سياسات الترجمة
يقول ابن سبعين في معرض وصفه لعمل ابن رشد في الفلسفة واتباعه الشديد للفلسفة اليونانية: "هذا الرجل (أي ابن رشد) مفتون بأرسطو ومعظم له، ويكاد أن يقلده في الحس والمعقولات الأولى، ولو سمع الحكيم يقول: "إن القائم قاعد في زمان واحد"، لقال به واعتقده، وأكثرُ تآليفه من كلام أرسطو، إما يلخصها وإما يمشي معها".
وتقول مارينا تزفيتاييفا، الشاعرة الروسية، في رسالة وجهتها إلى راينر ماريا ريلكه في صيف العام 1926، في معرض حديثها عن الترجمة: "كم هو أفضل في الإلمانية اللفظ (nachdichten )، فهو يعني، في تتبع طريق شاعر، شقَّ الطريق عينها الذي سبق له أن شقها. فقسم من هذا اللفظ يعين "بعد"، وهناك القسم الآخر الذي يعين الدائم الجديد. ويعني اللفظ بمجموعه بالتالي إعادة شق السبيل فوق الخطوات التي غمرها العشب للتو. إلا أن الترجمة تعني شيئاً آخر كذلك، فنحن لا ننقل فقط لغة إلى أخرى، بل ننقل الضفة أيضاً".
تتقاسم هذا الكلامَ استعارةُ "المشي" في الحالين، وإن تبعد بينهما السنوات واللغات والثقافات. فبعد خطوات ابن رشد وراء أرسطو، نتحقق من خطوات تطلبها تزفيتاييفا وراء ريلكه، إذ تعود – بفعل الترجمة نفسه - إلى شق السبيل الذي سلكه الشاعر، بعد أن غمره العشب، وفق صورتها الجميلة. وهو ما قاله ابن سبعين نفسه، وإن في معرض الذم بابن رشد: فالفيلسوف القرطبي يقلد أرسطو، بل يمشي معه أيضاًَ. وهما قولان يثيران أكثر من سؤال: أكان ابن رشد يمشي فعلاً مع أرسطو ويحذو حذوه "حذو النعل للنعل"، كما تقول العربية القديمة؟ أيقوى ابن رشد على ذلك وإن رغب فيه؟ ذلك أن ما تتحدث عنه الشاعرة الروسية أبعد منالاً مما تعتقد، أو مما تشتهي بالأحرى (على ما كانت علاقتها بريلكه)؛ وهو ما تدحضه نظريات نقد الترجمة، اليوم، ولا سيما في معرض ترجمة الشعر خصوصاً، الذي يبدو في نطاق الترجمة الأقرب إلى الاستحالة والخيانة، كما قيل مراراً وتكراراً. أيمكن فعلاً نقل اللغة؟ بل أكثر من ذلك: أيمكن نقل الضفة؟
و"المشي"، مثل الحذاء والخطوة والاتباع وغيرها، صور واستعارات قديمة لجأت إليها الفلسفة الإغريقية في معرض التوصيف، أو في معرض التمثيل والمحاكاة، مثل الحديث عن "المشائين"؛ وهو ما يمكن التأكد منه في العربية بدورها. وإذا كان ابن سبعين يتحدث عن "تلخيص"، من جهة، فإنه يتحدث عن "المشي" بوصفه بديلاً أو مبالغة في التقليد، من جهة ثانية. وهو في ذلك أقام الكلام بين حد كتابي، هو التلخيص، وبين حد تمثيلي، هو المشي. وإذا كان التلخيص ممكناً، وهو ما يمكن أو يقوى على القيام به مترجم أو ملخص بعد وقت على حصول الخطاب الأول، فإن المترجم أو الكاتب الاتباعي لا يقوى على المشي مع منشىء الخطاب الذي يتمثله: أقصى ما يقوى عليه هو أن يتشبه به، أن "يماشيه" (كما تسمح بذلك العربية أيضاً). لهذا وجب التنبه إلى وجود المسافة بين الخطاب وترجمته، من جهة، وبين اللغة من ضفة واللغة إلى ضفة أخرى، من جهة ثانية. فما نتحدث عنه في هذا الاجتماع يقع في ما حدث بعد، في السعي – كما قالت الشاعرة الروسية – إلى شق السبيل من جديد، بعد أن غمره العشب، في نطاق العلوم الإنسانية، منذ زمن بعيد. هل نمشي؟ هل نتقدم؟
1 : التحقق من السؤال
لا يسعني، في بداية الطريق، سوى البدء بسؤال اعتراضي على ما تعتبره المحاضرة في موضوعها المقترح بديهة لا يرقاها الشك، وهو لزوم الترجمة للمعرفة. وذلك بأن أطرح السؤال التالي: ألنا أن نراهن على الترجمة سبيلاً إلى المعرفة؟ ألنا أن نترجم؟
وهو سؤال يندرج – على ما يمكن التحقق – في تاريخ، وفي مقام، للترجمة، إشكاليين في الثقافة العربية: فإذا كان بعض التراجمة في العهد الإسلامي القديم تنبهوا إلى لزوم ترجمة بعض علوم القدماء، في الفلسفة والطب والهندسة وغيرها، ووجدوا في الترجمة سبيلاً إلى معرفة لازمة ومفيدة، فإن ما حصلوه لم يسلم من النقد، من المفاضلة، حين تبارى أكثر من عالم مع تراجمة في "مناظرات" حول ما إذا كان النحو أفضل من المنطق، والإعراب أفضل بدوره من الفلسفة نفسها. وهم لم يبحثوا في التفاضل وحسب، بل ذهبوا إلى القول بأن هذه العلوم "الدخيلة" لا تقوى على أن تكون "ندية" للمعرفة العربية المتحصلة باللغة وحولها. وهي أكثر من مفاضلة، واقعاً، إذ ترسم حدود جدل يستحق التبين والتفكر فيه، إذ يشير في أحد وجوهه إلى نوع من النسبية المعرفية المبكرة.
وهو خلاف يذر بقرنه في هذه الأيام – ومن جديد - مع الباحث المغربي طه عبد الرحمن الذي يعتبر – على الأقل في نطاق ترجمة الفلسفة نفسها – بأن الترجمة التي يدعو إليها لها أن تتناول "الفروع"، لا "الأصول"، عملاً بتعدد الأصول الفلسفية في الثقافات المختلفة.
