حصى لصبرها الصاحي
(مقاطع)
للحجارة الصاعدة صوب الدير
صفحات كتاب عتيق
نقرأها عن ظهر غيب،
ولها مرآة مقعرة
لاجتماع حياة في زمزمةِ شفتين.
للحجارة أن تروي
بأحمالها
وهنَ الصاعدين،
وأن تخفي على عجل
إلحاحات مفاجئة
لنزوات عابرة
ومقيمة.
للحجارة وحدها أن تشهد
في الهبوب
طواف العناصر
في نحيب المكان؛
وأن ترى الوادي
صاغراً
في وحشته.
صخورٌ لمطارحنا
بين هواء وخلاء،
نعيش فيها متخفين
أمام كنز مرصود؛
تستقبلنا أمام مشغلها،
يداها في مِرْيَلَتها،
بعد أن أبقتْ موج الشكل
في خفي الحجر.
نحط على صخورها بخشية اللصوص،
مكشوفين:
قايين يواري علامته
عن قضاة محتجبين؛
ونتكتم
خشيةَ إقلاق الطالعين من
رذاذ كوني،
جامعين في الظلال
لتوبةٍ،
وشموعاً عسلية لميتة مبكرة.
تكفينا أحجارنا في خفيتنا
لسقف واطىء
فوق وادي الغياب،
تكفينا سريراً لعيش معجل،
وبلاطةً نقضي العمر في نحتها
لأسمائنا
الموروثةِ عن أسمائهم،
لكن أحجارنا لا تسعنا
فنطوي تحت إبطنا
أجنحة النجوم.
تتقدمنا صخورنا إلى أقدامنا
شريكةً في الرقص،
وإلى إيادينا
مرآةً لسحنتنا:
ألهذا ندير لها ظهراً
لزوجة صابرة؟
تعلونا صخورنا، بيارقنا
من دون أن نسرج خيولنا،
ونعب من ينابيعها
بسلال من قصب؛
أحجارنا عملتُنا
نقايض بها من دون حساب،
دمى دهريةٌ
نلهو بها وتستنفدنا.
حجرٌ وسادتُنا
ما أن نشرع في تبني النجوم
ومواقعة الأيام :
- هذه نجمتي، ثآليلها على أصابعي
دليلٌ على بلوغي
وضلوعِها معي
في حبكة نبيلة،
- وهذا نجمي، يواعدني وحدي،
فكيف أخفي رهبتي
على نافذتي
إذ يدلف إلى جسدي
ويبقيني في وقفتي
مملوكةً،
سيدة؟
حجرٌ لرأسَيْنا
نسند إليه خوفنا
من رغبة أدركناها في عيوننا المذعورة
وفي حصرمٍ مبقع على ثيابنا.
حجرٌ يرمينا ونؤوب إليه،
حجرٌ يفضي إلى حجر،
ومنه إلى حجر،
في هبوب الخطى وغبش الدروب،
ومنه إلى سفرٍ يُمسي على سفر،
ويغدو إلى حجر
في أول الطريق:
للألف عصا الراحل
والياء مهد الجنين.
حجرٌ موقدُنا
لغذاء بطيء فوق مائدة الغبار؛
حجرٌ ثمرةُ الشتاء
إن يبسنا فوق سطوح الصيف،
ومرآة الصباح
إن عدونا خارجين من خروقنا؛
حجرٌ يخاطب صمتنا
ويحوك ليلةً بعد ليلة
كنزة لرغبة.
للحجارة أن تبقى يقظة
إن غفونا،
وأن تستر ظلنا
إن هربنا،
في عراء بيتنا المحمول،
بين أحجار هي تفاح
شهوتنا الأولى.
للحجارة أن تبقى بيننا،
بعدنا،
في صبرها الصاحي،
نخلِّفها
غافلين
لأولاد
لاهين...
حصاةُ طيش
أُطوِّح بها في الهواء
مقلاعاً
أو منجنيقاً
لجيش على أطراف أصابعي؛
حصاةُ طيشي
تستدركني
في غفلة مني:
كيف أسافر من يدي إلى يدي؟
كيف أتعقب أطرافي إذ أجدُّ في السير؟
كيف أقذف نردي وتكتبني الحصاة؟
حصاة بحجم يدي
أو رغبتي،
أُحمِّلها رسائل مختومة
ولكن من دون كلام؛
لها توق السهم
وإن تطيش،
ولها زخم
يمتحن انتظاره الراجف
في تدافعات الهواء؛
حصاةٌ غيرُ التي عاهدتني
على الوصول.
للحصى مِرانٌ
وعادات،
أصفُّها لوقيعةٍ
لا ينجلي غبارها،
وأتلقفها بأصابعي
بخفة الجسيم في طيشه.
حصاة أقتطفها
من مرج الغبار
أداريها عن أنظار غيري:
يا لاكتشافي!
وجدتني متلبساً في غيري!
حصاة شغفي
أجلوها مرآة
لكي ترى لون حبة التوت
على شفتها السفلى؛
وجَيْبُها مرمى حصاي
يقدح ناراً
لاحتكاك الحجر بالحجر.
(...).
هذه الجبال انخفضت
لتتلقاني براحتها،
بين سطورِ غَيْبِها،
وتستقيم لوحاً مدرسياً
لطلاب طائشين،
وترفع ستارتها
لممثلين يخالون أنفسهم متفرجين.
هذه الجبال طمرتْ رأسها
وكشفتْ تنورتَها المقلوبة
عن سيقانها
لنهرٍ
يواري في الوادي خشيته
من جريانه الهين
بين مخدات النائمين.
جبالٌ،
صفعةٌ يَقِظَة،
أبقتني
حبيساً في جهامتها،
أقرأ في دفتر الدروب
على ضوء سراج.
جبالٌ تنكفىء قبلنا:
ظلال داخلة في أشجارها،
وتسهر بعدنا:
عتمة صاحية في مطارحها الباردة.
صخرة لها غليون
من ليل موحش،
ولها سنديانة من شكوك
تنقِّب في دخانها.
ألهذا تشيخ الجبال
على
أقدامها،
ونبقى - نحن الورثة العابرين -
شاخصين إليها
أمام أفق؟
ألهذا تبقى الجبال عنا كتاباً
إن سهونا،
وتسترسل في مواكبها
إن تعثرنا؟
فبيننا وبينها عهد محفوظ
وإن بتواقيع مغفلة.
حصاي
نثر شغفي
في هيكل القصيدة.
***