حاطبُ ليل

تنتظرني أمي أمام وجهي
ينتظرني أبي أمام اسمي،
ينتظرني أهلي أمام رسومي
والكاهن أمام قبري:

ينتظرونني
أنا أو غيري.

تسلمني أختي إلى قماطها،
وفراش جدي إلى فراش أبي
وبيتنا إلى شفيعه:
واحد يدفع الآخر على مقعد ضيق،
يستعيد منه لهاث الراحلين
ويخاصمه تحت ضوء الشموع.

يسلمني بطنها إلى حضنها،
وملحفتي البيضاء إلى عتبةٍ
لبابٍ لا أتوانى عن دفعه،
إلى زحام
من الديون المستحقة
والشهوات المرجأة:
وارث غيري
في نُطْفة منفوخة!

 

كان للعتبة أن تفضي إلى مصطبة
لا إلى رصيف
أو شارع،
وكان لزخمي أن يقتعد كرسياً بارداً،
لا أن يسرع الخطى في مقتلة معلنة؛

وكان لي أن أخرج، وأعود،
لا أن أولي الادبار
ناجياً من غرق!

كان لي...
غير أن يداً تستدركني
في سبحة
تتداولها أصابع الغائبين.

 

يعيدني والدي إلى المدرسة التي خرج منها
من دون أن يتخرج منها،
ويعيدني المعلم إلى حروفٍ
خلَّفها أخوتي لي
أو لغيري؛

إلى حروفٍ نافرة وممحوة،
لها أكثر من قراءة،
بل هي من لغتين،
مثل »الكرشوني«:

نقرأها في لغة
وتفيد في لغة أخرى.

 

أهو بيتي، إن عدتُ إليه
وسريري، إن اختفيت فيه
وأنا أُسوِّي من غيمةٍ مخدتي،
وأُمَسِّد في العتمة زغباً لجلدي؟

أهو بيت أم مغارة
بهذا الباب الواطىء الذي
يعيدني إلى حَرَجِي؟

أهو بيتي، ويلفظني
إلى حافةٍ
أستردُّ فيها خطاي
بأيدٍ مذعورة؟

 

أهو بيت، والقابضون على عِصِيِّهم
شرطة حدود،
يطردون
ويستقبلون
أبناءً في هيئة مهاجرين؟

العدة خفيفةٌ لماضٍ ثقيل
بين دنيا وأخرى،
يخلفها هذا لذاك
بين تجاعيد الأيدي
وفي احتباس الدموع:
أهو بيتٌ ما يعلونا،
قبعة ننزعها في لهونا؟
أهو بيتنا ما يتبعنا ويفترق عنا؟

 

تَقِينا العتمة من طي ثيابنا
ومن تعليق أحمالنا،
وتكفينا صورة العذراء، بأشعتها الهندسية،
لعبور الجسر الواصل بين ريبتين:
ريبة مما ندفنه على عجل،
وأخرى مما يَقرع بابَنا قبل جرس القداس؛

سراجنا يتثاءب على فتيلته،
وصبرُنا أقوى من نوره،

إذ نسكن في دواخلنا، لا فيه
في جُعبنا المحمولة
نبسطها خياماً
وإن في بيت من حجر.

دخانٌ أسود
في ليل أزرق
وتفاحة سهرٍ
تذوي فوق الطراريح.

أنفاس الجالسين في حفل تنكري
تدس أصابعها
عمداً
في وبر العتمة
قبل أن تنكفىء إلى أَسِرَّتها
المتجاورة
المتباعدة
في ألفةٍ لا وجه لها.
ألعاب بالكلام، أو بالأيدي،
مِرانٌ
يمتحن حواسه
أو يُنشب شهوتَه
في غفلة الضحك:

هذه عروسي، أعرفها،
لها ساق من دون موسيقى،
وقوام أخضر،
وعينان تزهران على شباك الضجر،
ألا تكون حَبَقةً لا يشمها
إلا من يمسك بها؟

حَطَبَة ثخينة لليل هزيل،
حَطَبَة ثخينة لعتمة باردة،

وحاطبٌ يسعى على قدمين خفيفتين
بيدين عجولتين؛

حاطبُ ليلٍ
يهرس العنبَ في عريشته.

يسبقنا ويتبعنا
بين إهمال وإمهال،
يقودنا إلى مطارحه من دون دليل،
ونبقى شاخصين
لمقاعد شاغرة:
أهو نهمُ التوأم إلى شقيقه
الساكن في خلاء الانتظار؟

حلمٌ مبهم يدرِج
في بنطلون قصير،
يداه تُقلبان غيمة،
ورجلاه مجذافان في نهر.

حبلُ سرتي لطائرة ورقية
أرفعُها وترفعني،
وخيطُها يكتبني
أو يلتف حول عنقي؛

حبل سرتي
لغسيلٍ مدعوك فوق سطوح باردة،
وبطولِ حبلِ حمارٍ
ينهق في مرج مشمس.

هذه الأرض ليست لي،
أتصفحها كتاباً
في عهدتي:
له خيالات تنبعث من أنفاسي
وثمار أرتقبها
ومحراث يشق الغيوم؛

أُقلِّبها مثل "السِّنِكْسار":
يحكي سِيَر القديسين
لكنني أتهجاه بحماستي.

كتابٌ
لسانٌ في بيوت،
ريق راهنٌ
لكلام دهري
تتلجلج به الشفاه.

لعابي الممدود
إلى طاولة لا يبلغها لساني
حلواي
ألتهمُها بأيدٍ كثيرة،
بخشية بصاصٍ
يتدلى من شرفة
فوق بيتي؛

يباغتني ويجلوني
صورةً عن مشهد قديم:
لا يزال الصحن القديم
أمامي
أوسعَ من فمي،
وأصابعي
أضيقَ من أن تسع لقمتي؛

 

يتقدمني
فتدركني جلبته،
وما أن أدنو منه
يمسح فمَه بمريلتي؛

 

لعابي
رذاذُ مائي المحتبس.