وتزيد قيمة مثل هذا السؤال لو توقفت عند "العلوم الإنسانية" المطلوبة ترجمتها نفسها، وراجعت "بداهتها" هي الأخرى، فإذا بي أتحقق – هنا أيضاً – من أن الجدال مفتوح، وهذه المرة في النطاق الغربي، لا خارجه، بين "علوم إنسانية" و"علوم إنسان" و"علوم اجتماعية" (ما لا حاجة لتبيانه وعرضه في هذا المقام الجامعي). ويكون السؤال مطروحاًُ من جديد، وبصيغة أخرى: أنترجم وفق مقتضى أي من هذه العلوم؟ أهي مما يُحتاج إليه أو مما قد يُستغنى عنه؟ وإذا ما كانت الحاجة لازمة، فأين تتعين؟
وهو ما يمكن طرحه بسؤال ابتدائي: أهناك حاجة أو "إلزامية" للعلوم الإنسانية، أي الأوروبية-الأميركية، التي لنا أن ننقلها؟ أهي "الأفق الممكن" والوحيد للثقافات غير الغربية، حسبما يقول الدارس الإيراني جواد طباطبائي؟ ألا يجوز وجود علوم أخرى، بل معرفة أخرى، بغير مقتضى هذه؟ ألا تكون هناك علوم ومعارف، عربية، إسلامية، وغيرها تشمل النطاقات عينها، بعضها أو كلها أو غيرها، التي للعلوم الإنسانية؟
أكتفي بإثارة الأسئلة من دون أن أجيب، لأن درسها يتطلب درساً يتعداني ويتعدى هذه المحاضرة. وهو درس إشكالي، على أي حال، إذ له أن يعود إلى قراءة مختلفة تظهر على سبيل المثال ما لـ"المعاملات" والأحكام الفقهية وكتب الحسبة وسبل التعليل الكلامي وغيرها من صلات بما تتدبره بعض العلوم الإنسانية أو الاجتماعية في نطاقات عملها المشدودة إلى الفعالية الاجتماعية، في الاقتصاد والقانون والحجاج وغيرها. فلا يكفي، في تقديري، القول القديم والمكرور – على أهميته – بأن ابن خلدون قد يكون الوحيد من العلماء القدامى الذي أنشأ علماً أو مقدمات علمية وإجرائية صالحة في بعض العلوم الإنسانية، كما نعرفها اليوم.
ومع ذلك وجب طرح السؤال الذي طرحته في نهاية كتابي "الفن والشرق": كيف يحدث أن باحثاً مثل إدوارد سعيد، في معرض نقده لخطاب الغربيين عن "الشرق"، لم يعد إلى أي دارس مسلم - ولا حتى إلى ابن خلدون -، ولا إلى أي علم إسلامي قديم!؟ وهو السؤال عينه الذي يمكن طرحه على محمد أركون أو محمد عابد الجابري أو حسن حنفي وغيرهم: كيف يحدث أنهم، في مساعيهم المختلفة، المبرزة لتكوينات العقل وأعماله، يعولون - وإن في صورة مضمرة غالباً – على الخطاب الغربي المذكور؟
أعود إلى طرح السؤال عينه في صيغة أخرى: أتكون العلوم الإنسانية (أي الأوروبية-الأميركية) "ناشئة"، وفق ما يقول عنها فوكو، بل أن لها أن "تموت" أيضاً؟ أتكون ناشئة إلا أنها صالحة في أي وقت وفي أي مجتمع؟ كيث يحدث أن ما يدرسه عالم اجتماع في فرنسا، في سلوكات سائقي السيارات في زحمة السير على طرق المرور السريع، على سبيل المثال، يصلح في عدد من قواعده التحليلية والإجرائية في درس مجتمع "مشائي"، إذا جاز القول عن مجتمعات غير صناعية أو غير آلية؟
وهو السؤال الذي يمكن دفعه في اتجاهات أخرى، مدققة: لا يتوانى كلود ليفي شتراوس، في كتابه الشهير "أناسة بنيوية"، عن التحقق من بناء كل من العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، واجداً أن الأولى (أي "الإنسانية") قابلة لأن تكون "عالمية"، فيما تقترب الثانية (أي "الاجتماعية") أو تتركز في نطاقها المخصوص؛ بل يذهب شتراوس إلى تعيين أشد لهما، إذ يصف الأولى (أي "الإنسانية") بأنها "نابذة لغيرها" (centrifuge )، وأن الثانية (أي "الاجتماعية") "جاذبة لغيرها" (centripète ). وهو قول مفيد في مجاله، إلا أنه لا يغيب كون الأولى والثانية تتعينان في "غائية اجتماعية"، حتى لا أقول نفعية. فكيف يحدث لعلوم، إنسانية أو اجتماعية، أن تكون قابلة للانتقال، للترجمة، ولأن تكون صالحة، مناسبة، باستقلال عن "المركز" الذي تنبذ أو تجذب من حوله؟ ماذا عما يحدد هذه العلوم، وماذا عما أوجبها في السياق الغربي؟ أليست علوماً أوجبتها فعالية بل نفعية اجتماعية بعينها؟ وهل تلازم النفعية هذه بناءها المعرفي؟ وما صلة المعطيات الأمبيريقية بالعلوم التي أوجبتها، وكما أوجبتها؟ أهي – أي المعطيات الأمبيريقية – مما يمكن الاستغناء عنه أو مما يندغم في البناء المفهومي، لا الإجرائي وحسب، لهذه العلوم؟
تمايزت مثلما تخالطت الحدود بين العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، بل بينها وبين العلوم الصحيحة أحياناً، فكيف لنا أن نتحقق من الصلاحية المعرفية التي هي محل مراجعة متمادية؟ أيكفي القول بأن العلوم الصحيحة صحيحة لأنها نظريات "ما سيحصل حكماً"، فيما تبقى العلوم الأخرى في دائرة الترجيح والتحول؟
وهي أسئلة لا تتناول النصاب المعرفي لهذه العلوم، من جهة ارتكازها وصلاحيتها، وإنما تتناول – وإن ضمنياً حتى هذه اللحظة – إمكان الترجمة نفسها، وسبيلها الصحيح. أتكون الترجمة نقلاً في هذه الأحوال التي تتداخل فيها بنى العلوم بمعطياتها الأمبيريقية أم تكون أقرب إلى التفسير واقعاً؟ كيف لا، ونحن نذهب بعد ديريدا إلى القول معه بأن الأرقام وحدها قابلة لأن تترجم من دون الحاجة إلى خلفية تاريخية وثقافية لها.
أثير هذه الأسئلة، على أن في استعراضها ما يسهل استبيانها - الأولي على الأقل. أسئلة مثيرة من دون شك، إلا أنها قد تعبر عن ترف نظري أكثر مما تعاين واقعاً معرفياً صعباً وحالياً في الثقافة العربية. ذلك أنني لو طرحت على فرنسي، أو روسي، ما إذا كان يحتاج إلى ترجمة (أو قراءة) بحوث العلوم الصحيحة كما تكتب اليوم في العالم باللغة الإنكليزية، لكان وجد سؤالي غريباً أو غير مناسب. وهو الحرج المعرفي عينه الذي يصيب أي فرنسي أو ألماني أو روسي وغيرهم، اليوم، عند ملاحقة الصادر في علوم الإنسان والمجتمع: أتقوى بعدُ هذه اللغات، على الرغم من ممانعاتها وإسهاماتها اللافتة حتى اليوم في هذه العلوم بالذات، على تجنب الترجمة من الإنكليزية إلى لغاتها المخصوصة؟ ويكفي للتدليل على ما أقول أن أعود إلى ما عرفته اللغة الإنكليزية والفرنسية وغيرها مع إنتاج "الشكلانيين الروس": صدر هذا الإنتاج في الروسية بين 1910 و1930، إلا أنه لم يُعرف في الإنكليزية قبل العام 1955، وفي الفرنسية قبل العام 1965، أي قبل ترجماته: تأخر، إذن، أكثر من عقد إمكانُ استفادة البنيويين، هنا وهناك، من هذا الإسهام المعرفي اللافت. أليس هذا هو الحرج المعرفي الذي يعرفه أي مثقف عربي، بل يعرفه اليوم في صورة ملحة، وهو أنه يحتاج إلى الترجمة من لغات عديدة، وفي جميع الميادين واقعاً.
