتى أن الشاعر نفسه حينما يزورها، بعد كتابتها، يتنقل فيها متذكراً من دون شك، على أن ما يستحضره فيها يغيب عنه في الوقت عينه، وبات مملوكاً من غيره. لهذا أعين الشاعر بعد كتابة القصيدة بوصفه القارىء الثاني: قارىء، لا تنفعه دعاوى شراكته الأصلية، الخَلْقية، في القصيدة، إذ أن القارىء الأول يجد في ما يطلع عليه بعضاً مما استهدفه الشاعر في الكتابة؛ وهو قارىء ثان طالما أن القصيدة تسبقه إلى خارجها، إلى ما تؤول إليه، وتنتهي إلى أن تكون بيتاً ذا مناعة للساكنين فيه، المؤقتين والدائمين في آن.
ولهذه الأسباب وغيرها أتجنب الحديث في الترجمة عن النقل، وأستحسن الحديث عن التوسط، ما يعني أنني أتعامل مع النص الذي أضعه قيد الترجمة بوصفه احتمالاً نصياً مثبتاً ومشرعاً كذلك (يتبناه اسم علم، وله هيئة حقوقية وأدبية، على الأقل)، ولا أرى بالتالي إلى النص الذي ترجمته بوصفه نصاً ناقص الوجود، ولا ثانياً موصوماً بالخيانة، ولا أرى فيه سمات التشوه والنقص والدونية.
وهيئة الترجمة هي صورة الماء أيضاً، إذ لا تحتفظ تماماً بالحدود عينها، تامةً، لا في اللفظ الواحد، ولا في الجمل، ولا في النصوص، فكيف في اللغات والثقافات! فالترجمة، في ظني، مهمة مستحيلة فيما الممكن هو التوسط، من دون أن يعني هذا التخففَ أو التساهلَ من شروط الترجمة طالما أنها مستحيلة. لهذا أقول إن في الترجمة ما يعود بنا إلى أحوال النص الفعلية، إلى العمليات التنصيصية، إلى كونها عمليات توسط، أياً كانت المواد التي تنهل منها أو الأشكال التي تعترضها أو تتبناها وتقيمها. وهو ما تعيده إلينا صورة المتوسط نفسها، لو شئتُ الاستمرار بهذه الاستعارة المائية التي تتخلل كلامي.
فالمتوسط بحرنا، بل بحيرتنا، على ما يقول غير عالم جغرافي، ذلك أن ما يفصل بيننا أقل من أن يحده بحر، ومع ذلك نجده شاسعاً متباعد الضفاف، مجال تجاهل، إذ يدير كل منا ظهره للآخر، أو يتخذ قبلة وفق مسارات أخرى، فيما يبدو بعض المغرب العربي - لو نظرنا إلى الخريطة - أقرب إلى الغرب مما هو عليه بعض إسبانيا والبرتغال من الشرق. ولم يكن شعراؤنا أكثر كرماً، إذ تبدو مدائح سان-جون برس البحرية غارقة لاستخراج قدامة وثنية وأسطورية فوق مسرح آخر ليس له هيئاتنا؛ كما يبدو المتوسط في غيرها، مثل «شاطىء صغير»، وفق عبارة سعيد عقل في مسرحية «قدموس» الشعرية، هو شاطىء لبنان الحالي واقعاً، وأقل بالتالي مما كان عليه شاطىء فينيقيا.
في بعض الأدب اللبناني تحييز لأمكنة، هي الجبل خصوصاً، بدروبه ومساراته وصخوره وجمالاته الطبيعية، من دون أن تحظى المدينة غير انفعالات عيش فيها، مثل التسكع أو الغربة أو الوحشة. والغريب في ذلك أن شعراء يكتبون عن قرى ما عايشوها إلا صيفاً، أو في سجلات الكتب، بينما نجد قلة يكتبون عن مدن عايشوها وهي غير أمكنة الولادة والمنشأ.
ذلك أن الشعر تقيد بحدود الخطابات المحايثة له، وظل المتوسط مجالاً غامضاً أو مجهولاً نفضي إليه من نوافذ بيوتنا الوطنية والإتنية على أنه خارج مبهم، قد يدعونا إلى خروج غلبة أو طلب هجرة، لا إلى التفاعل: متوسطُ جيوشِ فتحٍ واستعمار، وإن حمل مع طارق بن زياد رسالة، ومع بونابرت مطبعة ومسرحاً ومعارف كثيرة... على الرغم من أننا دخلنا في العقود الأخيرة في تقاطعات ثقافية واقتصادية وأقوامية، أي إنسانية، أشد مما كانت عليه علاقاتنا فيما مضى.
يستوقفني في كلامي هذا كون قدموس يمثل صورة إيجابية، قديمة، في مدى المتوسط، هي صورة الباني الحضاري، إذ ينتقل من ضفة إلى أخرى، وهي عينها صورة أخته، أليسار، التي بَنَتْ، هي الأخرى، بعد أن انتقلت من الطرف الشرقي (فينيقيا) إلى الطرف الغربي (تونس الحالية) من الضفة الجنوبية. وتستوقفني صورة عوليس كذلك، المسافر التياه الذي يخوض في غمار نفسه مقدار ما يخوض في غمار الجغرافيا والشعوب واللغات. وهما صورتان وجدتا في السفر، البنّاء أو التياه، في فضاء المتوسط، مجالاً لتفاعل وتجدد هو عين ما يقوله الشعر، إذ هو - على ما أقول في قصيدة - «أليفتي المجهولة»، طالما أنها تعيننا ولكن بعد وقت، مثل تسمية مؤجلة، مثل اندفاعة موجة آتية.
بدء على عود، على أن البدء تأسيس آخر، لا استعادة ما حصل حيث جرى التوقف أو التراوح في المكان، ما يعني أن العود ليس استعادة، وإن جرى استعارة أحجار من بيت خرب أو متروك. ذلك أن القصيدة استظهار قد يظهر نتفاً من مكان معروف، أو من صورة أو انفعال سبق أن عاهدته القصيدة على لقاء عجول في مكان تتناهب فيه الفضاءَ صورٌ عابرة مثل برق.
... وفي الماء أيضاً دعوة إلى التفاعل، إلى التجدد الحيوي، وإلى أن نكون أكثر قرباً منه، من حيويته وشفافيته: ماء الرغبة في الحياة، وماء الزمن والتغير.
(طليطلة، بدعوة من "شبكة الشعر المتوسطي" و"مدرسة طليطلة للترجمة"، 11-13 تشرين الثاني 1999).