لهذا قد يكون ما قاله ميخائيل نعيمة في ثلاثينات القرن الماضي هو الأصلح للجواب، فقد كتب وباختصار: "لنترجم" (ميخائيل نعيمة: "الغربال"، دار نوفل، بيروت، ط 15، 1991، ص 126):
"نحن في دور في رقينا الأدبي والاجتماعي قد تنبهت فيه حاجات روحية كثيرة لم نكن نشعر بها من قبل احتكاكنا الحديث بالغرب. وليس عندنا من الأقلام والأدمغة ما يفي بسد الحاجات. فلنترجم! ولنجل مقام الترجمة لأنه واسطة تعارف بيننا وبين العائلة البشرية العظمى، ولأنه يكشفه لنا بكشفه لنا أسرار عقول كبيرة وقلوب كبيرة تسترها عنا غوامض اللغة، يرفعنا من محيط صغير محدود، نتمرغ في حمأته، إلى محيط نرى منه العالم الأوسع، فنعيش بأفكار هذا العالم وآماله وأفراحه وأحزاته. فلنترجم".
2 : خطط الترجمة
طلبت في هذا الطريق أن أتوقف ثلاث وقفات. فما هي الوقفة الأولى؟
تدور الوقفة الأولى حول السؤال التالي: هل ترجمنا؟ ماذا ترجمنا؟ أللترجمة عربياً سياسة، سياسات، بوصفها خطة عمل ذات إجراءات محددة في نطاق ترجمة العلوم الإنسانية؟ وهي أسئلة تندرج طبق التعريف المعجمي الذي يقول بأن "السياسة" هي "القيام على الشيء بما يصلحه". وهذا يحتاج، واقعاً، إلى التعرف العياني على المؤسسات والمشروعات العربية الحالية المعنية بهذه الترجمة تحديداً، من جهة، وإلى التعرف أيضاً على المساعي الدراسية لفحص وتقويم حاصل هذه المجهودات، من جهة ثانية.
لا يسعني في هذه المحاضرة الوقوف المتأني والفاحص لما ترجم في هذا النطاق؛ إلا أنني أطلب في تلمس أول التوقف عند المجهودات العربية الأولى؛ وهو ما أستهله بقول لإبراهيم اليازجي (مجلة "البيان"، القاهرة، السنة الأولى، الجزء الرابع، 1 حزيران-يونيو 1897)، في مقالة بعنوان: "اللغة والعصر": "لو رام الكاتب فيها (في العربية) أن يصف حجرة منامه لم يكد يجد فيها ما يكفيه هذه المؤونة اليسيرة فضلاً عما وراء ذلك من وصف قصور الملوك والكبراء ومنازل المترفين والأغنياء وشوارع المدن الغناء وما ثم من آنية وأثاث وملبوس ومفروش وغير ذلك من أصناف الماعون وأدوات الزينة مما لا يجد لشيء منه اسماً في هذه اللغة". كيف يحصل هذا؟ أما تسعف العربية في تسمية موجودات البيت العربي؟
والجواب عن هذا السؤال وغيره قد نجده في مقالة أخرى له، لاحقة، بعنوان: "التعريب" (مجلة "الضياء"، القاهرة، عدد نيسان-أبريل 1900)، يقول فيها: "ولكنك إذا نظرت إلى حال الأمة العربية في هذا العهد وما انتشر فيها من التمدن الغربي وجدت أنها قد أفضت إلى حال انتقلت فيها عن أفقها الأول دفعة واحدة وهجمت على تمدن فجائي قد نبت في غير أرضها ونمى في غير جوها ولم يبلغ إليها إلا وهو على تمام أشده وكمال كيانه فكان انتقالها إليه والحالة هذه أشبه بالطفرة ووجدت بين أيديها من أنواع الملبس والمفرش والماعون وأدوات الترف والزينة ومصطلحات العلم والتجارة والصناعة والسياسة وفنون الأحاديث والتصورات وغير ذلك ما هو مباين لما عندها".
في كلام اليازجي تحققٌ مأسوي يتعدى اللغة والترجمة ليصيب الوجود العربي نفسه، والذي انتهى إلى التأكد منه، هو وأقرانه في "عصر النهضة": وهو أننا غفلنا، في طور أول، عما كان يحدث في أوروبا "الجارة" - مديرين لها ظهرنا - من تطورات وإنجازات وقواعد وقوانين ونظم، تطاول المجتمع كما الفرد، والعلوم الخاصة بهما؛ ثم ارتبكنا، في طور ثان، في قبول الحادث الأوروبي، في "جوازه الشرعي" في بعض وجوهه (مثل التردد العثماني في قبول المطبعة وسيلة للكتابة، أكثر من قرنين بعد إنتاج المطبعة الصناعية)، ولما سعى البعض، في طور ثالث، إلى تقبله، إلى ترجمته واقعاً، كانت السلطنة العثمانية قد انهارت، ودخلنا في عهد أصبح فيه "حاملُ شعلة الحضارة" صاحبَ الوجه الاستعماري الكريه.
وما عاينه اليازجي هو ناتج ما أحدثه العمل الاستعماري المتمادي في الحياة العربية، وما أحدثه من مباينة بالتالي بين اللغة والوجود. لهذا بدت الترجمة، له ولأقرانه من بعده، سبيلاً إلى العالم، إلى الحياة، فضلاً عن أنها سبيل إلى المعرفة. وهو ما يفسر كيف أن اليازجي وأقرانه عملوا خصوصاً في ترجمة ما سيُطلق عليه بعد عقود: "مصطلحات ألفاظ الحضارة"، لتقريب الفجوة بين اللغة والوجود. وهو ما تفرغ له "مجمع اللغة العربية" في القاهرة، منذ أعماله المعجمية الأولى، وانتهى (بعد عرض مواده في جلسات وجلسات للمؤتمر العام) إلى كتابين، هما: "معجم الحضارة" (من تأليف: محمود تيمور، المطبعة النموذجية، القاهرة، 1961)، ثم: "معجم ألفاظ الحضارة الحديثة ومصطلحات الفنون" (التي عملت عليه لجنتا "ألفاظ الحضارة" و"الفنون" بإشراف: بدر الدين أبو غازي، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة، 1980). وهو ما اشتغل فيه أيضاً مجمع اللغة العربية في دمشق وغيرهما.
ولو عاد الدارس إلى هذه الترجمات المختلفة، التي تجمع ألفاظاً متفرقة في ميادينها، لوجد بعض الترجمات الأولى لمصطلحات أساسية في العلوم الإنسانية، ولا سيما في الجوانب اللغوية والأدبية والتشكيلية وغيرها. ولو عدت إلى بعض هذه المسارد لوجدت ألفاظاً مهمة وسارية في الكتابة العربية حتى اليوم، مثل:
- البيئة والحساء والحوذي والدراجة والطلاء والمأساة واللولب واللهاة وغيرها لإبراهيم اليازجي؛
- الجريدة والسلك البرقي وسكة الحديد وأسماء بعض الحيوانات لأحمد فارس الشدياق في كتابه: "شرح طبائع الحيوان"؛
- الصرح والطبقة والشقة والبهو والردهة والسرداب والعتبة وأنابيب الماء والمدفأة والموقد والدهليز والمصعد والطابق وغيرها لأحمد رضا؛
- الغواصة والدبابة والرشاش والنواة والأحافير والصحافة وعلم النفس والمثال الأعلى ومناجاة الأرواح ومذهب التطور والتنويم والمغناطيسية والوسيط واللاسلكي وعلم الأحياء والكحول والمستشفى والشهوات والمدرج وغيرها ليعقوب صروف...
إلا أن عمل مجمع القاهرة لم يقتصر، في نوع آخر ولاحق من مهامه، على ذلك، بل بلغ مرحلة إعداد المعاجم المتخصصة، مثل إصداره "المعجم الفلسفي" و"مصطلحات التاريخ الإسلامي" وغيرها. وهو ما قامت به – وإن في حدود أقل- مجامع عربية أخرى، وهو ما استكمله خصوصاً "مكتب تنسيق التعريب" في الرباط، الذي أصدر في السنوات الأخيرة عدداً واسعاً من المعاجم الداخلة في الإنسانيات والاجتماعيات، مثل:
- المعجم الموحد لمصطلح اللسانيات (1989)، وفيه 3059 مصطلحاً:
- المعجم الموحد لمصطلح الآثار والتاريخ (1993)، وفيه 3018 مصطلحاً؛
- المعجم الموحد لمصطلح الفنون التشكيلية (1999)، وفيه 1524 مصطلحاً؛
- المعجم الموحد لمصطلح الإعلام (1999)، وفيه 3428 مصطلحاً.
ولو تابعت قيام معاجم متخصصة في هذا النطاق لوجدت بأن عدداً منها توافر في العقود الأخيرة، مثل: "معجم العلوم الاجتماعية"، لإبراهيم مدكور (القاهرة، 1975)؛ و"علم الاجتماع وعلم النفس والأنتروبولوجيا الاجتماعية" لرشدي فكار (باريس، 1980، أربعة أجزاء في مجلدين)؛ و"معجم علم الاجتماع" لدنيكن ميتشل وترجمه إلى العربية إحسان محمد الحسن (بيروت،1981)؛ و"قاموس علم الاجتماع" لمحمد عاطف غيث (القاهرة، 1979)؛ و"معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية" لأحمد زكي بدوي (بيروت،1987) وغيرها. ومعها يتوجب طرح السؤال: هل تفي هذه المعاجم بالغرض المعرفي المطلوب منها؟
لست في معرض تقويم إنتاج هذه المعاجم، وصلاحيتها، وصحتها في الترجمة، إلا أنني أكتفي بإبداء ملاحظات متفرقة، تتناول تحديد الحاجات والسياسات المناسبة أكثر مما تتناول نقد المجهودات المعجمية في حد ذاتها.
فما يستوقف في هذه المعاجم، بداية، هو أن استهدافاتها متعددة، وتتحدد في إعداد المترجم أولاً، ما يستوجب طرح السؤال التالي: هل تفيد هذه المعاجم في عمل المترجمين؟ وأكاد أجيب بالنفي إذا ما نظرت إلى عمل عدد من الباحثين العرب، ممن يشتغلون في الإنسانيات والاجتماعيات، حيث أنني لاحظت، في عمل أعداد منهم، إقبالهم المجتهد على الترجمة بأنفسهم، من دون عودة إلى هذه المعاجم. أما الملاحظة الثانية فهي ما أطرحه في صيغة سؤال: ماذا عن الاستهدافات التعليمية المرجوة من إعداد هذه المعاجم؟ هل تبلغ هذه المعاجم كتب التعليم، في حال القيام بتعليم العلوم الإنسانية – كلها أو بعضها – بالعربية؟
أما الملاحظة الثالثة - وهي ليست رتبة لها، بل أبقيتها في الأخير للتوسع فيها – فتنطلق من ملاحظتي بأن المترجمين يعملون في الغالب على ترجمة ألفاظ، وأحياناً بما يناسب اللفظ في حد ذاته، وليس في الشبكات اللغوية والمعرفية التي يندرج فيها، والتي له أن يندرج فيها في انتظامات مفيدة لغة ومفهوماً وثقافةً. وأدلل على هذه المشكلة بثلاثة أمثلة:
- يرد في الكتابات العربية المتعلقة باللغويات والسيميائيات لفظان على الأقل للفظ (signe, sign )، وهما: "العلامة" و"الدليل". وما يمكن ملاحظته هو أن اللفظ الأول (أي "العلامة") راج في البداية، وبقوة، من دون أن تواجهه اعتراضات ذات معنى؛ ثم راج بعده المرادف الآخر، أي "الدليل". ومن الواضح أن استعمال لفظ "الدليل" تواجهه اعتراضات، ليس أقلها وجود معان عديدة لهذا اللفظ في العربية، بل وجود معان تبخيسية له (مثل "الدليل" للمرشد، أو للقرينة في التحقيقات القضائية وغيرها) إذا ما قورنت بالمقام العالي الذي لمعنى "الدليل" في علم السيميائيات. إلا أن للفظ "الدليل" – لو استكملت المتابعة - في استعمالات عربية أخرى وقديمة دلالات مناسبة للمعنى الأجنبي، ليس أقلها وروده، ووفق التعيينات الأجنبية نفسها، في كتابات الجاحظ أو عبد القاهر الجرجاني وغيرهما. فما العمل؟
لست في معرض الفصل، ولا البت، في هذا النزاع، إلا أنني ألاحظ بأن استعمال "الدليل" بدل "العلامة" يوفر لهذا اللفظ الاصطلاحي "استقراراً" لغوياً ومفهومياً راسخاً في الثقافة العربية، كما يوفر لهذا اللفظ حلولاً هيناً في شجرة عائلية بينة، مثل: "الدال" و"المدلول" و"الدلالة" و"التدلال" وغيرها الكثير.
- ترد في الكتابات العربية، في نطاق الفنون التشكيلية، ثلاثة ألفاظ على الأقل لتسمية (arts figuratifs, fuguratif arts )، وهي: الفنون "التشخيصية" و"التشبيهية" و"الصورية" (التي اقترحها الدكتور محمود أمهز). ولقد اتضح لي – بعد مراجعة عدد من المعاجم – أن مجمع القاهرة يفضل استعمال لفظ "التشخيصية"، وهو ما يقره "مكتب التعريب" في الرباط، ويضيف إليه في التعريف عينه اللفظ الآخر: "التشبيهية"، من دون أن يبت بالأمر، حيث أن عمله "التوحيدي" (كما رُسمت سياسة عمله) يقوم على التجميع في هذا العمل، لا على البت، على ما يظهر. فهل أدعو إلى البت مثلما أدعو إلى كتابة "الفن التشبيهي"؟
لست في معرض سجال، ولا في معرض بت في المسألة، بل في معرض استبيان أفضليات هذا اللفظ على ذاك. فما يمكن القول؟
إن عودة إلى الدلالات المختلفة لهذا اللفظ في الفرنسية تحديداً (من خلال معجم "الروبير" الجديد) تظهر وجود دلالات مختلفة ومتعاقبة له، منها ما يدل: على "شكل أو ملمح" في استعمالها اللاتيني القديم، وعلى "رسم شيء وخاصة هيئة الإنسان"، وعلى "شكل الوجه الإنساني"، وعلى الأسلوب الفني المخالف للتجريدية وغيرها الكثير. ويمكن ملاحظة حصول "تقريب تداولي" (حسب استعمالات طه عبد الرحمن) بين معنى هذا اللفظ الأجنبي وبين تقرب العرب منه؛ وهو ما وجدوه خصوصاً في صورة الشخص، في "البورتريه" (أي "اللوحة الوجهية"، كما أسميها) الأوروبي، وهو التصوير غير المعروف على هذه الشاكلة في التقليد الإسلامي. ويتضح كذلك أن استعمال اللفظ "التشخيصي" يتقيد بجانب ضيق ومحدود من معاني اللفظ-المرجع، فيما يطلب هذا اللفظ - حتى في معرض تعيينه لصورة الهيئة البشرية - شيئاً فنياً أوسع (قد يقوم على تصوير شيء، كما سبق العرض). كما يصعب كذلك قبول مقترح أمهز، "التصويري"، لأنه يقترح الكلي، أي التصوير، لتسمية الجزئي، أي لنوع فني بعينه. وأما مقترح "الفن التشبيهي" فقد يجد في العربية، لغة وثقافة وفلسفة، شجرة مناسبة له، تقربه من الشبه والمحاكاة، ومن "المشبهة" التي عملت على وصف الذات الإلهية في عدد من المذاهب الإسلامية، وغيرها من دلالات الشبه العديدة في العربية.
- توقفت في المثالين السابقين عند لفظين ما أُخذ في الاعتبار، عند نقلهما إلى العربية، نزولهما الهين والمستقر في الشبكات اللغوية والمفهومية العربية. وسأتوقف لمزيد من الإيضاح – وفي مثل عكسي - عند لفظ ثالث، هو "الابتداعية" كمرادف للفظ الفرنسي والانكليزي (original ). وكان المجمع المصري قد اقترح هذا اللفظ، في مسعى واضح طلب منه إنزال اللفظ الأجنبي وفق مقتضى التداول العربي. إلا أن ما يقترحه المعجم أدى، في واقع الأمر، إلى إنزال غير مناسب للفظ، وإلى تشوش معرفي ودلالي، إذ أن اللفظ العربي المقترح شديد الحمولات العربية والإسلامية المخصوصة، مثل "البدعة" وغيرها، ما يمكن اعتباره تطبيقاً سيئاً لقاعدة مناسبة. كما يتضح أيضاً أن المجمع تجنب ذكر "بدع" و"أبدع" في هذا المجال، عملاً بالتعيين الديني القديم المخصص لهذين اللفظين، وأجاز لنفسه صيغة "ابتدع" بالتالي، وهي ذات دلالة تبخيسية، فيما يشير في الفرنسية والإنكليزية إلى معان أخرى.
لهذا قد يكون الجواب الأنسب على السؤال (ما نترجم؟) ممكناً ليس في التحقق من ترجمة ألفاظ اصطلاحية، وإنما في التحقق من ترجمة الكتب أو المصادر الأساسية في العلوم الإنسانية. إلا أن المتابع لا يقوى – إن طلب - على توفير جواب مناسب على هذا السؤال؛ وهي دلالة غير طيبة في حد ذاتها. ولو عدت إلى دراسة وضعها أحد المترجمين العرب، وهو هاشم صالح ("الترجمة ومستقبل الفكر العربي"، راجعها في كتاب: محمد أركون: "الإسلام، أوروبا، الغرب: رهانات المعنى وإرادات الهيمنة"، دار الساقي، بيروت، 1995، صص 221-257، وتعود في أصلها إلى محاضرة في العام 1992)، لوجدت بأن ما دعا إليه المترجم، بل ما رسمه من خطط ومقترحات لترجمة كتب-أمهات، لا يزال مقترحاً وحسب. فلقد تنبه هذا المترجم، في عمله على ترجمة كتب أركون، إلى نواقص واحتياجات مناسبة لترجماته في ثلاثة ميادين من الكتب، وهي (كما يسميها): الثورة اللاهوتية والدينية، والثورة الابيستيمولوجية، وانطلاقة العلوم الإنسانية. ماذا ترجم من هذه الكتب؟ وماذا ترجم من غيرها، مثل العلوم النفسية التي تحظى – على ما يظهر - بعناية أقل من الترجمات في العلوم اللغوية، على سبيل المثال؟ ماذا يعني هذا؟ أله علاقة بمدى الحاجة إلى الترجمة في التعليم الجامعي تحديداً؟ أتكون الحاجة إلى الترجمات المتزايدة في نطاقي دراسة اللغة والأدب ناتجة عن احتياجات تعليم النقد والأدب في الجامعات بالعربية فيما يتعين تعليم علم النفس والتحليل النفسي بلغات أجنبية، ما لا حاجة إليه في صورة ملحة؟
كما وجب الحديث أيضاً عن عدة مؤسسات عربية جادة تتولى الترجمة. هذا يشمل "مجامع اللغة" كما يشمل مؤسسات حكومية عديدة، فضلاً عن جمعيات ناشئة هنا وهناك، ما لا حاجة لتعداده. وإذا كان لبعض هذه المؤسسات خطط برنامجية في الترجمة، تقوم على اختيارات مدروسة ومعللة في ترجمة هذا الكتاب أو ذاك، في تعرف ميداني لاحتياجات الثقافة العربية إلى مثل هذه العلوم، فإن بعضها الآخر يقوم على مبادرات غير منسقة أو مرتجلة في بعض الأحيان.
وهو ما يمكن قوله في عدد من المؤسسات أيضاً – وإن في صورة أقل – مثل التي تعنى بمراقبة إصدارات الترجمة، أو التحقق من صحتها أو من دقتها، ولا سيما في مجال ترجمة الألفاظ الاصطلاحية خصوصاً.
إلا أن استعراض هذا الواقع الميداني لا ينبىء بعدُ بنهوض أكيد في هذا المجال. بل يبدو أن دعوة نعيمة مثل أقرانه السابقين واللاحقين لم تلق الإجابة العربية المناسبة لها. وإذا كانت القرارات والتوصيات الحكومية العربية متوافرة منذ عقود عديدة، فإن حاصل هذه السياسات يبقى دون المطلوب. ففي العام 1945، وفي أولى قرارات "جامعة الدول العربية"، تم إقرار "المعاهدة الثقافية" بين الدول العربية، ونصت في ما تنص عليه في المادة السابعة على "أن تعمل دول الجامعة على تنشيط الجهود التي تُبذل لترجمة عيون الكتب الأجنبية، وتنظيم تلك الجهود، كما تعمل على تنشيط الإنتاج الفكري في البلاد العربية بمختلف الوسائل". وهو ما يتمناه أي كاتب في العربية، أي مترجم، إلا أن حاصل هذه السياسات لم يف بالمراد. ولو عدت إلى بعض المعلومات المتوافرة عن ترجمة الإنسانيات لوقعت على أعمال معدودة للغاية: فقد أحصت الألكسو بالتعاون مع الاونيسكو 872 كتاباً في مجال ترجمة العلوم المختلفة إلى العربية بين العام 1970 و1975، في خمس دول عربية (تونس والجزائر وسوريا والعراق ومصر). كما قامت المنظمة عينها بإحصاء ثان في العام 1986 عن حاصل الترجمة بين العام 1970 والعام 1980 فبلغ 2840 كتاباً... يمكننا أن نزيد أرقاماً أخرى، وهي تثبت النتيجة ذاتها. وهو ما يقوله أحد التقارير الدولية مؤخراً إذ كشف عن أن نصيب كل مليون مواطن عربي من الترجمات الحالية يوازي كتاباً واحداً، فيما يوازي مائتين وخمسين كتاباً لكل مليون إسباني. بل يذهب بعض الباحثين إلى التأكيد بأن مجموع ما ترجم إلى العربية منذ عهد المأمون لم يبلغ سوى عشرة آلاف كتاب، أي أنه يقل عما تترجمه البرازيل في أربع سنوات.
لا تزال النواقص عديدة وتتزايد باطراد، والخطط الموضوعة – إن كانت موجودة – تنتقل من ندوة إلى أخرى، فضلاً عن أن أكلاف تسيير وإدارة هذه الجمعيات والهيئات تحتل القسم الأوسع من ميزانياتها السنوية. وهي مهمات موكولة أو متروكة بالأحرى للمترجمين أنفسهم، أو إلى بعض المبادرات عند عدد من الناشرين الخاصين أو عند بعض الوزارات. أما العنايات المستجدة بالترجمة (والتي بلغت مؤخراً منح جائزة عربية عالية القيمة المالية للترجمة في العلوم الإنسانية) فما بلغت بعد سوى بعض المجهودات القيمة في "مكتب التعريب" في الرباط. وإذا كان مشروع "الألف كتاب" الذي أطلقه ورعاه الدكتور جابر عصفور، أثناء توليه الأمانة العامة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، يعد من الإنجازات الواعدة في العربية، فإننا لم نلق بعد على المستوى الحكومي العربي مجهودات مماثلة في هذا الشأن. وما يستوقف راهناً في السياسات المالية المبذولة عربياً للثقافة، هو إننا نلاحظ أن ملايين الدولارات تصرف سنوياً في أكثر من بلد عربي، ولا سيما في الخليج، لجوائز التكريم من دون أن تكون هناك ميزانيات تعنى بالتسيير الثقافي أو التنشيط أو الإنتاج الترجمي وغيره.
3 : سلطان الترجمة
طلبت في الوقفة الثانية استكمال الجواب عن السؤال السابق (هل ترجمنا؟ وماذا؟) بالسؤال التالي: أكانت الترجمات نافعة؟ أبلغت العربية ومثقفيها وكتابها؟ أدخلت في الاستعمال؟ أكان لها أثر نافع في تنشيط المعرفة وتقويتها؟
وهو سؤال يقع في ما أسميه بـ"سلطان اللغة"، اي سياساتها، طبقاً للتعريف المعجمي للسياسة، وهو أن السياسة هي "الرياسة"، أي "التكفل بسياسة" الجماعة. ذلك أن حصول الترجمة يستدعي ويتطلب السؤال عن بلوغها، وبأي سبل، إلى الجماعة اللسانية، وتالياً إلى المعرفة نفسها.
تدرس هذه الوقفة ما إذا كان يتوافر عربياً للترجمة "سلطان لغوي" قادر على فرض وتعميم وإشاعة توصلاتها وقراراتها، بين مستعملي اللغة، في نطاق النصوص، وفي المؤسسات العربية المختلفة. والمعني بالإجابة عن هذه المهمة هو "المجمع اللغوي" عادة. وهذا ما يصح في أعمال عدد من المجامع اللغوية العربية – وهي أكثر من واحد لحسن الحظ وللأسف في آن معاً -، التي قامت، ولا سيما المجمع اللغوي في القاهرة، بأعمال ترجمة في نطاق الألفاظ الاصطلاحية، وفي نطاقات علوم إنسانية مختلفة، كما سبق ذكره.
وكان الدكتور أنيس المقدسي قد توقف في إحدى دراساته عند هذه الاصطلاحات التي أقترحها عدد من الدارسين، فتنبه إلى أن إبراهيم اليازجي اقترح 55 لفظاً وأنه بقي منها 20؛ وأن أنستاس الكرملي اقترح 60 لفظاً، وأنه بقي منها مستعملاً 18؛ وأن أحمد رضا وضع 123، وأنه لم يبق منها سوى 14. كما درس المقدسي ما وضعته عدد من المجامع اللغوية فخلص إلى النتائج التالية: وضع "نادي دار العلوم" 123 لفظاً وبقي منها 80؛ وأن "المجمع العلمي العربي" وضع 147 وبقي 120؛ وأن "المجمع العلمي العراقي" أقر 190؛ وأن "مجمع اللغة العربية" في القاهرة أقر 246، وبقي منها نحو 200. كما وجب التنبه إلى أن المجمع العلمي العربي في دمشق قد أعاد النظر في عدد من الألفاظ المقترحة، واقترح بديلاً عنها مما بقي في الاستعمال، مثل: الشرطة (بدل البوليس)، والرقم والعدد (بدل نمرو)، والسجان والإطفائي والدخان وغيرها. وهذه ألفاظ أصلحها المجمع المصري: استمارة، خوان أو مائدة، مكتب، خريطة، ملف، بطاقة، الحاكي، شهادة عالية وغيرها.
إلا أن هذه المجامع – فيما لو قامت بأعمال جيدة في الترجمة – ليست قادرة على تعميم نتائج عملها، حتى لا نتحدث عن فرضها. فهي مجامع متعددة في واقع الأمر، والتنسيق المأذون به بينها لا يكفي لتثبيت التوصلات في الترجمة، ولا إلى جعلها مقيمة ومتوطنة في اللسان العربي. فلا يملك أي مجمع لغوي، في نطاق عمله المخصوص، وفي التشريعات التي تعين مهماته وصلاحياته، السلطان اللغوي الذي لـ"الأكاديمية الفرنسية"، على سبيل المثال، إذ هو سلطان نادر يمكن الأكاديمية من أن تفرض قراراتها حتى على الحكومة الفرنسية، فلا يكون دور الحكومة سوى إذاعة وتثبيت هذه القرارات بالمعنى الرسمي. ولا يتوافر لأي مجمع لغوي عربي السلطان اللغوي الذي للترجمة في كندا، إذ يلزم القانون بعدم نشر أي قانون رسمي ما لم تتوافر له الألفاظ الاصطلاحية المناسبة له (ولا سيما من الإنكليزية إلى الفرنسية)، وفي اللغتين الرسميتين، أي الإتكليزية والفرنسية.
المجمع اللغوي يتكفل، إذن، بجزء من سلطان اللغة، والقواميس العامة هي التي تتكفل بالباقي، أو هي التي تمكن سياسات المجامع من أن تصبح نافذة وسارية في الاستعمال. وهو ما لا تكفله – واقعاً - أي جهة نشرية عربية، حيث أن إصدار القواميس – السنوي في بلاد عديدة، لا في بلادنا - هو الذي يكفل ذيوع الألفاظ الاصطلاحية الجديدة والمقرة، فيما لا تقوم بالضرورة عربياً أي صلات أكيدة بين المعاجم العربية والمجهودات المعجمية الجادة.
لهذا قد تكون الصحافة العربية المجال التداولي الفعلي – فضلاً عن الكتب والندوات المتخصصة - لإشاعة وترويج هذه المصطلحات أو تلك، بكل ما تشتمل عليه هذه العملية من تلقائية ومحاذير. وهو ما يتزايد في العقد الأخير مع قيام مواقع إلكترونية، بعضها متخصص بالترجمة، ما يزيد من البلبلة، وما يفاقم مشاكلها أحياناً. ولو كان أمر العربية مقتصراً على بلد أو على جماعة بعينها لكان امتحان رواج أو قبول هذا اللفظ أو ذاك ممكناً بل مستحسناً أيضاً، إلا أن أمر العربية معقود على بلدان وجماعات وكتاب.
وهو ما يلحظه المتابع – مثلما حصل لي عند إعداد مصادر خاصة بهذه المحاضرة – إذ تنبهت إلى وجود عشرات البحوث والبحوث التي تقول الشيء عينه، بين ندوة ومؤتمر، والتي ترسم السياسات نفسها في الغالب، في نوع من التجاهل بين هذه الجهات لبعضها البعض، أو في نوع من التنافس التأسيسي عند هذه الجهة المسؤولة (أو التي تتوخى الاضطلاع بالمسؤولية) من دون أن تفضي هذه الأعمال أو تلك إلى خطوات أكيدة، سواء في تثبيت لغة اصطلاحية للعلوم الإنسانية، أو في وضع خطوات عملية لرسم هذه السياسات ومتابعتها. لهذا يحتاج الأمر إلى سلسلة مترابطة – على ما أرى – من السياسات، والتي لها أن تعلوها وتتصدرها "إرادة جامعة عربية" لتمكين العربية، والعرب بالتالي، من أسباب معرفتهم في هذا الطور من تاريخهم. وهي "إرادة" غير متوافرة اليوم – على الرغم من مجهودات "مكتب التعريب" الطيبة في نطاق عمله -، إذ يكفي المتابع أن يلاحظ بأن أموراً أبسط منها، وفي توحيد الاتصال العربي، لم تتوافر حتى اليوم، لعدم توافر هذه الإرادة الجامعة. فالعرب يستعلمون أرقاماً وأسماء شهور غير واحدة فيما بينهم، فيما لا يحتاج الأمر إلا لقرارات وليس لاجتهادات وخلافها، ولا سيما في نطاق الأعداد، حيث أن استعمال الحرف العربي – كما في المغرب – له أن يوحد الأرقام بيننا، ويجعلنا على تواصل مع الأرقام المستعملة على نطاق عالمي واسع.
4 : بين الترجمة والتأليف
يبقى أن أشير، في وقفتي الثالثة والأخيرة، إلى العلاقات بين الترجمة والتأليف، وهي تتعين في معنيين:
- يتناول المعنى الأول العلاقات القائمة بين الترجمة والتأليف في ممارسة الترجمة تحديداً، وهو ما يجتمع في السؤال التالي: كيف نترجم؟ وهو سؤال يحتاج إلى تبين العلاقات التي لها أن تنظم الترجمة في عملياتها المختلفة، وتبعاً لسياسات وتدبيرات وأفضليات هي التي تقود عمل المترجم نفسه. وهو ما يجتمع في خياري التالي: أن تراعي الترجمة في عملياتها كون بعض أسبابها تتصل بمنطق التأليف، لا بمنطق النقل وحده. وهو ما أعرضه وأتناوله في صورة حصرية ومدققة في نطاق العلوم الإنسانية. فما موجب القول؟
وجب الحديث عن الطبيعة اللسانية والتأليفية للنص المترجم في العلوم الإنسانية، بتمييزه عن غيره من النصوص وبتحديد طبيعته الخاصة. وهو ما يجتمع في القول التالي: إذا كان مترجم العلوم الصحيحة يعتني خصوصاً باللفظ، وإذا كان مترجم الأدب عموماً، ولا سيما الشعر منه خصوصاً، يعتني بأسلوب الكتابة وبالبناء العام للنص من الناحية التأليفية، فإننا نقوى على القول بأن مترجم العلوم الإنسانية له أن يُعنى ببناء الجملة خصوصاً. ذلك أن جمل النص العلمي الصحيح بسيطة التركيب بالضرورة، ما يجعل ترجمتها قائمة خصوصاً في إيجاد اللفظ المناسب، وهو اللفظ الاصطلاحي تحديداً. فيما يحتاج مترجم النصوص الأدبية إلى ما هو أصعب من ذلك بكثير، لوجود مباينة قوية تنشأ في هذه النصوص بين اللغتين؛ وهي مباينة تحتاج إلى معالجة لا تكتفي باللفظ أو بإيجاد معادل مناسب له، ولا بالجملة وبإيجاد بناء مواز لها، وإنما تحتاج خصوصاً إلى إيجاد مقابل للأسلوب نفسه، أي لمقام النص بالمعنى الفني والجمالي. أما مترجم نصوص العلوم الإنسانية فيحتاج إلى معالجات تتعين بالطبع في إيجاد ألفاظ اصطلاحية مناسبة، إلا أنه يحتاج أيضاً إلى ما هو أبعد من ذلك، مما يقع في الجملة وشبهها: فهو قد يستبدل اللفظ الاصطلاحي أحياناً بأكثر من لفظ واحد، أي بتركيب لفظي، وربما يعمد إلى "نشر" الدلالات المختلفة والمتضمنة في لفظ اصطلاحي كثيف في أكثر من لفظ، بل ربما في جملة، لكي يستوفي نقل حمولاته المختلفة. ولا يغيب هذا عن بالي الانتباه إلى أن بعض نصوص العلوم الإنسانية القابلة للترجمة تحتاج أحياناً إلى عنايات فنية وأسلوبية، عند بعض المؤلفين ممن يولون هذا الجانب عنايتهم في الكتابة. هذا قد لا يصح في نصوص بيار بورديو إلا أنه يصح مؤكداً في نصوص جاك ديريدا.
ولو كان لي تعيين صفة أسلوبية لأنواع النصوص في الترجمة، لقلت بأن الأدب يطلب إبراز "لطائف" اللغة أو "فروقها"، فيما تطلب العلوم الصحيحة "دقة" اللغة أو "صحتها"، وتطلب العلوم الإنسانية "الوضوح" في لغتها.
- يتناول المعنى الثاني العلاقات بين الترجمة والتأليف بوصفهما خيارين متلازمين في تنشيط المعرفة، ما ألخصه في الشعار: لنكتب.
فبعد أن قلت أعلاه: إذ أترجم أكتب بالضرورة، أقول الآن، بل أتحدث عن لزوم العلاقة بين الترجمة والفكر، وهو ما ألخصه بالقول: إذ أترجم إلى العربية – في الحال الراهنة للثقافة العربية – أفكر بها بالضرورة وأمكن اللغة هذه من تجديد قدرتها الفكرية. فكيف ذلك؟
لا يسعني في هذه المحاضرة الإجابة، أو تلمس الإجابة عن هذا السؤال؛ ما يمكنني التشديد عليه هو أن الإقبال على الترجمة مكون لازم لنشأة العلوم الإنسانية في العربية. فمن دون ترجمة هذه العلوم (أو قراءتها للقادرين على ذلك في لغاتها الأصلية) لا تقوى العربية، ولا العربي، على التمكن من هذه العلوم، وعلى الإفادة منها في درس المجتمعات والخطابات العربية: الترجمة مفيدة بل لازمة، إذن، لقيام المعنى.
كذلك فإن بناء المعنى يتطلب – فضلاً عن الترجمة - الكتابة بالعربية، وهو ما له ألا يغيب عنا، عن لزوم تمكين معرفتنا بأسباب قيامها. وهي أسباب تتعين في غير مستوى، من التعليم إلى الإنتاج، أي في العمل، أي في القيام بدراسات تتكفل بأسباب المعنى في الوجود العربي: لنكتب بالعربية، إذ لا خلاص لها من الموت والاجترار إلا بالفعل الكتابي المجدد. فأين نحن، اليوم، بين الترجمة والتأليف؟
هذا ما أجمعه في قول نسيت اسم واضعه، وهو التالي: "الأفكار لهم، والألفاظ لنا". فماذا عن حقيقة هذا القول؟
لا يزال القارئ أو الكاتب أو المثقف العربي يقرأ أو يستمع إلى خطابات وتصريحات تشدد على أن علاقتنا بالحداثة الغربية تشبه علاقة الزبون إذ يدخل إلى المطعم: يراجع قائمة الطعام ويختار ما يشاء من الأطباق. بل يمكن تعيين هذه الصورة في شكل أقوى، إذ يشدد هؤلاء على أننا قادرون، بل طالبون للفصل بين ما تقوله هذه الحداثة وما يمكن أن نستله منها. وهو ما يتعين في دعاوى عديدة تميز بين الشكل والمضمون، بين الفكر والتقنية، وغيرها من الثنائيات التي اخترعناها، وتسترنا وراءها، في الغالب، للتملص من موجبات الحداثة ومستحقاتها، أو لتفريغها من مضامينها التحويلية.
ويكفي للتدليل على ما أقول أن ننتبه إلى استعمال الآلات التكنولوجية الحديثة في بلادنا، حيث أن آلة الفيديو تتحول في جامعات إلى وسيلة للتعليم عن بعد ظاهرياً، فيما تعمل واقعياً على الفصل بين الجنسين. وهذا ما يخضع له التحاور عبر الحاسوب، حيث يتحول في بعض البلاد، أو لا يحصل من دون رقابة الأهل، بدل أن يكون حواراً مغفل الهوية ولا سيما في "الدردشة الإلكترونية"... وهذان مثالان بسيطان، ويمكن ذكر العديد غيرهما في أكثر من قطاع ووسط، وفي أكثر من بلد عربي، حيث نتحقق من عدم قبول القيمين على سلوكياتنا وقيمنا وطرق عيشنا وعملنا وتفكيرنا على دخولنا اللازم في عهد الحداثة. فما قبلته مجتمعات عديدة قبلنا، وهي لا تقل أو تزيد مكانة عن مجتمعاتنا، ولا تقل تمسكاً بتراثها منا، كما اليابان على سبيل المثال، لا نزال نتردد أمام بواباته. وما لم يقوَ السلاطين العثمانيون، بأجهزة دبلوماسييم وعلمائهم ونخبهم، على ملاحظته من تغيرات دينامية في بلدان أوروبية مختلفة، منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، لم نلحظه نحن بدورنا، بل عملنا في أحوال كثيرة على التبرم منه، أو التخلص منه، أو تحويره بما يخفف من طاقته التحويلية.
هذا ما خبرته بنفسي، في نطاق عملي وكتابتي. فأنا من دون الكم الهائل من المعارف التي وثقها لي عدد من الدارسين الأوروبيين والأميركيين، ومن دون نهضة العلوم والمناهج التي جددوها وأصلحوها، لا أقوى - واقعياً على الأقل - على مباشرة البحث والتأليف. وهذا يعين حدوث تداخلات والتباسات بين الدال والمدلول لا يجوز قصرها على علاقة قالبية واصطناعية واقعاً، وهو ما أمثله في القول المذكور: «الألفاظ لنا والأفكار لهم».
أسعى في هذا المسار من دون خشية ابن سبعين، من دون عقدة ذنب، ولا تأفف، طالباً وحسب الأمانة لموضوعي. وهو تعبير أريد منه، لا الحديث عن شروط قومية أو أخلاقية للبحث، بل عن مقتضيات أجدها في ضرورات البحث نفسه، وأتقيد بها على أنها من موجبات إنتاج المعنى اللازمة. فهل نبقى نجتر قول السالفين، والجمع الإخباري البليد، من دون تمكين العقل من مسائله؟ بل يمكن توجيه السؤال في صورة أقوى: ألا يحسن بنا – إن لم نتمكن أو لم نصرف الوقت والتحليل لفهم كيف أصبحت أوروبا قادرة ونافذة بفضل حداثتها الفكرية والتكنولوجية – أن نتدبر أمرنا بما ثبتت صلاحيته، بدل أن نغطي وجوهنا ظانين بأن الشمس لم تشرق، وبأن لا أحد يرانا؟
لنكتب، إذن، وبالعربية، ولنجعل من الكتابة سبيلنا إلى المعاينة بدل التمني، وإلى التفكر بدل التوهم المرضي حول الذات كما الآخر، وإلى صياغة المعنى بدل اجترار ما يسمونه "التراث" - وهو لا يعدو كونه وسيلة بعضهم في التسيد، بأقل الحمولات وأبعد الاستعدادات عن المعرفة الصحيحة.
لنكتب، وبالعربية، على أن تكون علاقتنا بالخطاب الغربي في نطاق الإنسانيات عن بلادنا وخطاباتنا عاملاً استفزازياً ومحرضاً لكتابتنا ومعارفنا: سبق لي أن كتبت في "الفن والشرق"، بأن خطاب الاستشراق وصل متأخراً إلى بلادنا، وما كان له بالتالي أن يفعل فعله الإلغائي مثلما حصل مع ثقافات ولغات أميركا الشمالية والجنوبية؛ أما ما فعله هذا الخطاب، وما يمكن أن يفعله، فهو يتعين في الشراكة التنافسية وإن المفروضة: ألا ننتبه إلى أن أفضل المساعي البحثية في بلادنا تتعين في قيامها، في قدرتها، على إنتاج خطاب نقدي للخطاب الغربي عن بلادنا وخطاباتنا؟ فما وجب التنبه إليه، هو أن الخطاب الاستشراقي انتهى إلى أن يكون خطاب "المثاقفة بالمقلوب"، كما أسميه، فالمستشرق الذي أتى هذه البلاد متعرفاً، أو متعلماً لثقافتها وللغتها، انتهى إلى أن يطلب "الأستذة" المعرفية فضلاً عن السياسية على أهلها.
لهذا يبقى السؤال مطروحاً على أنفسنا، قبل غيرنا: كيف نتحول إلى "ذات" منتجة، بدل أن نكتفي بأن نكون "موضوعاً" وحسب – مهما كابرنا وتحدثنا عن ظلم الغير أو تـآمرهم علينا؟ هذا هو السؤال، وهذا هو المحك: كيف نتدبر أمور خطابنا بأنفسنا؟ وهو يكاد أن يكون ترجمة للسؤال التالي: كيف نتدبر بأسباب قيامنا وبما لنا أن نقوم به؟
(محاضرة في يوم دراسي دولي عن "الترجمة والعلوم الإنسانية: رهانات المعرفة"، مع الدارسين، جان رينيه لادميرال الفرنسي، وعبد السلام بنعبد العالي المغربي، في "المعهد الجامعي للبحث العلمي"، في الرباط، في 10 أيار-مايو 2007).